عمّان- إيلاف - شغلت اللسانيات كثيراً من العلماء والمفكرين والفلاسفة، حتى غدت علم العصر،فهي تدرس اللغة دراسة علمية بعيدا عن الانطباعات القيمية التي انتشرت في العصور السابقة،ولعل الاهتمام باللسانيات في العصر الحديث مردّه إلى رغبة الإنسان في تلمُّس أسرار اللغة والوقوف على تجلياتها، فهي قنطرتنا للتواصل والأنسنة، وبها نعبّر عن أفكارنا وننسج مشاعرنا، وهي الوسيط في التبادل الكلامي. كانت ومازالت هي الشغل الشاغل للإنسان، فتراه دائب البحث في أعطافها ويستلهم معاشه منها، ويتوق إلى اقتناص أسرارها، لكن ظلت اللغة تتفلت؛لأن جزءاً منها غامض ولم يتكشَّف بعد.
ويأتي كتاب (مقدمة في اللسانيات) الصادر حديثا في عمّان لمؤلفه د.عيسى برهومة ليرفد القارئ بإطلالة واعية على علم ما زال يمتح من حقول معرفية عديدة لتشكيل رؤيته في الأشياء، ولعل هذه الوجهة تجعل الاستقصاء التام في علوم في طور التجدُّد صعبا ،ولكن الباحث يحاول الإمساك بنياط الموضوع ليبسط مقولته دون إخلال ببنيات علم اللسانيات وأظهر مرتكزاته.
انتظم الكتاب في سبعة محاور أساسية تشكَّلت في سبعة فصول، جهد المؤلف في تكثيف المعلومة لئلا يقع في فخ التشعيب، وتوزَّعت المحاور على النحو الآتي:-
1.نشأة اللغة الإنسانية.
2.علم اللغة قديماً.
3.نشأة اللسانيات.
4.مناهج البحث اللساني.
5.فروع اللسانيات ومصطلحاتها.
6.مستويات التحليل اللساني.
7.المدارس اللسانية.
وتضمَّن كل محور فروعا تلتقي في المحور المعقود لها، فمن إشكالية نشأة اللغة وتعريفاتها إلى هذا العلم الضخم الذي اجترحته القريحة الإنسانية،ومن الكلمة البسيطة إلى علم الدلالة والسيمياء ،وأشار المؤلف إلى أنَّ أمر نشأة اللغة من القضايا التي تنتمي إلى الغيبيات اللغوية التي لم ينتهِ البحث فيها إلى مستند علمي،فلا يُعرف كيف كانت نشأة اللغة وما مراحل طفولتها ؟
وبيَّن لنا التعريف الذي شغل العلماء وهو تعريف ابن جني:"اللغة هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"،واعتبره الباحث أنه تعريف جامع،إلا أنه ينطبق على الكلام لا الكلام، وتناول أغراض اللغة وعلى ماذا تدل كلمة قوم أيضاً،وبين للدارس مفهوم اللغة وميّز علم اللغة من فقهها وما أسباب الخلط بينهما.
أما المحور الثاني فتناول علم اللغة قديما،ومثَّل على ذلك بالإغريق والرومان ولم ينس الجهود اللغوية للعلماء العرب،وكان من إنجازات الدرس اللغوي الذي حققه اليونان حين استنبطوا نظاما أبجديا لكتابة اللغة اليونانية،وذكر كل مرحلة بعلمائها الذين أثروا في"علم اللغة" نحو أفلاطون،وأرسطو،وعلمء اللغة الرومان أمثال فارو،وبريسكيان، وكونتليان وغيرهم،كما تحدث عن اجتهادات العرب في هذا العلم بظهور المصطلحات العربية:"علم العربية،علم اللسان، النحو،اللغة،علم اللغة" وتناول الباحث كل مصطلح على حدة وعرفّها.
تحدَّث الباحث في المحور الثالث: عن نشأة اللسانيات منذ القرون الوسطى في أوروبا إلى القرن العشرين،وقد ذكر الأسر اللغوية،فيظْهر لنا أن العلم والمعرفة تراكمية لا تظهر دفعة واحدة،بل يسبقها إرهاصات أولية،تشكلت هذه الإلماعات على يد داويت ويتني وجان بودوان دي كورتينيه،وتعد ركيزة من ركائز علم اللغة التي ارتكز عليها سوسير في آرائه،ومن أهم أفكار سوسير أن اللغة واقعة اجتماعية،وعلم اللغة ليس علماً طبيعياً بل تاريخياً،ونادى بضرورة دراسة اللغة بوصفها نظاماً من اختراع الإنسان،وأن الرغبة في الاتصال هي الأصل الذي يكمن فيه كل تاريخ الإنسانية،وكانت النقلة النوعية في تاريخ علم اللغة على يد عالم اللغة فرديناند دي سوسير وتلاه علماء آخرون ومدارس أخرى.
وتناول في المحور الرابع مناهج البحث اللساني التي منحت اللسانيات بعدا علميا موضوعيا،ودرس في هذا المحور المنهج المقارن والتاريخي والوصفي والتقابلي وبينها حتى لا يخلط القارئ بين هذه المناهج.
وخصص المحور الخامس للحديث عن فروع اللسانيات ومصطلحاتها وهذا العلم هو علم كليّ يشمل كل دراسة للظواهر اللغوية وقسَّم هذه العلوم إلى نظرية وتطبيقية،فلم يكتفِ الباحث في إيضاح الجانب النظري بل عزز معالجاته بالجانب التطبيقي،ليتمثل القارئ أبعاد المسألة التي يعرض لها المؤلف،فكان هدفه من التدريب التطبيقي هو أن يكون الإنسان على معرفة واعية بالحقائق الأساسية حول لغة ما،من خلال اتصال بعضها ببعض،وفي إطار نظرية لغوية معينة،وبعد الإتيان على فروع اللسانيات ينتقل الباحث بنا إلى مستويات التحليل اللساني والهرم العام للتحليل اللساني بمستوياته الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية،وكما يتحدث عن علم اللغة العام والخاص.
وتناول المدارس اللسانية،كما تطرق الباحث إلى المدارس ذات المنهجية المتميزة واختارها لتفيد الدارس،كما أنه ذكر كل مدرسة وضمن الحديث عن علمائها،على سبيل المثال:المدرسة السويسرية (دي سوسير) والدنماركية (كوبنهاجن ولويس هيملسيف) والمدرسة الإنجليزية، ونظرية المعنى عند فيرث وتطرق للجهود اللغويةلبلومفيلد وتشومسكي،وختمها بالحديث عن النظرية التوليدية التحويلية،وحرص المؤلف أن يعضد قوله بالجانب التطبيقي،ليذلل وعر هذا العلم ،ويقرب مفاهيمه وأسسه.
كانت هذه الدراسة عبارة عن صحبة معرفية في عوالم اللسانيات، وهو بمثابة الوسيلة الناجعة ليكون البحث اللساني سهل المأخذ مبسّط التعاطي،وتبقى الإشارة إلى أن علم اللسانيات ممتد في أبعاد رحبة تعطيها سعة وجدلا لا ينتهيان.
ويعد (مقدمة في اللسانيات) الكتابَ الثالث للمؤلف الذي يدرّس علم اللغة الاجتماعي في الجامعة الهاشمية في الأردن، إذ سبق أن أصدر كتابين هما (اللغة والجنس) عن دار الشروق بعمّان في العام 2002، و( ذاكرة المعنى) الذي صدر قبل أيام عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت.
- آخر تحديث :



التعليقات