GMT 20:35 2015 الخميس 28 مايو GMT 5:22 2015 الجمعة 5 يونيو  :آخر تحديث
حلول مبتكرة لمقاومة التطرّف والارهاب (٢٨)

مدى إمكانية تحقيق ثورة السيسي الدينية؟

سامي البحيري

في خطبته الهامة والخطيرة يوم ٢ يناير ٢٠١٥ في الأزهر بمناسبة الاحتفال بالمولد النبوي هذا العام طالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي علماء الأزهر بأحداث " ثورة دينية" وقال بالحرف الواحد: "لا يمكن للمسلمين ان يحاربوا العالم كله" ويجب اعادة النظر في كثير من  الفكر والموروثات التي تشجع الشباب على التطرّف واتخاذ العنف سبيلا لنشر افكارهم المتطرفة. انقر هنا لقراءة نص خطاب السيسي الهام 
 ويصل التطرّف والعنف لديهم الى حد الانتحار داخل مسجد اثناء صلاة الجمعة لقتل اكبر عدد من المسلمين وهم يصلون، فما بالك ما الذي يمكن ان يفعلونه بغير المسلمين؟؟

...

والرئيس السيسي أبدى شجاعة كبرى ليطالب بثورة دينية من داخل معقل الأزهر ، وهو واحد من اعرق المؤسسات الدينية الاسلامية في العالم، وقام على مدى اكثر من الف عام من الزمان بالحفاظ على الدين الاسلامي بموروثاته المعتدلة والمتطرفة، وخرج من عباءته العديد من المشايخ المتطرفين كما خرج من عباءته ايضا القليل من الإصلاحيين أمثال الشيخ محمد عبده ورفاعة الطهطاوي وطه حسين، ولكن الأزهر كان دائماً وأبدا حريصا على تقاليده وترسيخها رافضا لأي جديد الا فيما ندر حتى ان الإصلاحيين القلائل الذين تخرجوا منه واجهوا اضطهادا فكريا شديدا من داخل موءسسة الأزهر ومن خارجها ولعل ابرزهم هو طه حسين والذي واجه ما يشبه محاكم التفتيش من قبل شيوخ الأزهر وذلك عندما صدر كتابه الشهير "الشعر الجاهلي" وهو الكتاب الذي صدر عام ١٩٢٣ وطالب فيه طه حسين بإعادة النظر في التاريخ وشكك في الكثير من الثوابت، وهو الامر الذي لم يعجب مشايخ الأزهر والذي يرفضون رفضا باتا المساس بما يطلقون عليه لفظ "الثوابت" ، ولكن ما الذي يمكن عمله او تطويره اذا كانت هناك العديد من الثوابت تحتاج الى اعادة نظر وتحتاج الى ثورة حقيقية؟

...

وبعد التخلص من الدولة العثمانية في أعقاب الحرب العالمية الاولى بدا وكان المسلمون في الحقيقة في طريقهم الى الأخذ بسبل الحياة العصرية وفي تطورهم مع تطور العالم حولهم، ويكفي ان تنظر الى الصور والافلام التي ظهرت في الفترات من ثلاثينيات الى ستينيات القرن الماضي في معظم الدول الاسلامية، لكي ترى كيف كان يلبس الناس وكيف كان يتصرفون ويستمتعون بحياتهم وما الذي كانوا يكتبونه ويقراونه، وكيف كانوا يفكرون ؟ وكيف كانوا يتقبلون بعضهم البعض؟ وكيف ان الكاتب الدكتور اسماعيل ادهم في ثلاثينيات القرن العشرين..كتب كتابا مشهورا وقتها بعنوان: "لماذا انا ملحد؟" ولم تقطع راْسه ولم يحاكم بتهمة ازدراء الاديان، بل تم الرد عليه بكتابين أولهما كتاب محمد فريد وجدي بعنوان "لماذا هو ملحد؟" والآخر كتاب احمد شادي "لماذا انا مؤمن؟" وهكذا كان المجتمع منفتحا لكل الأفكار يرد على الفكرة بفكرة ويرد على الكتاب بكتاب ويرد على القصيدة بقصيدة، وكان العديد من المسلمين يعلنون صراحة انهم ماركسيون وشيوعيون بدون ان تنصب لهم المشانق من قبل متطرفين دينيين، اما في عصرنا هذا فقد رجعنا خطوات كثيرة للوراء فأصبح يتم الرد على الكتاب بقنبلة ويتم الرد على الرسم الكاريكاتيري بالمدافع الرشاشة، ويتم الرد على الخطاب بالحزام الناسف.

...

فما الذي حدث ؟ وكيف انه لم يكن لدينا اي فتاة في جامعة القاهرة في مصر او جامعة كابول في أفغانستان ترتدي الحجاب في الخمسينيات والستينيات الى ان اصبح الحجاب الان هو الزِّي الرسمي للفتاة المصرية وان الخيمة الزرقاء والبرقع اصبح الزِّي الرسمي للفتاة الافغانية؟؟

الذي حدث يحتاج الى دراسات عميقة وهامة من جانب المتخصصين في الدراسات الاجتماعية لمعرفة سر هذا التحول الغريب والذي حدث في اقل من ربع قرن من الزمان. وهل السبب هو ان الحكام الوطنيون بعد الاستقلال  قد فشلوا في الحكم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، مما فتح المجال للإسلام السياسي ليملأ الفراغ الفكري ولياخذ الصفوف الاولى؟ ام ان مظاهر التطور وحرية الفكر والتفكير والابداع التي كانت موجودة في النصف الاول من القرن العشرين كانت بسبب وجود المستعمر فقط وان كل هذه المظاهر كانت دخيلة علينا ومؤقتة  وأنها لم تكن أصيلة في ثقافتنا؟ وانه بمجرد زوال السبب (المستعمر) زالت تلك المظاهر قبل ان تتاصل وتصبح جزءا من ثقافتنا كما أصبحت تلك المظاهر جزءا من ثقافة أهل اليابان وكوريا الجنوبية؟ ام ان ثقافتنا وحياتنا لا يوجد لها خلفية فكرية سوى الدين؟ وأننا لا نمت للثقافة الغربية بصلة، تلك الثقافة التي تعود جذورها الفكرية الى أرسطو وأفلاطون وغيرهما من قادة الفكر الإغريقي تلك الثقافة التي اعتمدت على المنطق والرياضيات وعلى الحقيقة وابتعدت كثيرا عن الاوهام؟ كل هذه تساؤلات جديرة بالبحث لكي نجد لها اجابة قبل البدء بالحديث عن الثورة الدينية...

...

ونعود الى تلك الثورة الدينية التي طالب بها الرئيس السيسي، الأزهر هو المؤسسة الدينية الرسمية والتي يقوم الرئيس بتعيين من يرأسها والتي يحصل مشايخها على مرتباتهم من ميزانية الحكومة، لذلك فان اي اعتراض حقيقي على طلب الرئيس السيسي قد يكلفهم مناصبهم ويقطع مصدر رزقهم الوحيد، وفي نفس الوقت لا يريدون ان يقوموا بالتهليل والرقص فرحا على طلب الرئيس بأحداث ثورة دينية وذلك حتى يحافظوا على تلك الثوابت التي حاصرتنا وحاصرت افكارنا لأكثر من الف عام، لذلك فأنا غير متفاءل بان الأزهر سيفعل شيئا يذكر من اجل احداث تلك الثورة الدينية لان فاقد الشيء لا يعطيه، وربما فعلوا الشيء اليسير من اجل ذَر الرماد في العيون، والدليل على ذلك هو ما فعله الأزهر مؤخراً مع الإعلامي المتميز (اسلام بحيري) من وقف برنامجه واتهامه بالتهمة الجاهزة الان وهي تهمة "ازدراء الاديان" لمجرد انه بدء التنقيب في كتب التراث الصفراء ومحاولة تحليلها بمنطق أرسطو.

حتى السيسي نفسه بدا في التراجع عن تلك الثورة الدينية التي طالب بها لانه احس بذكائه الشديد ان دعوته لم ولن تجد أذانا صاغية لا من داخل الأزهر ولا من خارجه، فالدين بكل موروثاته وتقاليده بل وخرافاته هو شيء متجذر ومتاصل في المجتمع وفي جيناته وأي دعوة للتطوير سوف تعتبر دعوة للإخلال بالثوابت .

ولكن من الغريب ان دعوة السيسي قد وجدت آذانا صاغيا اكثر في أوروبا وأمريكا بل ان بعض المحللين قد تساءلوا ان كان من الممكن ان يصبح السيسي بالنسبة للإسلام في مقام "مارتن لوثر" بالنسبة للمسيحية.

...

ولد "مارتن لوثر" كاثوليكيا في عام  ١٤٨٣ ميلادية  في مقاطعة ساكسونيا الألمانية ايام كانت  تابعة للإمبراطورية الرومانية وكان والده يعمل في مناجم النحاس، وبالرغم من ان مارتن لوثر كان قسيسا كاثوليكا الا انه ثار على كثير من تعاليم الكنيسة الكاثوليكية ومن أهمها انه تزوج بالرغم من ان الزواج كان محرما على من يعمل قسا بالكنيسة ، كما انه أنكر على الكنيسة إصدار صكوك الغفران والتي كان تدر دخلا كبيرا على الكنيسة والقساوسة كما أنكر قدسية بابا الكاثوليك او اي من القساوسة، وقال ان القدسية للإنجيل فقط، كما قام بترجمة الإنجيل من اللاتينية الى الى اللغات الألمانية الامر الذي جعله متاحا لعدد كبير من المواطنين بعد ان كان قاصرا على الكهنة وعلى من يعرفون اللغة اللاتينية، مما ساعد في رفع الهالة التي كان يضعها هولاء الكهان حولهم. وطالب باستخدام العقل لفهم الدين دون الاخلال ب "الله المحب"، وكان من نصيب مارتن لوثر نتيجة للاصلاحات التي طالب بها هو النفي والأبعاد والاستنكار من جانب بابا الكنيسة الكاثوليكية ومن جانب الكنيسة ككل، وهو الذي كان سببا في انتشار البروتستانتينية والتي اعتبرت وقتها ثورة على الكنيسة الكاثوليكية، وقد عانى اتباع المذهب البروتستانتي الكثير من الاضطهاد في أوروبا مما اضطرهم الى الهروب والهجرة الى العالم الجديد في امريكا. 

.....

فهل السيسي على استعداد ان يصبح بحق "مارتن لوثر" الاسلام وهل هو على استعداد ان يحمل كفنه فوق راْسه، الا يكفيه الكفن الذي حمله آياه الاخوان المسلمون يوم ان اطاح بهم من حكم مصر، وإلا يكفيه انه ربما اصبح اكثر شخصية مكروهة لدى الاسلام السياسي في العالم وبخاصة الاخوان المسلمون، الا يكفيه انه رقم واحد على قاءيمة  الاغتيال الاخوانية ؟؟

samybehiri@aol.com


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار