مسألة الحدود بين أي دولتين هي نقطة لازمة للانطلاق في البحث عن طبيعة أي صراع قد ينشأ بينهما لما تعنيه من قضية أمن قومي لهما، والانطلاق من هذه المسألة ضرورة ملحة في الحالة العراقية الإيرانية التي لم يشهد الشرق الأوسط في تاريخه الحديث أسوأ من الحروب التي خاضتها الدولتين لا سيما في فترة الثمانينات من القرن الماضي.

وفي الحقيقة أن الصراع التاريخي بين الدولتين لم يظهر بعد الثورة الإسلامية في طهران عام 1979، بل يسبق هذا التاريخ بسنوات عديدة، لكن هذا التاريخ بالتحديد شكّل منزلقاً خطيراً لصراع كان عنوانه يتمثل في الأحقية على مياه شط العرب، فيما الصبغة الطائفية كانت المحرك الأساسي للتحول في طبيعة الصراع واتخاذه أبعاداً تفوق بكثير خطر الصراع على بضع كيلومترات من الحدود.
من هنا، جاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ليرسخ البعد الطائفي في الصراع العراقي الإيراني، وما وفّره من فرصة ذهبية لا تُقدر بثمن لحكام طهران في الانقضاض على عدوها اللدود "الدولة العراقية". وبما أن الدول في الحروب سواء أكانت باردة أم ساخنة تلجأ إلى رجالاتها في دولة العدو، وجدت طهران في نوري المالكي خير رجالاتها في العراق لتحقيق الهدف.
عملياً، فتح الغزو الأمريكي الطريق أمام إيران لبسط نفوذها في العراق، بخطى ثابتة، لكن عائقاً برز في وجهها تمثل في ما عُرف بالعملية السياسية، التي كان من المفترض أن تحدد المساحة التي سيلعب بها الإيرانيون مستقبلاً في الملعب العراقي، بما تعنيه من قيود على طهران في فرض كامل هيمنتها، وهذا ما يُفسرّ إلى حد كبير فشل أو إفشال العملية السياسية في ظل غياب استراتيجية أمريكية واضحة في إنجاز مصالحة شاملة بين السنة والشيعة، مقابل استراتيجية إيرانية أكثر جرأة في ضرب كل مقومات نهوض الدولة العراقية مجدداً.
أمام هذه المعطيات، كان مفهوماً أن تعمل طهران على مستويين سياسي وعسكري استعداداً لمرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي الذي كان لا مفر منه، مستغلة انشغال الأمريكيين بإنجاح العملية السياسية التي كانت حاجة استراتيجية ملحة لهم لتأمين خروج مشرف من ورطة الغزو ولو بإنجاز غير مكتمل.
وكما شكّل الغزو منعطفاً جديداً في تاريخ العراق، كذلك كان الانسحاب منه في عام 2011، ليضع الشرق الأوسط برمته على المحك السياسي بما حملته المرحلة الجديدة من تحديات وفرص للعراق كدولة، حيث أن الأمريكيين كانوا على قناعة تامة حينها أن بقاء الدولة ضعيفة - وهو ما حصل بالفعل - سيمكّن إيران من وضع قبضتها على بلاد الرافدين، ويتيح المجال لها للتحرك بأريحية أكبر سياسياً وعسكرياً.
في صيف 2014 برز معطى جديد، شكّل بدوره عاملاً فارقاً في التدخل الإيراني عسكرياً في العراق، وتمثل في هجوم تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" على مناطق ومدن كبرى في شمال البلاد وسيطرته عليها، بعد الانسحاب المثير للجدل للجيش العراقي من تلك المناطق في عملية كانت أشبه بحالة التسليم، وما تبع ذلك من فتاوى الجهاد الشيعية التي شكّلت النواة لتكوين ميليشيات الحشد الشعبي بإشراف من الحرس الثوري الإيراني وضمّها للمنظومة الأمنية الرسمية، وكان ذلك بمثابة هدف إيراني قاتل في مرمى مساعي إعادة بناء الجيش العراقي على أسس وطنية خالصة.
لجوء إيران إلى تشكيل فصائل مسلحة موالية لها بدل تقديم الدعم للجيش العراقي كمؤسسة كان ضمن استراتيجية واضحة لاستهداف هذه المؤسسة وجعلها تابعة للحشد الشعبي وليس العكس. لم تكن طهران صادقة مطلقاً في دعم العراق كدولة ولن تكون كذلك في المستقبل، فحربها في العراق هي حرب ضد الدولة، ولو فكّرت فصائل الحشد في الانخراط يوماً ما في بناء الدولة العراقية ستحاربها إيران بميليشيات جديدة لمنع أي قيامة جديدة للعراق.
&
صحفي لبناني في التلفزيون التركي