GMT 0:02 2013 الجمعة 6 ديسمبر GMT 23:01 2013 الخميس 5 ديسمبر  :آخر تحديث

هاملت‏..‏ فوق مسرح الأحداث في مصر‏!‏

الأهرام المصرية

 محمد عبدالمنعم

 

أعرف أن الكثيرين منا يعلمون عن مأساة هاملت التي كتبها عملاق الأدب والفكر الانساني الكاتب الانجليزي ويليام شكسبير‏..‏ كثيرون منا تعرفوا علي هذا العمل الأدبي الخالد‏,‏ إما عن طريق القراءة‏,‏ أو عن طريق المسرح والسينما‏,‏ أو عن طريق الدراسة الاكاديمية المتخصصة للأدب الانجليزي‏..‏ كثيرون سمعوا‏,‏ أو قرأوا‏,‏ أو شاهدوا‏,‏ أو درسوا‏,‏ ولكن القليل جدا من هؤلاء من أدرك واستوعب الدرس العظيم الذي يلقنه لنا هذا العمل الأدبي الخالد‏,‏ وهو الدرس الذي مازال‏,‏ وسيظل قائما مادامت هناك حياة ومادام هناك بشر فوق هذه الكرة العجيبة التي نعيش جميعا فوقها‏!‏

كلنا نعرف أن هاملت تعرض الي مأزق انساني مأساوي عندما عرف وأيقن أن عمه قام بقتل أبيه بأن صب السم في أذنيه أثناء نومه وذلك بمباركة أم هاملت التي تزوجها بعد ذلك عمه وتربع بعدها علي عرش البلاد وكم من جرائم ومؤامرات ارتكبت في جميع أنحاء العالم, بسبب كرسي العرش هذا, منذ فجر التاريخ.. وفيما يبدو حتي يوم الدين!

إذن فهي مأساة من الدرجة الأولي, اتضحت كل فصولها أمام هاملت, وبدون الولوج الي تفاصيل تحتاج إلي مجلد كامل, فإن الموقف يتلخص في الآتي: هناك مأساة كبري تواجه هاملت فكان للغرابة والعجب أنه بدلا من مواجهتها بالحسم, كان ان اتجه الي اقراض الشعر ومناجاة ذاته البائسة والحائرة. ومن ثم بدأ تدريجيا يفقد قدراته العقلية, وعندما اهتدي اخيرا ـ ومتأخراـ إلي الحل الوحيد والأمثل لهذه المشكلة الذي كان يجب أن يسلكه منذ البداية والذي يتمثل في الانتقام من قاتل أبيه, ومغتصب أمه.. عندما اهتدي أخيرا إلي هذا الحل الأوحد, كان الوقت قد فات, وكان أن تخبط في قتل رجل بريء, وفقدان كل من حوله من أصدقاء وأقارب ثم كان في النهاية ان لقي مصرعه!!
الدرس هنا أيها السادة الكرام هو أنه عندما يواجه الانسان ـ أي انسان ـ بمشكلة ما, فإنه ينبغي عليه أن يشرع في حلها بأي طريقة, وأي وسيلة. وبمجرد الشروع في الحل فإنه ـ كما يقول علماء النفس ـ يقضي علي خمسين في المائة من حجم المشكلة, أما أن يترك المشكلة بدون حل ويتجه الي المناجاه مع النفس(Soliloquy) فهذا يؤدي الي التخبط, والتردي وفقدان الرؤية السليمة, وفقدان العقل ذاته!!
معذرة لهذه المقدمة الطويلة, وإن كانت في أي حالة من الأحوال هي مفيدة لنا جميعا فليس هناك من بيننا من يخلو من مشكلة ما ـ أو عدة مشاكل ـ تتطلب حلا, أو ان يسقط صاحبها صريعا, كما سقط هاملت,
وفي أثناء احتضاره قال عبارته الشهيرة: والآن لا شيء سوي الصمت الأبدي... معذرة مرة أخري أيها السادة الكرام فهذا هو حال دولتنا ـ أول وأقدم دولة في التاريخ الانساني فمنذ ثلاث سنوات ونحن جميعا نئن تحت ضغوط صبيانية غير مسئولة, وغير مدركة للعواقب الوخيمة التي بدأت تتوالي علي البلاد وتنعكس علي كل مظاهر الحياة.. ومع ذلك لا نشرع في الحل الحاسم والقاطع!
>>>
والعجب العجاب, الذي يحتار المرء في فهمه هو ما تطالعنا به يوميا الصحف والمجلات وكل وسائل الإعلام, خاصة برامج التوك شو التي يتوالي عليها نفس الضيوف ونفس الوجوه للحديث عن نفس المشكلة, تطالعنا كل هذه الوسائل الإعلامية وعلي لسان المسئولين بأن الحركات الثورية التي ظهرت عندنا فجأة تلقت تدريبات مكثفة ومخربة في معاهد ومراكز مختلفة الأسماء داخل الولايات المتحدة الأمريكية, ثم تضيف وسائل اعلامنا بالأسماء والأرقام للمبالغ التي تلقتها تلك التنظيمات والحركات التي تصف نفسها بأنها ثورية, والأدهي من هذا وذاك ان جميع وسائل الإعلام عندنا وجميع العاملين فيها من كتاب ومحللين ومخبرين صحفيين ومقدمي البرامج الإذاعية والتليفزيونية جميع هؤلاء يطالعوننا يوميا بأسماء الدول والجماعات والأفراد الذين اشتركوا في هذه المؤامرة الإجرامية ضد مصر التي كانت دائما هدفا للأعداء ليس فقط لذاتها ولكن لأن المتآمرين علينا يدركون جيدا ان انهيار مصر معناه انهيار العالم العربي كله, وفي ذلك لا أنسي أبدا انه في أثناء حرب الجزائر مع فرنسا خرج علينا رئيس الأركان الفرنسي وقتذاك ليقول إن خط الدفاع عن الفرنسيين في الجزائر يكمن هناك في سماء القاهرة, ولربما كان هذا المفهوم من بين أسباب العدوان الثلاثي علي مصر في عام56 الذي كانت فرنسا أحد أضلاعه!
>>>
ونعود الي الحاضر, وهذا الخراب المنظم الذي يجري فوق أرض مصر.. من الداخل وليس من الخارج, وبسواعد بعض أبناء هذا الوطن المنكوب, وليس بأساطيل أو جيوش وأسلحة عدو خارجي, فهناك في العالم الأول يحرصون علي حياة ابنائهم, ومن ثم كان ان ابتكروا وسائل بديلة بدأت بما يسمي بـ الحرب بالوكالة بمعني توكيل طرف آخر غالبا ما يكون من الدول الصغيرة التي تحتاج الي المعونات للتوغل في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل, وتستفيد منها إحدي الدول الكبري التي تخشي من فقدان ولو جندي واحد من أبنائها الأفاضل في أي معركة, أما أبناء دول العالم الثالث فهؤلاء لا قيمة لهم, وأن الموت بالنسبة لهؤلاء أفضل بكثير من الحياة التي يعيشونها.. ان كانت هذه حياة.. أو إن كان هؤلاء بشرا!
نعم ابتكروا وسائل حديثة للقتال كان من بينها ما يسمي بـ أسلحة الاطلاق من البعد وطائرات الشبح التي لا تظهر علي أجهزة الرادار, والطائرات التي تعمل بدون طيار ووسائل أخري كثيرة لم نسمع عنها.. ثم كان أخيرا ما يسمي بـ الجيل الرابع من الحروب الذي تدور معاركه الآن فوق الأراضي العربية وبالذات فوق الأراضي المصرية والأراضي السورية إذ إن التاريخ يقول لنا ان هاتين الدولتين تحديدا كانتا قوة فعالة في الكثير من الصراعات والمؤامرات التي تشهدها المنطقة بانتظام..
ومن ثم كانت مصر وسوريا هدفا رئيسيا للهجوم الجاري حتي الآن وللغرابة ان الرئيس مرسي العياط قرر إدانة سوريا ثم قام بقطع العلاقات معها!!
انها لمعجزة ان تستمر الحياة في مصر بشكل طبيعي( إلي حد ما) رغم ثلاث سنوات من البلطجة والخيانات والمؤامرات والاشتباكات والضغوط الخارجية التي عادت بنا الي حقبة الاستعمار.. وانها لمعجزة اننا مازلنا حتي الآن نقف فوق قدمين ثابتتين رغم أعمال التخريب والانفلات ورغم تبديد52 مليار دولار تركها لنا الرئيس مبارك ولا ندري حتي الآن ماذا فعل بها الرئيس محمد مرسي العياط, والأدهي من ذلك ان الرئيس الاسلامي مرسي العياط واخوانه المسلمين أعلنوا أن هذا الرصيد من العملات الأجنبية وهو تحويشة سنوات طويلة كان فقط36 مليار دولار ولكنهم لم يقولوا لنا حتي يومنا هذا أين ذهبت الـ16 مليار دولار التي أكد محافظ البنك المركزي انها كانت موجودة؟!
ثم أسوأ من هذا وذاك أولئك الذين يصفون أنفسهم بأنهم نشطاء وهو تعبير لم نسمع عنه علي مدي تاريخ مصر الطويل ويبدو واضحا انه مستورد من بيت الحرية( فريدام هاوس) أو مؤسسة راند أو أي من المعاهد والمؤسسات المخابراتية الأمريكية التي قدحت عقولها لتخريب واسقاط مصر وباقي الدول العربية, وان كلمة ناشط هذه غريبة تماما علي مفردات اللغة الدارجة في مصر وفي كل البلدان العربية!
وهكذا أصبح عندنا الآن جماعات وتنظيمات وجمعيات ودولارات ونشطاء هذا من ناحية, ومن الناحية الأخري هناك جمعيات ومؤسسات في واشنطن يعرف الجميع انها مؤسسات شبه مخابراتية وانها عملت علي انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي السابق, وان ما تقوم به الآن في المنطقة العربية هو سيناريو مكرر لما قامت به في دول الاتحاد السوفيتي السابق.. وياله من موقف بالغ الوضوح لا يحتاج الي ذكاء أو عبقريات لفهم العلاقة بين أولئك وهؤلاء, ولا يحتاج لخبرات وتجارب وقدرات علي استقراء المستقبل.. لا يحتاج لشيء من هذا حتي يمكن لأي واحد منا أن يفهم حقيقة ما جري وما يجري, وحتي يمكن ايضا لكل واحد منا أن يتصور شكل وحجم الكارثة التي تنتظر الجميع إذا ما استمر هذا الانفلات, وذلك التخريب, وتلك الاغتيالات التي تستهدف شخصيات مؤثرة.. حتي لوكانت تعمل في الظل كما كان يعمل الشهيد المقدم محمد مبروك بارك الله في أمثاله وتغمده برحمته الواسعة. هكذا هو الموقف, ومن ثم ينبغي علي هاملت كل هاملت يستشعر خطورة مايجري ينبغي عليه ان يتحرك بسرعة قبل ان تسحقه المؤامرة ويضيع كل شيء!!

 

ديمقراطية الغوغاء!!
في أورشليم, كما نعرف جميعا, كان الجنود الرومان قد ألقوا القبض علي سيدنا المسيح عليه السلام, وأصدروا عليه حكما جائرا يقضي بصلبه ودق جسده بالمسامير فوق الصليب الخشبي المعد خصيصا لتنفيذ هذا الحكم الذي ينم عن وحشية, وعن عدم إحساس بآدمية الآخرين, فما بالنا وقد كان المحكوم عليه من أنبياء الله تعالي, ويمتلئ العالم كله بأتباعه حتي يومنا هذا... وإلي يوم الدين!
ومن عجائب البشرية وبني البشر فإنه تزامن في ذات الوقت أن الرومان ألقوا القبض علي مجرم عتيد يسمي باراباس وأصدروا عليه, وفي عجالة, نفس الحكم بالإعدام, وكان من عادات وتقاليد الرومان في ذلك الوقت أن يقوم الحاكم الروماني للمدينة بإصدار عفو شامل عن واحد من المساجين المحكوم عليهم بالإعدام, وأن يتم اختيار هذا السجين الذي سيتم الإفراج عنه من خلال استفتاء أهالي المدينة, وعندما تم طرح هذا الاستفتاء العجيب علي الحشد المتوافر من أهالي القدس.
ويقول بعض المؤرخين أن غالبيتهم كانوا من اليهود.. عندما جري ذلك كان الأغرب والأعجب من ذلك الاستفتاء الهمجي هو أن هذا الحشد من أهالي المدينة أجمعوا علي إنقاذ حياة المجرم باراباس, وأن يتم صلب سيدنا المسيح!!.
فليكن ما كان خلال تلك الحقبة الهمجية من التاريخ الإنساني التي كانت خلالها جحافل الفرس والرومان تعيث في الأرض فسادا وجبروتا, ولكن الفكرة التي تظل عالقة في الأذهان منذ هذا التاريخ السحيق, وحتي يوم النهاية, هي أن الدهماء لا يحسنون الاختيار أبدا.. وعمدا!! وأنهم لو ترك الأمر إليهم, فإنهم سيختارون الأسوأ, ومن لا يستحق... يطلقون سراح المجرم ويصلبون النبي!!.
حمدا لله تعالي أن انتهي هذا العصر الذي يضع مثل هذا القرار في أيدي تلك الحثالة البشرية, ومع, ورغم, ذلك فإن المشكلة الآن ـ وفي القرن الحادي والعشرين ـ فإنه خلال إجراء الانتخابات والاستفتاءات وتطبيق الديمقراطية التي ينشدها الجميع... خلال مثل هذه الإجراءات التي تحدد مصير الأمم والشعوب, فإنه لو أصبح القرار في أيدي سلالة أولئك الدهماء ـ ومنهم الكثيرون في دول العالم, وبالذات العالم الثالث ـ لو أصبح القرار في أيدي أمثال هؤلاء, فالنتيجة المؤكدة هي اختيار المنحرفين والفاسدين... أما الأكفاء والمؤهلين فلهم الله تعالي.. ومعهم كل المظلومين!!.
 

في أخبار