ذر الدخان على القيود
سعيد الحسنية - وكأنه على موعد يومي مع ذلك المكان،يصل في الوقت نفسه ليجلس الى الطاولة ذاتها التي جاس اليها امس لينضم إليه نفس الأشخاص الذين يجالسهم كل يوم. هكذا يمضي عبد الله، الشاب العشريني أمسياته منذ خمس سنوات، فتجده في مقهى للشيشة يمسك خرطوم الشيشة بيساره و"الرموت كونترول" بيمينه يتنقل بشكل عشوائي بين محطة وأخرى. تفسير واحد يبرر روتينه اليومي يعاجلك به ممرزوجا بنكهة معسل التفاح المتراقصة بين دوائر الدخان المتصاعد من فمه "والى أين أذهب، إنه انسب مكان إهتديت إليه".
للمكان غرابة تفوق "تبرير" عبد الله لتواجده الدائم في ذلك المكان، فالليل يصارع هزيعه الأخير، وما زالت الجلسات تعج بحشودها وتضج بأصوات القنوات الفضائية الممتزجة والمبهمة ناهيك عن الوفود المتدافعة على المدخل الخارجي.
فظاهرة مقاهي الشيشة لاقت انتشارا واسعا في جميع أنحاء المملكة العربية السعودية وازدادت أعداد مرتاديها بشكل مطرد في السنوات القليلة المنصرمة، أما روادها فهم متعددو الجنسيات والأعمار ومتنوعو المستويات الإجتماعية والتعليمية. وأدى الإقبال الكثيف عليها إلى ازدياد أعدادها وتوسع رقعة انتشارها، لتشمل أحياء عديدة داخل المدن بعد أن كان ينحصر وجودها بالأطراف الخارجية فقط، وتتنوع تقديماتها بتنوع أنواعها وأشكالها، إذ لم تعد تقتصر خدماتها على الشيشة وحدها بل أخذت تشمل كافة أنواع السندويشات والمشروبات وغيرها من الأطعمة.
خرطوم شيشة وريموت كونترول..والسهر يطول
طالما الحديث يطال مكان ما في السعودية، فمن الطبيعي أن تعكس الأجواء السائدة فيه صورة تلك البلاد التي يعتبر الاختلاط بين الجنسين فيها من المحظورات، مما يطغي على المكان سيادة ذكورية بامتياز حيث تشكل تلك المقاهي أكبر تجمع لذكور المدينة. فينسجون فيه خيوط عالمهم " الرجولي " الذي يكسوه الدخان المتصاعد من "أراجيلهم"، وتلطفه هزة خصر حسناء يتابعون غنجها ودلالها على شاشة فضائية ما، وقد يخترق صمت رجولتهم أحيانا صيحات انتصار لشلة ما إثر تسجيل أحد اللاعبين هدفا في مرمى خصمه خلال مبارة حامية يتابعونها.
كما المجتمع "الذكوري" بشكله العام كذلك هذه التجمعات المصغرة .. فنظرة واحدة كفيلة بكشف تكويناته المتنوعة. فها هي مجموعة من الشباب يتزعمها " وجيه ما " يتأبط بيد خرطوم شيشته و"الريموت كونترول" في الأخرى، ليقلب على هواه، مع كل "شفطة " قناة ما ومعها فتاة ما. وتبقى أعين أتباعه، الممتنعة عن إبداء رأي ما او إمتعاض ما، تدور حائرة بين دوائر الدخان وذبذبات التلفاز، وكأنه شيخ القبيلة الأمر والناهي وما عليهم سوى السمع والطاعة. وهناك مجموعة أخرى لا مقام لزعيم بينهم فجميعهم يتبارون بلعب الورق على أنغام هزة خصر هيفاء وهبي وغنج نانسي عجرم الممزوج مع خرير الأراجيل المنتشرة في المكان.
وفي حين تتقلص نسبة المدخنين في العالم الغربي تزداد في بلداننا العربية بشكل مطرد ومخيف، بالرغم من المحاولات الحثيثة للحد من هذه الظاهرة، وقد لاقت هذه الآفة انتشارا كبيرا في الآونة الأخيرة بين صفوف المقيمين في المملكة ومما زاد من تفشيها، ظهور المقاهي التي تقدم الشيشة وانتشارها السريع في كافة انحاء البلاد .ولكن بالرغم من خطورة آفة التدخين وضررها، إلا أن المسألة المطروحة هنا ليست في مضارها وأخطارها المحدقة ولسنا هنا في وارد مناقشة أثارها الصحية، إنما محاولة معرفة أسباب بروز ظاهرة الشيشة في هذا المجتمع الذي كان فيه، حتى وقت قريب، التدخين أمر معيب وخارج عن المألوف، والمدخن فيه منبوذ . والأكثر إثارة للدهشة هو الانتشار الكبير لمقاهي الشيشة بهذه السرعة والإقبال الكثيف عليها..
للترفيه وكسر حلقة الروتين
قد تبدو الأسباب مبهمة لمن لا يعرف طبيعة الحياة في السعودية ولا سيما الرياض، ولكنها واضحة ومبررة لمن يعيشون أو عاشوا فيها. ولعل تأفف أحمد الحامدي، وهو طالب جامعي، يحمل في طياته جوابا عن السبب وراء انتشار تلك الظاهرة" ماذا يمكننا أن نفعل هنا ؟ إلى أين سنذهب؟ ".أمام طقلة " الخيارات المتاحة للقيام بنشاطات ترفيهة يرى الحامدي ان تلك المقاهي هي افضل مكان لتمضية الوقت وكسر الروتين .
أما خالد المعجل، موظف مصرفي، الذي لاتهمه الشيشة بقدر ما يهمه تمضية وقت ممتع فيدافع عن مقاهي الشيشة التي تبرز كحل للملل الذي يفتك بهم،" نأتي إلى هنا ليس بقصد تدخين الشيشة، للتنفيس عن ذاتنا والترفيه " ليعود ويتسأل" ما العيب في تناول الشيشة؟ "
ومن جهته يظهر عبد الرحمن، وهو في العقد الرابع من العمر، غضبه لتعلقه بعادة تدخين الشيشة،" البداية كانتمحض صدفة " ثم تحولت الى إدمان زاد معها عدد زياراته الى مقاهي الشيشة حتى بات زبونا يوميا.
دعوة من صديق كانت السبب وراء إرتياد فهد العجيلان قصته لتلك المقاهي للمرة الاولى، لتتكرر بعدها الدعوات وتصبح المقاهي جزءا من حياته اليومية " بداية كنت اجاري أصدقائي فبدأت أفعل ما يفعلون لتترسخ فيَّ عادة ارتياد مقاهي الشيشة لوحدي، هربا من روتين الحياة وبحثا عن الترفيه والتسلية."
إذن يجمع الكثيريون من رواد مقاهي الشيشة على سبب أساسي وراء ارتيادهم لها وهو كسر حلقة الروتين والسعي وراء الترفيه والتسلية في مدينة لا تعرف الفرح، وتنعدم فيها مراكز الترفيه والترويح عن النفس، ويكسوها ضباب الممنوع. وكأنهم قرروا استبدال ذلك الضباب بدخان يتصاعد من أفواههم وأنوفهم، محملا بزخات من الغضب، لتتساقط فيما بعد على شكل همسات خافتة، محاولين بها اختراق جدار الصمت المفروض عبر ضجيج القنوات الفضائية المتنقلة أمام أعينهم، وهم وحدهم يتحكمون بحركتها، مما يمنحهم شعورا بالرضا عن أنفسهم، حيث إنهم ما زالوا أحرارا بمشاهدة ما يحلو لهم.
رجولة مفرطة
لعل السبب الأساسي لشيوع ظاهرة مقاهي الشيشة في هذه البقعة من العالم، وكثافة مرتاديها يعود بشكل أساسي إلى الرغبة في التمرد من قبل الشباب على كل ما هو مألوف من عادات وأعراف في المجتمع. تلك الرغبة التي تعتمر في داخل كل فرد يشعر بقيد ما يحد من حركته ويأسر تفكيره وقد يكون أيضا محاولة لجذب الانتباه، كما يفسرها علماء النفس. وربما تكون تعبير عن تفكير شرقي محدود عند الكثيرين الذين لا يرون رجولتهم إلا في التدخين و" ضرب النساء "، ولكن مهما كان الأمر لا يمكننا تجاهل حقيقة صارخة وهي ان تلك المقاهي قد تكون الملاذ الأوحد للشباب للترويح عن نفسهم والخروج من دائرة الروتين المملة، في ظل انعدام معظم وسائل الترفيه والتسلية المتعارف عليها عالميا.




التعليقات