GMT 0:00 2017 الأربعاء 9 أغسطس GMT 7:52 2017 الأربعاء 9 أغسطس  :آخر تحديث

ترميم جدار العلاقات العربية

الأهرام المصرية

أحمد أبودوح

موقع مصر صار حساسا فجأة فى الأزمة السورية. نحن نتحدث عن دولة إقليمية كبرى لم تنخرط فى حرب راح ضحيتها نصف مليون شخص حتى وقت قريب. اليوم يبدو أن القوى الكبرى، التى تتحكم فى مفاعيل الصراع، تحتاج إلى شرعية عربية.

مصر لم يكن لها دور فى السابق. فى مثل هذه الصراعات «القذرة» غياب الدور عادة ما يكون مفيدا. الفائدة الحقيقية هى أن هذا الطرف الذى اختار البقاء فى الظل ينظر له مع الوقت باعتباره «طرفا نزيها». ليست النزاهة هنا فى عدلية القضية أو عمق وجهة نظر القائمين عليها. لا يوجد عدالة فى صراع كهذا. «النزاهة» فى هذه الحالة هى عدم تلوث يد هذا الطرف بدماء أى من جانبى الصراع. هذه هى السلبية المفيدة.

إذا نظرت إلى خريطة القوى الممسكة بزمام الأمور لن تجد من يعارض دورا مصريا كوسيط. لا روسيا ولا الولايات المتحدة لديهما مشكلة. «تيار الغد» بقيادة أحمد الجربا هو حلقة الوصل مع فصائل المعارضة التى باتت هى من تبحث عن تخفيف التصعيد أكثر من بشار الأسد. ليس ثمة قوة إقليمية أخرى يمكن أن يقبل بها الجيش السوري. حتى حزب الله ليس لديه مشكلة مع مصر أو وساطة محتملة لها فى بعض المناطق التى لا تملك إيران فيها أى مصلحة استراتيجية.

هذا يجعل الدور المصرى عاملا ظرفيا عبر وساطة مؤقتة. المشكلة أن إيران تعرف ماهية الدور المصرى جيدا. هذه خطوة تجريبية بين موسكو وواشنطن لاختبار القدرة المصرية أولا على تحمل عبء هذا الدور الجديد.

لم تكذّب مصر خبرا. خلال اتفاقى الغوطة الشرقية وريف حمص أثبتت بشكل مفاجئ أنه يمكن القبول بها كوسيط. هذا القبول له عامل أساسى وهو أن النظام السورى هو الرابح إلى الآن. لو كانت المعارضة هى من لها الغلبة لما كان اسم مصر مطروحا لهذا الدور الآن.

إيران هى الطرف الوحيد الذى لا يرتاح لوجود مصرى فى سوريا. الإيرانيون يعرفون أنه كلما كسبت مصر أرضا فى الصراع، كلما خسرت إيران أرضا مقابلة.

فلسفة الدور المصرى تكمن فى طبيعة المرحلة الانتقالية التى تعيشها الأزمة. هذه المرحلة تقوم على تقليص رؤى السوريين قدر الإمكان لمصلحة حسم القوى الكبرى للخيارات التى تحقق مصالحها. بعد ذلك يمكن تقديم هذه الخيارات إلى السوريين باعتبارها مسارا قدريا لا بديل عنه. ببساطة، هذه هى مرحلة تقسيم الحصص وخلق أمر واقع جديد.

وسط هذا السباق، ثمة اجماع على الخصم من نفوذ إيران، لمصلحة قوى أكثر اعتدالا ومشروعية. لا روسيا ولا الولايات المتحدة تصلحان لوراثة النفوذ الإيرانى لأن أحدا منهما لن يسمح للآخر بالاستيلاء الكامل على التفويض الدولى بإدارة الصراع. القوة الجديدة يجب أن تكون عربية بالأساس. مصر هى اللاعب الأنسب للاستحواذ على هذا الدور.

الفرق بين مصر وباقى الدول العربية المؤثرة فى الأزمة السورية منذ بدايتها هى أنها تحظى بشرعية أفقية أوسع كثيرا من باقى هذه الدول التى التهمتها نيران الصراع. هذا يعنى أن بعض فصائل المعارضة وعددا كبيرا من المسئولين فى النظام، وكتلة لا بأس بها من الشعب السورى قد تقبل بوجود مصري، ولا تقبل بدول عربية صارت فى عيون كل هذه الأطراف أوراقا محروقة. طبيعة الصراع اللا إنسانى ودرجة استعاره غيرت المعادلة تماما، وجعلت الأمور تجرى بطريقة معكوسة. كلما استثمرت هذه الدول فى توسيع نفوذها، كلما تقلص هذا النفوذ.

بقاء مصر خارج هذه الدائرة ساعدها فى بناء قبول سياسى بشكل هادئ. لا أحد كان يدرك هذه الحقيقة فى بداية الأزمة. الرصيد المصرى لم يكن نتاج خطط استراتيجية مقصودة. الصدفة خدمت مصر، وربما الوزن التاريخى أيضا. اليوم صرنا أمام معادلة مغلقة. الأمر يشبه لعبة الدومينو على المقاهى عندما تُغلق. الفرق أن هذه لعبة استراتيجية لا يصلح معها كلام المقاهي. يجب أن تفتح اللعبة حتى لا يخرج الجميع خاسرين. هذا لا يعنى أن مصر ستتحول إلى رأس حربة فى الصراع السورى بين ليلة وضحاها، أو أنها ستنافس إيران أو تركيا هناك مثلا.

مصر لا تملك رأس مال سياسى أو عسكرى فى سوريا. التحرك المصرى الذى يظهر فوق الأرض السورية ليس له جذور تحتها. هذا يجعل هذا الدور مرهونا بقبول دولى أولا. الوزن المصرى الذى مازال صغيرا هو نتاج اتفاق سياسى بين روسيا والولايات المتحدة. أى خلل يطال هذا الاتفاق معناه ألا دور لمصر كنتيجة منطقية. تجريب مصر فى مناطق ليس لإيران مصالح فيها مقدمة لرؤية أوسع. هذه الخطط هى تقريب الوجود المصرى تدريجيا من مناطق أكثر حرارة. من بين هذه المناطق الممر الإيرانى الواصل بين سوريا ولبنان مثلا.

التوافق الدولى حول مصر نابع بالأساس من اللاتوافق حول إيران وتركيا. الروس يرغبون فى تحجيم التوسع الإيرانى من أجل الحفاظ على بقاء الأسد، والأمريكيون يريدون حصار نفوذ تركيا من أجل نجاح إستراتيجية القتال ضد داعش.

ليس مطلوبا من مصر سوى استغلال هذه النافذة التى فتحت لها بذكاء. وسط الرمال المتحركة لا يكون الركض أسرع وسيلة للوصول. على المسئولين المصريين وضع قدم وتثبيتها أولا دون استعجال، ثم التحرك بهدوء وببطء شديدين نحو تحقيق مصالحهم أيا كانت هذه المصالح - دون الاصطدام بأحد.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار