GMT 0:05 2018 الأربعاء 7 مارس GMT 6:38 2018 الخميس 8 مارس  :آخر تحديث

حوار الأديان بين المسيحية والإسلام

الوطن السعودية

سطام المقرن

الكلمة السواء هي «العدل» في كل شيء، في التعامل والتعايش ونبذ الكراهية والشقاق والسعي إلى الخير لما فيه مصلحة الجميع، والالتقاء بين الديانتين على مبادئ مشتركة

نظم مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات في الأسبوع الماضي، مؤتمره الدولي الثاني في العاصمة النمساوية (فيينا) بعنوان «الحوار بين أتباع الأديان من أجل السلام.. تعزيز التعايش واحترام التنوع في ظل المواطنة المشتركة»، ويأتي هذا المؤتمر في ظل اشتداد التوتر والعنف فيما يتعلق بالأديان والمذاهب، كما أن هذا المؤتمر يؤكد على تعامل المسلمين مع الثقافات الأخرى على أساس الحوار والتبادل العلمي والثقافي.
وهذا المؤتمر يختلف عن المؤتمرات الأخرى التي تمت بين الإسلام والديانات الأخرى، والتي كانت موجهة من قبل طرف واحد، أي من غير المسلمين، حيث إنهم لم يظهروا نشاطاً وفاعلية في هذا المجال في الماضي، بل إن البعض يشعر بحالة من التشكيك في مثل هذه الحوارات، فعلى سبيل المثال يقول بعض دعاة الدين عن حوار الأديان «إن كان هو التقريب والوحدة بينها، فإن ذلك لا يجوز شرعاً ولا يصح عقلاً، ومن يدعو إلى ذلك يجب أن ينبذ ويحذر منه».
وليس هذا وحسب، بل إن بعض دعاة الدين يرى إذا كانت هناك ضرورة للتحاور مع أتباع الديانات الأخرى فليكن من أجل دعوتهم إلى الدين الإسلامي الخاتم والناسخ لجميع الأديان السابقة، و«إيضاح محاسن الإسلام لهم، وبيان ما هم عليه من باطل، واستنقاذهم من ظلمات الشرك والجهل، هذا الهدف من أعظم ما يدعو إليه الإسلام، وبالتالي فهذا النوع من الحوار، مطلوب شرعاً وعقلاً»!.
وعلى هذا الأساس، يعتقد بعض دعاة الدين أن الحوار بين الأديان عبارة عن جلسة، يقوم كل واحد فيها بطرح آرائه ونظرياته، ولديه الحجج والبراهين التي سوف تفحم الخصم بكل يسر وسهولة، وأن الحق سوف ينتصر في النهاية، وبالتالي فإن الهدف من الحوار يكون بيان بطلان ما هم عليه ودعوتهم إلى الإيمان بالإسلام واتباعه، فهذا هو الحوار المشروع، أو يعتقدون بأن الهدف من الحوار هو الاعتراف بصحة دين الآخر والموافقة عليه، فهذا في رأيهم لا يجوز الحوار معهم لعدم الجدوى منه، ولما في ذلك من إقرار الباطل، والنصارى واليهود لا يكفون عن شرهم وعداوتهم للمسلمين ولا يرضون إلا أن يترك المسلم دينه ويدخل في دينهم!.
بالإضافة إلى ما سبق، يعتقد بعض دعاة الدين أيضاً أن الهدف من حوار الأديان هو اتخاذه وسيلة للتنصير، ووسيلة لتشكيك المسلمين في دينهم، وفي نبيهم صلى الله عليه وسلم، ووسيلة لأخذ الشهادة والإقرار بصحة دينهم، وجواز التعبد به لله تبارك وتعالى.
مشكلة بعض دعاة الدين تتمثل في عدم إدراكهم لأسباب عقد مؤتمرات الحوار بين الأديان، وخاصة في العصر الحالي، فكما هو معلوم يعيش أكثر من عشرة ملايين مسلم في أوروبا، وهذه الملايين تعيش في ظل ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الإسلامية، والنظرة إلى المسلمين في أوروبا تختلف من تيار سياسي إلى آخر، فالبعض يرى ضرورة دمج المسلمين تماماً مع الثقافة الغربية، والبعض الآخر يرى أن على المسلمين أن يعيشوا بثقافتهم الإسلامية فيما يتعلق بأحوالهم الشخصية والعائلية، أما في مجال العمل والخدمة الاجتماعية فيجب أن يعيشوا وفقاً للثقافة الأوروبية، وهناك تيار آخر يرى أن يكون هناك انسجام بين الثقافة الإسلامية والأوروبية.
هذا بالإضافة إلى ظهور بعض الحركات والمنظمات الإسلامية، وخاصةً الجماعات المتطرفة في السنوات الأخيرة، والتي أدت إلى زيادة العداء والعنف ضد المسلمين، فأصبحت التيارات السياسية وبعض المؤسسات الاجتماعية تنظر إلى الإسلام على أنه الخطر القادم على أوروبا، والعدو الذي يجب التصدي له والقضاء عليه، الأمر الذي قد يتطور إلى حالة من الحرب الباردة ضد المسلمين.
وفي المقابل هناك بعض التيارات السياسية في أوروبا التي تستند إلى مبادئ وأصول الإنسانية يعتقدون أنه يجب حل هذه المشكلة بمنهجية إنسانية، ويرون أن الإسلام لا يمثل خطراً على أوروبا، وأن الغرب لم يفهم المسلمين بصورة صحيحة، وهؤلاء يقاومون أية أشكال للعداوة ضد المسلمين، ومثل هؤلاء هم من ينادون ويشاركون ويدعون إلى ضرورة عقد الحوارات والمؤتمرات بين الأديان من أجل التوصل إلى فهم مشترك وتفاعل اجتماعي مشترك بين الثقافة الإسلامية والأوروبية، ومنع أية حروب قد تنشأ في المستقبل.
لقد كان النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أسوة حسنة للناس في الدعوة إلى الحوار مع المسيحية والديانات الأخرى، يقول الله عزّ وجل (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)، والكلمة السواء هي «العدل» في كل شيء، في التعامل والتعايش ونبذ الكراهية والشقاق والسعي إلى الخير لما فيه مصلحة الجميع، والالتقاء بين الديانتين على مبادئ مشتركة ذكرت في نصوص الإنجيل والقرآن الكريم، فحواها حب الله وحب الجار ومساعدة الغير والتسامح ونشر السلام بين الناس.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار