GMT 0:00 2017 الخميس 30 نوفمبر GMT 5:03 2017 الخميس 30 نوفمبر  :آخر تحديث

هل بيروت حقاً بشعة؟

الشرق الاوسط اللندنية

سمير عطا الله

قال الروائي إلياس خوري في مقابلة مع مجلة «ذي باريس ريفيو» ما يلي: «دعنا نكون صادقين. بيروت ليست مدينة جميلة. بل ربما كانت أبشع المدن الكبيرة في المنطقة. ومعمارها، في أغلبه، معيب. حتى طرابلس أكثر منها جمالاً بكثير. ودعنا لا نتحدث عن دمشق وحلب، اللتين كانتا مكانين ساحرين قبل أن يدمرهما بشار الأسد. أو فكِّر في القدس وحيفا. كل هذه المدن أكثر جمالاً من بيروت».

لو كنت مثلي، عرفت بيروت طفلاً ويافعاً وشاباً، عرفت حدائقها الصغيرة، والبيوت القديمة في ظل شجر البرتقال، وتنعمت بمشهد غابتها الصنوبرية الكبرى، الحرج. ومررت على الدوام أمام السراي الكبير، الذي يشبه قطعة من إسطنبول أو بطرسبرغ، ومثلي تواعدت في مقاهيها مع النقاش والكسل والحب. ومثلي رأيتها تتحول من بلدة متوسطة إلى مدينة حاضنة وفرحة. ولو كنت مثلي تعتبر أن بيروت أحب مدن الأرض، كيف تقرأ كلام ابن مدينتك؟ عقوق؟ نكران؟ افتراء؟ تملقّ لا ضرورة له، لمدن العرب الأخرى، دمشق وحلب وحيفا؟
أقلقتني هذه الأسطر في البداية، خصوصاً أن الرجل يتحدث إلى مجلة أدبية عالمية. لكن الذي صدمني بعد كل هذه السنين، أن إلياس خوري على حق. لقد حدّد نقده في إطار المعمار والهندسة والطرق، وفي هذا هو على حق. بيروت، جمالها ليس في هيكلها، بل في روحها. مجموعة نسائم وتيارات أدبية ومنابر وجمالات وملتقى حر، يدخل إليه العربي دون إذن، ويخرج من دون استئذان. صحيح، ما يقوله خوري، أن بيروت مدينة مهاجرين. لكن بهذا المعنى هي حديقة ومظلة. وصحيح أن حلب أجمل منها، لكن ليس في حلب جامعة كالجامعة الأميركية، أو صحيفة كـ«النهار»، أو مقهى كـ«الهورس شو» أو معجم عظيم مثل «معجم الشيخ عبد الله العلايلي» يقول في مقدمته إنه دفعه إلى كاهن لغوي، كي «يدقق» فيه. كنا نعتقد أن العلايلي هو أعلى المراجع. هل هذا صحيح يا شيخنا ومولانا؟
متى كان المعمار وحده مقياس المدن؟ لقد جعل بضعة كتاب أميركيين من طنجة اسماً أدبياً في ذاكرة العالم، وعندما أطل هنري دو مونترلان من شرفة في فاس، ورأى أمامه المسجد والخضرة والقناطر، قال الفرنسي الكبير القادم من جمالات باريس، إن هذه أجمل بقعة في العالم.
ودعنا لا نقحم القدس في المقارنة. تلك مدن الروح، لا الهندسة. ولا يهم أنها ليست واقعة على نهر أو بحر. وماذا جعلك تنسى القاهرة. ولست أعني القاهرة اليوم، فهي لم تعد تعرف نفسها. أقصد القاهرة التي بنيت على طراز فيينا وباريس، وعلقت جسورها فوق النيل كما علقت الجسور فوق السين والدانوب. وكلما تأملت الألوف الذين تحملهم مراكب النزهة في السين كل مساء، أتساءل: متى أيها النيل يفك الإرهاب الحصار عن جمالك، ومتى تسترد بهجتك؟


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار