GMT 11:30 2017 السبت 11 فبراير GMT 8:22 2017 الأحد 12 فبراير  :آخر تحديث
اطفال الحسوة يشكلون نموذجًا للمعاناة المستمرة

الحرب تعزز مأساة مرضى السرطان في اليمن

جمال شنيتر

أضحى السرطان هاجس رعب ينتشر في أوساط اليمنيين، ومبعثاً لإثارة القلق بشكل كبير جداً، وذلك لما يخلفه هذا المرض من معاناة للأسر اليمنية.

إيلاف من عدن: تشير الاحصاءات الصادرة عن مراكز السرطان ان اكثر من  عشرة آلاف يمني يعانون هذا المرض، وقد فارق جزء منهم الحياة.

مما زاد الطين بلّة ان الحرب اليمنية، التي تكمل عامها الثاني بعد عدة اسابيع، عمقت جراح  المرضى، وذلك بعد ان تأثرت المرافق الصحية ومراكز الاورام بأوضاع الحرب.

 قصة اطفال الحسوة في محافظة شبوة في جنوب اليمن، الذين ينهش السرطان اجسادهم منذ عشر سنوات دون تدخل حكومي او شعبي، يُشكل انموذجًا مصغرًا لمعاناة مرضى السرطان في اليمن.

"ايلاف" زارت الاطفال في حي الحسوة في مدينة الحوطة في محافظة شبوة، امس الاول الخميس، لتنقل عن قرب معاناة مرضى السرطان في اليمن. 

عدنان وطفلته منى

تضاريس المعاناة 

في حي الحسوة  يصارع خمسة اطفال (اصيل، فيصل، عبدالباري، منى، يسلم) من اجل البقاء على قيد الحياة، بعد اصابتهم بمرض سرطان الجلد، حيث ينتمي الاطفال الى ثلاث اسر متجاورة ومترابطة في النسب، وهو ما يعني وجود صلة وراثية بحسب بعض التقارير الطبية التي اطلعت عليها "ايلاف".

اصيل، اكبر المرضى سنا، وأكثرهم معاناة وألما، نهش السرطان خلال السنوات العشر الماضية من جسده النحيل. 

ورغم علامات التعب والمرض التي تغطي تضاريس وجهه، الا انه بدا بشوشا، تحدث قائلا: "لقد اصبت بالمرض وانا في السنة الاولى، ولكن لم يحدد احد  تشخيص المرض، ولم تنزل لجنة تشخص هذا المرض بالشكل العلمي،  لم يأت احد لعلاجنا ولم يسفرونا للخارج".

يضيف: "لقد حجبونا عن الشمس، قالوا الشمس مضرة عليكم، ولا يعطوننا كلاما  يقينا وواضحا عما اصابنا".

تقارير طبية 

قمنا بالإطلاع على تقارير طبية سابقة كتبت قبل عدة سنوات، وهي تشخص الحالة المرضية لأطفال الحسوة، والتي تفيد بأنهم مصابون بمرض سرطان جلد "خبيث", وهو مرض وراثي يدعى جفاف الجلد المصطبغ، ويختصر بـ(xp)  حيث يكون لدى هؤلاء المرضى حساسية مفرطة تجاه أشعة الشمس مع خلل في الحمض النووي المتأثر بالضوء.

والمرض وراثي ذو صبغة جسدية متنحية ينتقل من الآباء السليمين ظاهرياً إلى الأبناء، ويتطلب ظهور المرض وجود قرابة عائلية غالباً بين الوالدين.

ويمضي التقرير: "يبدأ المرض منذ الطفولة الباكرة بظهور حروق جلدية وعينية عند التعرض لأشعة الشمس المعتادة, ومع تكرار التعرض فإن جلود هؤلاء المرضى يبدأ بالتقسي والتصبغ والتجفف حيث تتشكل على هذه الأرضية السرطانات الجلدية عندما يبلغ المصاب السادسة أو الثامنة، كذلك يتأذى البصر بفعل الالتهابات المتكررة للعينين وعتامات القرنية المؤدية إلى فقدان البصر".

منى طفلة صغيرة لم تتجاوز الاربع سنوات، هي حلقة اخرى من مسلسل  هذا المرض في هذه العائلة، وجدناها مع والدها عدنان الذي يلاعبها اسفل منزلهما، ويحاول أن يخفف عنها آلام المرض.

يهاجم عدنان مسؤولي الصحة  قائلا: "تشخيص المرض من قبل مسؤولي الصحة لم يتم بالصورة الصحيحة، يقولون انه وراثي دون ان يجروا فحوصات دقيقة او اجراءات عملية، للأسف لا يوجد اهتمام من الدولة  بأولادنا، نطالب بنقل اولادنا للخارج، ونطالب بالعناية وان تنظر بعين الرحمة لهولاء الاطفال الذين يأكلهم المرض". 

ويضيف: "هذا المرض الذي اصاب اولادنا يعجز وصف آلامه، ستة من اولادنا رحلوا الواحد تلو الاخر، الحالة الاخيرة توفت قبل عدة ايام، اذا شاهدتها ستبكي كثيرا لحالها، الحجر يتفطر وينكسر لحالها، واللسان يعجز عن الوصف، هو مرض يُهلك اولادنا، حتى ان عظامهم تكون ظاهرة للعيان وهم أحياء".

محمد مبارك .. وكيل المرضى واحد اقاربهم

تشكيك

يشكك وكيل العائلة وأحد المقربين من المريض محمد مبارك بما جاء في التقارير الطبية التي اعدتها الجهات الصحية، والتي تفيد ان العامل الوراثي يقف خلف اصابة اطفال الحسوة بسرطان الجلد.

ويضيف: "هذه الحالات المرضية المزمنة  لا نعرف اسبابها، فتقارير الاطباء غير دقيقة، صحيح ان هناك رابطًا اسريًا بين الاطفال المصابين، لكنه رابط ضعيف من الاجداد، هناك احتمال آخر، فهذه مساكن  تقع  في انحدار  الجبل، وربما تكون في الجبل مواد مشعة او مسرطنة، ومع ذلك لا استبعد ان يكون وراثيًا، ولا استبعد ان يكون وبائيًا ايضا، نحن غير مقتنعين بالتقارير السابقة، والفصل في هذه المسألة من خلال فريق طبي يمتلك امكانيات متطورة، ولكن الذي حدث انه تم ارسال فريق محلي يفتقر لأبسط الامكانيات الطبية، حتى ان الفريق لم يسحب اي عينات دم من المرضى، ولذا نؤكد على اهمية وجود فريق طبي متخصص لتشخيص هذا المرض، وهل هو وراثي ام وبائي".

غير معدٍ 

ينفي وكيل العائلة ان يكون مرض اولادهم ينتقل بالعدوى، كما  تردد في وسائل التواصل الاجتماعي، قائلا: "المرض غير معدٍ، لو كان معديًا لأهلكنا معهم،  نحن نعيش معهم وبينهم، وهم متداخلون مع اطفال الحي".

ويشير مبارك ايضا الى ان المصابين رغم جراحهم يتمتعون بروح الدعابة ويلعبون مع الاطفال، وخاصة عند حلول المساء، موضحا بان الاطفال لا يستطيعون  الخروج اثناء النهار بسبب اشعة الشمس.

ويختم مبارك بالإشارة الى ان اهالي المرضى يعيشون اوضاعا معيشية صعبة للغاية، فهم عمال بالأجر اليومي، ولا توجد لهم اي رعاية اجتماعية.

وزارة الصحة توضح 

لمعرفة موقف وزارة الصحة والسكان بشأن مأساة مرضى السرطان في حوطة شبوة، تواصلت "ايلاف" هاتفيا مع وكيل وزارة الصحة لشؤون الصحة الانجابية الدكتور علي الوليدي، وقد قال: "وصلتنا بلاغات من الاهالي في منطقة الحسوة ان هناك حالات مرضية مصابة بمرض جلدي، وعلى ضوء تلك البلاغات تواصلنا  مع مكتب الصحة في محافظة شبوة، وطلبنا منهم انزال فريق طبي لمعاينة تلك الحالات، وبالفعل نزل الفريق ومن ضمنهم اخصائي امراض جلدية، حيث وجد ان الحالات المصابة تنتمي لأسرتين متجاورتين ويوجد بينهما نسب، كما وجدوا ان الاطفال يتأثرون بأشعة الشمس".

ولدى سؤاله عن  موقف الوزارة من عدم اقتناع  اهالي المرضى بنتائج الفريق المحلي الذي سبق  وان زار  الاطفال ، وعد  وكيل وزارة الصحة بإنزال فريق طبي آخر من منظمة الصحة العالمية وبإمكانيات بشرية وفنية افضل من الفريق الاول، وعلى ضوء التقرير المنتظر منهم سيتم اتخاذ الاجراءات المناسبة حيال المرضى، مشيرا الى ان قيادة وزارة الصحة ستولي الاهتمام بأطفال الحسوة رغم الظروف الصعبة التي تعانيها الوزارة بسبب الحرب".
 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار