داخلهم يصرخ: هلّلُويَا لرغيف الخبز
حيان نيوف من دمشق: تحول المتسولون والشحاذون إلى علامة فارقة للشوارع السورية حتى فاق عددهم عدد رجال شرطة المرور، ولا يعنيهم إن خرجت مظاهرة سورية لمواجهة التحديات الخارجية أو اعتصام للمطالبة بوقف قانون الطوارئ، ويشعر الناظر إليهم أن داخلهم يصرخ: هللويا لرغيف الخبز.
المتسول الباريسي والمتسول السوري
البؤس، اليأس، الشرود، التأمل الحزين والأمل الشجي تغطي وجوده هؤلاء التي سرعان ما ترتسم عليها الفرحة لحظة سقوط ليرة أو خمس ليرات من
حد المارة إلى أيديهم أو إلى صحن صغير وضع أمامهم، أو إذا تمكن أحدهم من العثور على " كنز اليوم " وهو مسح حذاء مقابل بضع ليرات. يتفنن المتسول الباريسي بعزف ألحان الموسيقى الهادئة واضعا أمامه علبة فارغة لوضع النقود دون أن ينظر إلى المارة أو يصرخ، بينما راح المتسول السوري يصرخ بأعلى صوته لحنه الأبدي الوحيد: من مال الله يا محسنين.
هؤلاء الناس البسطاء هم الشريحة المهمشة التي لا تعرف ما تقدم وكالة جايكا اليابانية أو وكالات أخرى من مساعدات للفقراء بسورية، وهم أنفسهم الذين يقفز الإعلام فوق رؤوسهم فيما لم تحتضنهم سوى الأزقة. وقد يقرر هؤلاء في أيام الإزدحام التخلي عن التسول والقيام بأي عمل لكسب الرزق: مسح الأحذية، بيع العلكة، بيع الفول. ومنهم من لا يعمل مفضلا الجلوس على قارعة الطريق فاتحا يديه للسماء.
التسول مهنة موسمية في أرياف سورية
وتتحول شريحة المتسولين والشحاذين إلى شريحة " موسمية " في بعض المناطق السورية بفترات المواسم الزراعية. في موسم قطاف الزيتون ينتشر هؤلاء في الأرياف للحصول على الزيت، وهذا ما يحصل في مواسم جميع أنواع الخضار والفواكه وإن كانت هذه الشريحة تركّز على الزيت في موسم الزيتون. وأما صفة " الموسمية " فتنتهي في شوارع المدينة إذ لا يوجد موسم معين لحركتهم وإن كانت تبرز في أول الشهر عندما يقبض الموظفون رواتبهم.
وينام الشحاذون والمتسولون في الحدائق العامة وأحيانا ينام بعضهم في غرف مستأجرة مع عائلاتهم في حال كانوا متزوجين. و لا تقتصر مهنة التسول على الذكور فحسب وإنما طالت الإناث أيضا، وكثيرا ما تنتشر نساء غجريات أو من البدو في الكراجات العامة مع أطفالهن.
هل يحتاج المتسول حاسوباً أم رغيف خبز ؟
نشرت وكالة الأنباء الرسمية " سانا "مؤخرا خبرا عن التوقيع على "عقد المنحة المقدمة من الشعب الياباني إلى الجمعيات الخيرية في دمشق "، وتبلغ قيمة المنحة 90645 دولارا اميركيا.
تقول وكالة " سانا ": " تهدف المنحة إلى دعم الأطفال الأيتام والفقراء عن طريق تأمين فرص عمل أفضل وتطوير مقدراتهم على الكسب حيث سيتم بالمنحة تأسيس مخبرين للتدريب على الكومبيوتر يحوى كل منهما 22 جهاز كمبيوتر وماسحات ضوئية وطابعات ليزرية وأجهزة إسقاط وشبكة ربط محلية وآلة تصوير حيث سيتم إقامة 40 دورة تدريبية يستفيد منها 900 متدرب كل عام وستقوم وكالة التعاون اليابانية الدولية جايكا بإرسال المدربين من اجل الدعم الفني".
نال هذا الخبر نصيبه من الانتقاد من قبل قراء سوريين لدواعي عديدة. ربما اعتقد المانح الياباني أن الفقراء بسورية مهتمون بالحاسوب والحقيقة تقول إنهم مهتمون بأي شئ يدر عليهم أرغفة الخبز أكثر من هذه الأمور. ولعل الانتقاد يذهب أيضا إلى وجود باحثين يقترحون تعويض الأيتام والفقراء بدورات كومبيوتر فيما يشتهي واحدهم أن يأكل قطعة حلوى – وهذا قبل أن يأتي اقتصاد السوق.
بكل مرارة وصف أحد المتسولين حاله لنا وبشكل صريح محزن. إذ قال: " نلبس ألبستنا الداخلية ذاتها بعد أن نغتسل، وأما حذائي والحال ينطبق على زملائي فهو لا يتغير أبدا إلا إذا جاءت عوامل خارجية وغيرته مثلا كأن يسرقه أحدهم وأنا نائم ". أضاف: " هل تصدق أنني ذات يوم مشيت بحذاء دون نعل بأسفله أي كنت بالحقيقة أمشي على جواربي التي التصقت بالأرض وهي جوارب صارت خيوط الترقيع فيها أكثر من الخيوط التي صنعت الجوارب بها ".
وكانت كشفت دراسة صادرة عن الأمم المتحدة أن الفقر في سورية يتركز في الأقاليم الشمالية الشرقية بينما تتراجع نسب الفقر إلى أدنى مستوياتها في الإقليم الحضري الجنوبي من سورية و بلغت نسبة الفقراء 11.4% مما يمثل 2.02 مليون فقير.
وأضافت الدراسة الدولية أن الفقر "يتركز في المناطق الريفية في حين تتدنى معدلات الفقر وخاصة الفقر المدقع في المناطق الحضرية فبينما تصل نسبة سكان الحضر الى 50.8% إلا أن بها 38.8% من الفقراء ".
وأخيرا، ربما يحتاج المتسولون في سورية نقابة أو منظمة تدافع عنهم أسوة بجميع منظمات المجتمع المدني، وقد يطلق عليها " متسولون بلا حدود " ولكن هل تحصل مثل هذه المنظمة على مساعدات أوروبية ؟ قد يرفض هؤلاء المتسولون ذلك ويزعمون أنهم مع " التسوّل الوطني " ( أي التسول من أبناء البلد فقط )مبتعدين عن استغلال الضغوط الأجنبية لتغيير وضعهم !




التعليقات