GMT 0:00 2017 الأربعاء 1 نوفمبر GMT 7:35 2017 الأربعاء 1 نوفمبر  :آخر تحديث

عن مغزى الاحتفال الإسرائيلي ـــــ الأسترالي بمئوية معركة مشؤومة

المستقبل اللبنانية

وسام سعادة

عشية حلول الذكرى المئوية لوعد بلفور، وهي مناسبة يفترض أن تكون أساسية للعرب للنظر في كل المسار التاريخي من يومها إلى لحظتنا، اختار الجانب الإسرائيلي، إحياء ذكرى لا تقلّ أهمّية، بل «ثُقّف» بها الرأي العام الإسرائيلي منذ أشهر طويلة، وهي ذكرى معركة بئر السبع، الواقعة قبل مئة عام، في الحادي والثلاثين من تشرين الأول 1917.

المسافة بين هذه المعركة وبين استصدار وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني من ذلك العام تقاس بالساعات. في هذه المعركة، تمكّنت «قوة التجريدة المصرية» البريطانية، بقيادة الجنرال ادموند اللنبي من تحقيق أوّل إنتصار على المقاومة العثمانية – الألمانية لهجمات الحلفاء على جبهة سيناء – فلسطين. كان ذلك في بئر السبع، في النقب.

القوة الأساسية التي اقتحمت التحصينات العثمانية فيها كانت قوة «الآنزاك» المشكلة من جنود «الدومينيونز» (المستعمرات البريطانية القائمة أساساً على مجتمعات المستوطنين، والتي تحوّلت الى دول مستقلة ذاتياً مرتبطة بالتاج البريطاني)، من الأستراليين والنيوزيلنديين.

وما حصل بالأمس في النقب، أنّ دولتي الإستيطان الأبيض في أوقيانيا، أي نيوزيلندا وأستراليا، شاركتا اسرائيل، ممثلة برئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، باحتفال مئوية الانتصار على الجيش العثماني في معركة بئر السبع.

ولم يخيّب رئيس الوزراء الأوسترالي مالكولم تيرنبول آمال نظيره الإسرائيلي، اذ اعتبر أنّه لم يتمكّن الأستراليون والنيوزيلنديون من الإستيلاء على بئر السبع ذلك اليوم، وهذا أوّل التقهقر العثماني في فلسطين وبلاد الشام، لبقيَ وعد بلفور حبراً على ورق.

وبالفعل، المهمل في ذاكرتنا أنّ الدولة العثمانية كانت حتى ذلك اليوم تبلي البلاء الحسن، بل المدهش، على الصعيد الدفاعي. تمكّن الجيش العثماني من تحقيق انتصارات باهرة ضدّ المعتدين البريطانيين والأوستراليين والنيوزيلنديين، أضف إلى الفرنسيين، من غاليبولي (معركة جنق قلعة في مضيق الدردنيل نيسان – كانون الأول 1915، التي حصدت خمسة وخمسين ألفاً من جنود الحلفاء المعتدين) إلى معركة كوت العمارة، على نهر دجلة، التي استسلم فيها الجيش البريطاني بشكل مذلّ غير مسبوق للإمبراطورية «التي لا تغيب عنها الشمس»، إلى الفشل الذريع للبريطانيين وحلفائهم في معركتي غزة الأولى والثانية (آذار ونيسان 1917).

فما الذي تبدّل مع معركة بئر السبع؟ وهل من رابط مع وعد بلفور الصادر بعد حسم الخيالة الأسترالية تحديداً للمعركة بساعات؟

في الإحتفال الإسرائيلي – الأسترالي – النيوزيلندي ببئر السبع أمس، قال نتنياهو ما معناه أنّ هذه المعركة شقّت الطريق لقيام دولة إسرائيل. وفي مطلع هذا العام، أصدر «باري شو»، من المعهد الإسرائيلي للدراسات الإستراتيجية، كتاباً بهذا الخصوص، أعاد تلخيصه بمقالة في صحيفة «جيروزاليم بوست» مؤخراً، حاول أن يظهر فيه بأنّ انتصار بئر السبع على العثمانيين، لم يكن فقط نتيجة لحسبة عسكرية من طرف اللنبي وجيشه، بل كان باسهام من شبكات الجاسوسية الصهيونية في البلاد العثمانية، وبالتواصل مع تشكل قوة يهودية تحارب إلى جانب الجيش البريطاني، وأنّه يعود إلى هذه الشبكات، وإلى هذه القوة، أمر لفت نظر اللنبي، بأنّ عليه، كي يتمكن من معاودة الكرة في غزة بنجاح، في المرة الثالثة، أن يتوجّه قبل ذلك إلى عمق النقب، في بئر السبع، ويفتح الثغرة الأساسية في الجبهة، وقد جرى تزويده بما يلزم من معلومات ثمينة.

هناك بالطبع، أسطورة جرى تركيبها هذا العام، من اسرائيل حتى اوستراليا، تريد أن تعطي لمعركة بئر السبع دوراً تأسيسياً لإسرائيل، وأن تشرك اسرائيل، حتى قبل وجودها، بهذا الإنتصار «الكومنولثي»، وأن يجري الإحتفاء به كرمز مشترك للمجتمعات الإستيطانية، على اختلاف حالتها، من نيوزيلندا إلى اسرائيل. وبهذا المعنى يصير «وعد بلفور» نتيجة لـ «كفاح مسلّح» اوسترالي ـ نيوزيلندي، مؤازر بالمعلومات السرّية من شبكات صهيونية.

لكنها أسطورة تستند إلى وقائع تاريخية أيضاً، ولو كانت توظّفها بهذا الشكل النافر. ليس سهلاً، من الناحية التاريخية، اعتبار وعد بلفور «عربون تقدير» بريطاني لإسهام القوة اليهودية المحاربة إلى جانب اللنبي، أو لإسهام الشبكات السرّية. لكن صدور هذا الوعد ما كان ليحظى بالوقع نفسه لو أنّ التقدّم البريطاني على جبهة النقب تأخّر أطول من ذلك (وفي فترة الحرب الكبرى، يحسب كل شيء بعامل الوقت، تبعاً لمسار الأمور على الجبهات المختلفة). ما جعل «وعد بلفور» يكون له تاريخياً المفعول نفسه، هو معركة بئر السبع، وإن لم يكن هذا مرمى المعركة بحدّ ذاتها.

ليس قليلاً، على الصعيد الرمزي، ما حصل في بئر السبع بالأمس. اسرائيلي واسترالي ونيوزيلندي يحتفلون بانتصار «بريطاني» على «العثمانيين»، على الدولة التي استقبلت يهود اسبانيا بعد تهجيرهم، والتي كان يهودها في القرن التاسع عشر أكثر الملل رغبة في بقائها وإصلاحها، والتي لم تكن تمانع بإستقبال يهود العالم كله إلى يوم اندلاع الحرب الكبرى، بل كانت ترفض اقتطاع جزء منها لإقامة كيان يهودي خاص (رغم أنّها لم تسع جدياً في نفس الوقت للحدّ من الهجرة الصهيونية بإتجاه فلسطين).

ليس قليلاً في المقابل، أن تجري فعاليات إحياء ذكرى وعد بلفور عندنا، على قاعدة مواصلة تسويد صفحات الدولة العثمانية بشكل مطلق وغبيّ، بل تحوّلت «العثمانية» إلى تهمة سائبة يلوكها أنصار دموية نظام بشّار الأسد. وعد بلفور لم يكن نتيجة «لمخادعة» بريطانية للعرب. لا داعي للإستمرار في هذه «المتيلة» المدرسية. كان نتيجة لهزيمة العثمانيين، لنهاية نسق، بما له وما عليه، استطاع لقرون أن يوفّر إطاراً للتعددية الدينية والإثنية في هذا الشرق، ولم يستطع كل ما بعده أن يوفّر بدائل أفضل لعيش التعددية، ولا لعيش الكرامة.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار