GMT 22:00 2009 الإثنين 11 مايو GMT 22:10 2009 الإثنين 11 مايو  :آخر تحديث

عندما يكتشف بويز ميشال عون...

الرأي العام الكويتية

عندما يكتشف فارس بويز ميشال عون...

خيرالله خيرالله

12/05/2009

الأكيد أن آخر ما يتمتع به النائب والوزير اللبناني السابق فارس بويز هو خفة الدم... إضافة بالطبع إلى بعض من أمور أخرى ليس بالإمكان، أوعلى الأصح، ليس مسموحاً الحديث عنها بشهادة أقرب من هم إلى فارس بويز من الزاوية العائلية، أولئك الذين دخلوا معه في دعاوى قضائية لا حاجة إلى ذكر تفاصيلها. لكن هذه الاعتبارات لا تمنع من الإشادة بالاستفاقة المتأخرة لفارس الذي اكتشف من هو ميشال عون. أن يستفيق المرء متأخراً أفضل من ألا يستفيق أبداً، حتى ولو كانت تلك الاستفاقة من باب الانتهازية ليس إلاّ. ولكن ما العمل عندما يكون هناك انتهازي صغير يريد منافسة من يمكن اعتباره رمزاً للانتهازية، بل عنوانها اللبناني...
ما هو أكيد أيضأ أن ميشال عون ليس مريضاً عادياً بدليل أن فارس بويز شكر ربه على عدم دخوله «قفص الصيصان». و«الصيصان» هنا هم «جلابيط» ميشال عون الذين تحدث عنهم، أول من تحدّث بهذه الصفة، النائب ميشال المرّ. ميشال عون ليس مريضاً عادياً. إنه المرض شخصياً. الشخص الذي اسمه ميشال عون لا يعرف شيئاً عن المبادئ أو ما يمكن أن يشكل حداً أدنى من التعامل الأخلاقي في المجال السياسي. إنه على استعداد لأن يأخذ شخصاً مثل علي عمّار على لائحته في بعبدا من دون أن يسأل لماذا لا يعيده علي عمّار، بصفة كونه ممثل «حزب الله» في الضاحية الجنوبية، إلى مسقط رأسه في حارة حريك. صار ميشال عون، المهجر من حارة حريك في الضاحية الجنوبية، حليفاً لعلي عمّار ومع أولياء نعمة ذلك النائب الذي تجاوز المقاييس كلها في مجال التفوق على البذاءة في حرمة مجلس النواب. لم يسبق لنائب لبناني أن فعل ما فعله علي عمّار في مجلس النواب. حطم علي عمّار الأرقام القياسية كلها في البذاءة والوقاحة. والواضح أن تمسك «حزب الله» بترشيحه يشير إلى مدى افلاس الحزب. أما قبول ميشال عون بمثل هذا الترشيح وبادراج علي عمّار في لائحته في بعبدا، فهو دليل على أن الجنرال ليس سوى أداة في لعبة أكبر منه.
لا يعرف ميشال عون إلاّ أن يكون أداة. إنه الدور الذي خلق من أجله... منذ ما قبل ذلك اليوم المشؤوم الذي عمل فيه كل شيء من أجل تسهيل دخول القوات السورية إلى قصر الرئاسة بعبدا ووزارة الدفاع في اليرزة، وذلك للمرة الأولى منذ استقلال لبنان في العام 1943. هل يمتلك ميشال عون حداً أدنى من الرجولة للقيام بعملية نقد للذات واستيعاب معنى الاعتماد على صدّام حسين وياسر عرفات في الأعوام 1988 و1989 و 1990 في حربه على الوجود السوري في لبنان وقبل ذلك على «اتفاق الطائف»؟ ألم يكن ذلك دليلاً على غياب أي نضج سياسي، أم أن عون كان يعرف تماماً ما الذي يفعله وأن المطلوب منه كان تنفيذ المتوجب عليه، أي ايصال السوريين إلى قصر بعبدا بعد تدمير المجتمع المسيحي بطريقة لا تعود فيها أي منطقة لبنانية خارج السيطرة السورية؟ نفّذ ميشال عون المطلوب بدقة. لم يفهم، أو فهم جيداً، لماذا كان السوريون يزودونه عبر عملائهم بكل ما يحتاجه من ذخائر ووقود متى كان الهدف القضاء على «القوات اللبنانية» التي كانت وقتذاك ميليشيا مسلحة وليس حزباً سياسياً، كما الحال الآن؟ ألم يحسب ميشال عون ولو لبرهة أنه لم يكن قادراً على القضاء على «القوات» وأن كل ما هو مطلوب منه الدخول في حرب معهم كي تسقط المنطقة المسيحية لا أكثر ولا أقل بما يتلاءم مع المشروع السوري في حينه؟
استخدم ميشال عون فارس بويز. يمكن اختصار ما حصل بتفوق انتهازي على انتهازي آخر. لم يكن في استطاعة فارس بويز الدخول في منافسة مع ميشال عون. كل ما في الأمر أن فارس بويز اختار المكان الخطأ لمنازلة ميشال عون. في مجال الانتهازية وقلة الوفاء، لا مجال للتفوق على ميشال عون. أحرز الجنرال، الذي تخصص في الهزائم العسكرية، قصب السباق منذ فترة طويلة. الأكيد أنه لا يستاهل حمل رتبة جنرال كونه خسر كل المعارك التي خاضها. كان مفترضاً أن يكون هناك من ينزع عنه هذه الرتبة التي لا علاقة له بها إلا إذا كان هناك جنرال متخصص في الإساءة إلى الجيش الذي ينتمي إليه.
في الثمانينات من القرن الماضي، لم يتجرأ ميشال عون يوماً، عندما كان قائداً لأحد ألوية الجيش ثم قائداً للجيش، على الذهاب إلى جبهة سوق الغرب إلا عندما أجبره الرئيس أمين الجميل على مرافقته إلى تلك الجبهة. ليست لدى ميشال عون أي صورة على جبهة سوق الغرب في الثمانينات إلا عندما أمره أمين الجميل بمرافقته. وفي العام 1990، فر ميشال عون من قصر بعبدا تاركاً جنوده وضباطه في مواجهة غير متكافئة مع الجيش السوري. ترك حتى زوجته وبناته في قصر بعبدا ولجأ إلى منزل السفير الفرنسي في بعبدا كي يضمن حياته. كان ميشال عون يعرف تماماً أن السوريين سيحمون عائلته بفضل المرحوم إيلي حبيقة والضابط السوري الشهم الذي دخل القصر الرئاسي ليجد النساء فيه من دون أي حماية من أي نوع كان... فأمن لهن الحماية وحافظ عليهن بعد فرار الجنرال الذي تعهد علناً بأن يكون «آخر من يغادر السفينة».
ما في الأمر كله أن انتهازياً انتصر على انتهازي آخر. تلك هي نتيجة المواجهة التي حصلت بين فارس بويز وميشال عون. ربما كان العنصر الإيجابي الوحيد في تلك المواجهة أن فارس بويز استطاع أخيراً أن يثبت أنه يمتلك بعض خفة الظل وذلك عندما تحدث عن «قفص الصيصان». احتاج كل هذا الوقت لاكتشاف «الصيصان» ومن على رأس «الصيصان» ومن يمتلك مفتاح القفص. كم صار بعيد النظر فارس بويز الذي ما كان ليستاهل إيراد اسمه في مقال ما لو لم يخرج بنكتة «قفص الصيصان». إنها بالفعل نكتة موفقة يمكن أن تشكل الإنجاز السياسي الوحيد لوزير سابق للخارجية ولنائب سابق احتاج إلى ما يزيد على عشرين عاماً ليكتشف من هو ميشال عون وإلى أي مدى يستطيع الجنرال الذهاب في انتهازيته.

 

في أخبار