GMT 0:05 2013 الخميس 17 أكتوبر GMT 2:31 2013 الجمعة 18 أكتوبر  :آخر تحديث

إيران وراء كل هذه الفتن الطائفية والأسباب سياسية لا دينية

الشرق الاوسط اللندنية

صالح القلاب


بعد المذبحة الأخيرة، التي ارتكبها حزب الله ومعه فيلق «أبو الفضل العباس» في إحدى ضواحي دمشق، وذهب ضحيتها مائة وثلاثون سورياً معظمهم من الأطفال، لا بد من وضع الأصبع على الجرح ولا بد من القول وبوضوح ومن دون لبس ولا لف ولا دوران إن إيران، الخمينية وليس الشاهنشاهية، هي المسؤولة عن كل هذه الحمى المذهبية التي باتت تجتاح هذه المنطقة وأدت على مدى الأعوام العشرة الماضية إلى إراقة دماء المسلمين إنْ كانوا من السنة وإنْ كانوا من الشيعة من المذهب الجعفري الاثني عشري ومن غيره. إنه لو جرى إبعاد السياسة عن الدين فلم كان هناك كل هذا الخلاف الذي لم يصل إلى الذروة ويؤدي إلى هذه المذابح المحتدمة في العراق وفي سوريا وأيضا في اليمن وإلى هذا التوتر في لبنان، الذي اقترب أكثر من مرة من الخطوط الحمر، إلا بعدما بدأ الإيرانيون بالتمدد في هذه المنطقة لإنجاز مشروعهم الذي بقوا يحاولون من خلاله استعادة أمجاد غابرة عندما كانت إمبراطوريتهم الفارسية تسيطر سيطرة المحتلين و«المستعمرين»، وفقا للمصطلحات المستجدة، على دول المشرق العربي الحالية كلها وعلى جزء من دول أفريقيا العربية والوصول حتى إلى اليونان القديمة بحدودها التاريخية. إن كل هذا الذي نراه الآن إنْ في العراق وإنْ في سوريا وإنْ في دول عربية أخرى، من بينها لبنان واليمن ومن بينها أيضا فلسطين، أسبابه سياسة متعلقة بتطلعات إيران الخمينية والخامنئية وليس له أي علاقة لا بالدين ولا بالمذاهب والطوائف ولا بالشيعة والسنة، فالدين الإسلامي، الذي هو لكل أهله وللجميع، بكل أجنحته أشرف وأسمى من هذا المستوى الذي تدنت إليه قيم الذين لم يتورعوا عن شتم «أبو بكر الصديق» و«الفاروق» عمر بن الخطاب وعائشة زوجة نبينا العظيم رضي الله عنهم جميعا وذلك خدمة للأغراض المعروفة.

إنها الفتنة السياسية وهي ذاتها التي عصفت بالمسلمين في صدر إسلامهم والتي لا وجود إطلاقا فيها لأي خلاف ديني، وإنما الخلاف كان ولا يزال سياسيا بدأ بمقتل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وانتهى بمقتل علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم جميعا ووصل إلى قضية «التحكيم» المعروفة وأدى إلى إراقة دماء الآلاف من المسلمين الذين اصطف بعضهم إلى جانب هذا الطرف وبعضهم انحاز إلى الطرف الآخر.

إن كل المواجهات اللاحقة التي وإن هي تأخرت إلا أنها كانت امتدادا لتلك الفتنة السياسية التي عصفت بالمسلمين مبكرا واستمرت لسنوات طويلة؛ فروايات وأجواء مذبحة «كربلاء» تأتي في هذا الإطار وانحياز الفرس إلى الحسين بن علي واستمرارهم بالعويل والندب وقد الجيوب يأتي في هذا الإطار، ولعل ما يجب قوله ونحن بصدد الحديث عن هذه المسألة الخطيرة أن لآل البيت سابقا ولاحقا وحتى الآن احتراما لدى أهل السنة كلهم بكل مذاهبهم، وإن الأئمة الأربعة: «أبو حنيفة وابن حنبل والمالكي والشافعي» كانوا يتعاطفون مع أبناء علي بن أبي طالب وأحفاده وأحفاد أحفادهم وأن المسلمين من أهل السنة كانوا وما زالوا ينظرون إلى جعفر (الصادق) بن محمد (الباقر) بالمزيد من التقدير والاحترام والمحبة.

وهكذا فإن تلك الفتنة السياسية، التي ألبست أثواب الخلافات الدينية ألقت بظلالها على التاريخ الإسلامي القديم والجديد المستمر حتى الآن، فحتى ذلك الصراع الدموي الذي تفجر في عهد الدولة الأموية وبلغ ذروته في عهد مروان بن عبد الملك بن الحكم والذي اتخذ صيغة المواجهات الدامية بين القيسية واليمنية قد أعطي طابع الخلاف الديني، مع أنه في حقيقة الأمر كان واجهة لخلاف سياسي عميق وكان تجسيدا لخلاف قبلي قديم بين العدنانية والقحطانية، وهذا ينطبق على الصراع العباسي - الأموي وعلى صراع العباسيين مع أحفاد علي بن أبي طالب إنْ من الفرع الحسني وإنْ من الفرع الحسيني.

والمهم أنه لم يكن هناك أي خلاف ديني لا مذهبي ولا طائفي بين السنة والشيعة قبل ظهور الدعوة الصفوية، التي كان أطلقها صفي الدين الأردبيلي وركب موجتها إسماعيل الصفوي للوصول إلى الحكم بعد بدعة «الولي الفقيه» التي كان ابتدعها أحد رجال الدين الشيعة اللبنانيين فـ«الشعوبية» التي برزت في فترات الدولة العباسية كانت مواجهة سياسية بين الفرس والعرب كان سلاحها الثقافة بكل تجلياتها وكان فارسها من الجانب العربي عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري (الجاحظ) صاحب كتاب «البخلاء» الذي لا توجد الآن منه أي نسخة للتداول العام في الجمهورية الخمينية - الخامنئية.

إن هذه المشكلة بدأت تتخذ الطابع الديني في عهد الدولة الصفوية بعد بدعة «الولي الفقيه» وبعدما قويت شوكة الفرس في عهد هذه الدولة، حيث بدأ أهل السنة يسمعون علنا شتم الخليفة الأول (أبو بكر) والخليفة الثاني (عمر بن الخطاب) على المنابر وهذا وللأسف قد تجدد بعد انتصار الثورة الخمينية واستمر في عهد الولي الفقيه علي خامنئي، لكن وهذه حقيقة لا تحتاج لإثباتات كثيرة أن كل هذا الخلاف الذي أعطي طابعا طائفيا كان مجرد غطاء لخلاف سياسي وصراع فارسي - عربي اشتد في السنوات الأخيرة بعدما تمادى الإيرانيون في محاولات السيطرة على هذه المنطقة بادئين بمحاولات إيجاد رؤوس جسور متقدمة لهم في سوريا وفي لبنان وبالطبع في العراق واليمن وكثير من دول الخليج العربي وأيضا في مصر التي نكتشف فجأة بعد كل هذا التمادي الإيراني في التدخل في كثير من الدول العربية أن فيها نسبة ضئيلة من الفاطميين الذين بالأساس ينتسبون إلى المذهب الإسماعيلي الذي افترق مبكرا عن المذهب الجعفري الاثني عشري والذي يوجد أتباعه بصورة رئيسة في الهند وفي بعض الدول الأوروبية والذي له وجود في شمال اليمن.

إن هذا هو واقع الحال وإن المشكلة هي أن الإيرانيين عندما سيطروا على العراق بعد الغزو الأميركي وسقوط النظام السابق في عام 2003 بدأوا يعملون وعلنا، ومعهم الذين تولوا الحكم في بغداد وبخاصة حزب «الدعوة» وبعض التشكيلات الطائفية الأخرى، على تهميش أهل السنة باعتبار أن نظام صدام حسين كان نظامهم وأنهم بالتالي المسؤولون عن كل ما فعله، وهنا لعل ما لا يمكن إنكاره هو أن غالبية التنظيمات الشيعية بأوامر وبتعليمات مباشرة من الولي الفقيه علي خامنئي ومن حراس الثورة وفيلق القدس هي من أشعل نيران الحرب الأهلية التي اندلعت في العراق في أواسط العقد الماضي، وهي التي أججت مجددا نيران هذا العنف الطائفي الأهوج الذي بات يجتاح بلاد الرافدين ويخبط خبط عشواء ويضرب في المدن والقرى وفي كل مكان؛ فإرسال متطوعين شيعة باسم «فيلق أبو الفضل العباس» بحجة حماية مرقد السيدة زينب في ضواحي دمشق للقتال ومعه ميليشيات حزب الله إلى جانب جيش بشار الأسد وإلى المشاركة في كل المجازر التي ارتكبها هذا الجيش، الذي غدا طائفيا بعد أربعين عاما من حكم هذه العائلة الحاكمة الآن في سوريا، ما كان من الممكن إلا أن يقابله في ظل هذه الأجواء السائدة في المنطقة تحرك السنة العراقيين دفاعا عن أنفسهم وعن أطفالهم وعن مكانتهم في بلدهم ووفقا لمقولة: «أكلت يوم أكل الثور الأبيض».

عندما يكشف بشار الأسد كل أوراقه الطائفية ويقبل بمتطوعين طائفيين من إيران ومن العراق ومن البحرين ومن اليمن للقتال إلى جانب جيشه وذبح أبناء الشعب السوري والأطفال السوريين وعلى أساس طائفي ولأنهم من أهل المذهب السني، فإنه أمر طبيعي أن يحصل في بلاد الرافدين هذا الذي يحصل، ثم وعندما يظهر حسن نصر الله على شاشات الفضائيات بعد عودته من طهران في أعقاب لقاء مطول مع علي خامنئي ويعلن وهو يهدد ويتوعد: «إننا لها» وعندما يبادر فورا لإرسال ميليشيات حزب الله للمشاركة في حصار السوريين وعلى أساس مذهبي أيضا إنْ في القصير وإنْ في حمص وإنْ في ضواحي دمشق وإنْ في كل المناطق السورية ثم وعندما يلجأ أفراد هذه الميليشيات إلى رفع علم «الفتنة» فوق مئذنة مسجد عمر بن الخطاب، فإنه يجب عدم الاستغراب أن تنتقل هذه المواجهات الطائفية إلى العراق وتتخذ هذا الطابع المدمر الذي اتخذته.

إن هذه الفتنة، التي جوهرها سياسي وقشرتها طائفية ومذهبية، والتي كانت نائمة ولعن الله من أيقظها، لا يمكن لجمها ووضع حد لها إلا بتراجع الإيرانيين عن سياساتهم ومواقفهم وإلا بأن يبادروا إلى سحب أيديهم من الأزمة السورية وإلى الرحيل عن العراق وتركه لأهله والتخلي عن التدخل في الشؤون العربية والتوقف عن دعم بشار الأسد ونظامه وحسن نصر الله وحزبه.. وإلا فإن هذه النيران الطائفية المتأججة سوف تنتقل إلى إيران نفسها، فهناك سنة وعرب وهناك أكراد وبلوش وهناك أقليات قومية ومذهبية مضطهدة كثيرة، وكما تدين تدان والبادئ أظلم.




 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار