أصبح واضحاً أن الحديث عن دور لإيران في العراق هو محاولة للطعن بالشيعة والتعريض بهم بوصفهم (فرساً) خارجين عن (ملة) العرب الذين يحتكرون - كما يفهم هذا الكاتب وغيره من فطاحل الشوفينية العربية- أن الإسلام دينهم وحدهم، وليس رسالة إنسانية شاملة لكل البشر، وأن لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى.
يتحدث الكاتب خضير طاهر عن افتقار شيعة العراق إلى (المنطق السليم وإلى إرادة النقد الذاتي وروح التطور)، وهذا زعم بالغ الخطأ، فلعل التشيع هو المذهب الإسلامي الوحيد الذي يؤمن بالاجتهاد الذي مهمته الأساسية مواكبة التطور والتفقه في شؤون الحياة المستحدثة، في حين بقي غيره من المذاهب واقفاً في القرن الأول الهجري، يقولون ما قال السلف الصالح، ويلبسون ما! يلبس ويفعلون ما يفعل، فأين يكون التطور يا ترى؟؟ ولذلك أما أن يكون هذا الكاتب جاهلاً بالشيعة أو متحاملاً عليهم ليقول ما قال. أما (التخبط من خطأ إلى خطيئة) لدى الشيعة كما يزعم هذا الكاتب فلا أدري كيف يكون العمى أو التعامي... لقد شاهد العالم كله كيف أصر الشيعة على المضي قدماً في العملية السياسية التي يمكن أن ندعوها بـ (المقاومة السياسية للاحتلال الأمريكي)، وكيف أصروا وأصرت المرجعية المقدسة على إجراء الانتخابات في وقت انشغل غيرهم بذبح العراقيين تحت شعار مقاومة الاحتلال ورفضوا بكل قوة إجراء الانتخابات أو المشاركة فيها، بل ذهبوا إلى تكفير من يشارك فيها وتفجير بعض المراكز الانتخابية، وبمجرد أن انتهت إلى فوز ساحق للقائمة الشيعية حتى عاد السلفيون بكل صلافة إلى التباكي على أنهم غيبوا عن الانتخابات ومنعوا من المشاركة فيها، وكأنهم لم يقاطعوها علناً وعلى مرأى من العالم كله، ثم تباكوا على حرمانهم من المشاركة في لجنة كتابة الدستور، وطالبوا بحصة أكثر حتى من المشاركين في الانتخابات، فأعطاهم الفائزون ما أرادوا، فما كان منهم إلا أن قاطعوا هذه اللجنة بحجج وذرائع واهية، حتى إذا جاء يوم الاستفتاء على الدستور انخرطوا في نوبة جديدة من هستيريا الرفض غير المبرر وادّع وأن هذا الدستور دستور تقسيم للعراق وغير ذلك من التفاهات.
ومن أغرب ما جاء به أن تقديس المرجعية ( سيف فتاك يذبح حرية التفكير والنقد وممارسة الديمقراطية) فهل نسي عمليات الذبح الحقيقية التي قام بها (مجاهدو السنة) على الشبهة، وطالت إعلاميين ومفكرين وأساتذة جامعات وسياسيين وطلبة، ثم حلاقين ودلالين وغيرهم من أصحاب الحرف، ثم أطفالاً ونساء ورجالاً مدنيين كانت تحصدهم سيارات الموت المفخخة بالعنجهية العربية الطائفية المعاصرة، وكان يكفي فقط أن تحمل حقيبة لتكون مرشحاً للقتل بحجة أنك مترجم للقوات المحتلة!! حتى لو لم تكن تجيد أية لغة بما فيها العربية لغتك الأم، هذا فضلاً عن عمليات الخطف والمساومة وتسليم الضحية مذبوحة على الطريقة الطائفية التكفيرية، بعد قبض المبلغ وتقسيم الأرباح على فصائل المقاومة!! وخصم نسبة هيئة علماء المسلمين التي تتولى التفاوض على (الصيدات الأجنبية الكبيرة) !! كل هذا لم يكن يمثل سيفاً فتاكاً يذبح حرية التفكير في نظر الكاتب الذي أجده من نمط الكتّاب والسياسيين الموالين للإرهاب الذين لم يجدوا من يردهم عن غيهم فغالوا فيه إلى حدود التوحش واتهام الناس بلا أدنى ! دليل.
من قال أن مكانة رجل الدين عند الشيعة تتجاوز مكانة الله تعالى(حاش لله) كما يزعم هذا الكاتب، ذلك أن أهم رمز ديني بعد رسول الله (ص) لدى الشيعة هو الإمام علي (ع) ونحن نعلم جميعاً أن هناك فرقة من الناس يعبدون الإمام علي ويؤلهونه، والشيعة يعدون هؤلاء كفاراً لإشراكهم بالله، فكيف يجوز الزعم بأنهم يؤلهون المرجعية؟ أما أن في العراق أناساً يكفرون بالله نهاراً جهاراً فليس الأمر مقتصراً على العراق فقد رأينا ذلك في دول عربية عديدة، وأما أن هؤلاء هم من الشيعة فقط فهذا منتهى التحامل أو الغباء وعدم معرفة المجتمع العراقي، ولم نشهد حتى هذه اللحظة أحداً قتل بسبب سبه للمرجعية الشيعية، وأنا أتحدى شيعياً واحداً يستطيع أن يشتم حارث الضاري لا أقول في مدينة سنية، لأن المدن السنية كالفلوجة وسامراء وغيرهما قتلت الشيعة الذين فيها أو شردتهم، بل أقول في مدينة يختلط فيها الشيعة بالسنة، ثم ينجو هو أو عائلته من الموت الملثم الذي يقوده هذا الإرهابي الذي يقدسه السنة العراقيون، كما أذكّر هذا الكاتب وغيره من محبي الظلم أن صدام كان قد سنّ قانوناً يحاكم من يسبه بالإعدام بينما كانت عقوبة من يكفر بالله الخ! الق السجن لمدة ستة أشهر، فأين كان هذا (الخضير هادي!!) من هذا، أم أعماه الله؟!
وختاماً لا أجد إلا أن أقول أن الدخول إلى (عصر الحداثة والعولمة وحقوق الإنسان) لا يعني أن يتخلى الإنسان عن مقدساته، أو أن يسمح بانتهاك الحرمات، ومع ذلك أذكره بأن ما حدث ويحدث يومياً في قناة الجزيرة وغيرها من منابر التحريض على الموت والتكفير والذبح التي يتباكى عليها اليوم هو وغيره، لم يقابل بفتوى بالقتل أو بإجراء دموي، وكل ما هنالك أن الناس استنكروا التعرض لرموزهم الدينية بهذا الشكل السافر، واحتج من احتج منهم، وانتهى الأمر إلى هنا، فإذا كان الكاتب يربد أن يصادر حرية الشيعة حتى في الاحتجاج السلمي ثم يتحدث باسم الحرية وحقوق الإنسان فأي تناقض صارخ وأي حقد أعمى؟!؟!
نعم إن الشيعة يقدسون المرجعية الرشيدة التي لا تحتاج من هذا الكاتب ولا من غيره شهادة على حكمتها وقدسيتها، وليس ذلك بغريب، كما أن هذا الأمر لا يقدح في رغبة العراقيين في (الدخول من بوابة المستقبل لبناء وطنهم) وإلا لكان الانتظار الطويل لدخان الفاتيكان الأبيض ضرباً من الخرافة والتخلف من لدن العالم الغربي الكاثوليكي الذي ارتقى عميقاً في السماء ولديه من أسباب التطور العلمي ما يجعله في غنى! ً عن طقس كهذا لولا تقديسهم لمرجعيتهم الذي لم يحل دون تقدمهم العلمي.
إن ما يؤخرنا حقاً هو التفكير على غرار هذا الكاتب الذي ينظر إلى العالم بعين حولاء ثم يتهم العالم بالميلان أو الازورار.

أبو علي الأدهم

[email protected]

خضير طاهر: تقديس المرجعية ضد حقوق الانسان