لايمكن للحوار العراقي-العراقي أن يكون نافعا ومنتجا على مستوى الفكر والثقافة ويلبي حاجة المجتمع العراقي للتغيير والأصلاح السياسي العاجل، الا أن يتم على مستوى نخبة المثقفين الوطنيين والذين ينتمون الى مدارس فكرية وأيدلوجيات مختلفة من اليسار الى اليمين ومن العلمانية والليبرالية الىالقومية و التيارات الدينية بمختلف مذاهبها ومشاربها الفكرية وتلك التي تلتزم الأعتدال وحتى الأخرى المتطرفة والتي ترى من العنف أسلوبا لتحقيق أهداف ومصالح الدين في رفع كلمة الله في الأرض.
وهنا لابد لنا من التعرف على نوعية المثقف المطلوب في العراق الجديد والذي يتخذ من مختلف الأيدلوجيات هدفا ونهج سياسي يسعى الى تطبيقه.
يشهد الأعلام العراقي الجديد تيارات وأقلام فكرية منها جادة وهي ضعيفة التواجد والأغلبية فهي أقلام مبتدئة وسطحية ومنه ماهو نفعي و منه ما يلتزم أهداف حزبية وفئوية وحتى عائلية ولكن حركة المثقفين وتوجيههم يخضع لقانون الفعل وردة الفعل وغير مبرمجة وفق خطة أعلامية وطنية تخدم مصالح الشعب العراقي وأهداف الأمن القومي للعراق.
علينا أن نتسائل بأخلاص من هو المثقف الحقيقي ]الأصلاحي [ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.
من الطبيعي أن تكون هناك ملاحظات عن تعريف المثقف لدى الأسلاميين والعلمانيين وأحد المصادر بكل تأكيد النظريات في مرحلة التنوير الفكري في الغرب المسيحي حسب رأي فرانكلين بومر والتي تمر عملية أعداد المثقف بمراحل من التشكيك ونفي المسيحية وتعاليمها ثم المرور بمرحلة الألحاد الصريح ومرحلة الضياع القيمي ومن ثم فقدان المعنوية.
لكن وجهة نظر العموم فأن أغلبية المثقفين الغربيين يمرون مباشرة وبوقت قياسي الى مرحلة الألحاد الصريح وأنقطاع الأنسان بخالقه وتشوش النظرة الفلسفية لديهم عن مصدر خلق الكون والحياة وعلاقتهم بالخالق العظيم.
وأما المثقف العلماني الموجود في مجتمعاتنا تثار حوله شبهات لدى الأسلاميين يمكن أستنباطها من جملة ممارسات يومية خاطئة حسب آرائهم كأعتماد هذا النموذج زي الأجانب والألتزام الفكر اللاديني او التظاهر باللادينية أو التسامح حيال ألتزامات الدين ويفهم خطأٌ بأن المثقف هو كل فرد حاصلاٌ على شهادة الدبلوم أو البكالريوس والشهادات العليا من داخل البلاد وخارجها وغيرها.
أما المثقف الأسلامي الحقيقي في الأسلام يتصف بجملة من المواصفات والمعايير السلوكية والفكرية يمكننا ذكر بعضها.
يمكن أن نستنبط من جميع أوصاف المثقف والتعرف عليه بأن يلتزم المثقف الحقيقي بالعقلانية أي البصيرة والتعقل في مقارعة الأفكار الباطلة والخرافات البائدة ويلتزم بالضرورات العقلية ويتجنب الأنقياد اللامنطقي للآخرين ويحاور ويجالس الفضلاء والعلماء.
ولاننسى قول الأمام علي ]ع[ -]لا خير في عبادة ليس فيها تفقه ولا خير في علم ليس فيه تفكر ولاخير في قراءة ليس فيها تدبر [.
لابد أيضاٌ للمثقف ان يمتلك في حركته الأنسانية الهدف والأيمان أي الأنتماء الى مدرسة فكرية وأن يعتقد بشئ ويؤمن به ويلتزم بتوجهاته على أساس عقلاني وهنا يفترق المثقف الشرقي عن طريق نظيره المثقف الغربي في عصر التنوير ومما ساعد هذا على نمو فكر العلمانية في أوروبا على أرض غابت عنها فكر ومنظومة قيمية تعارضها كالثقافة الأسلامية مثلاٌ.
أن المثقف الحقيقي لابد أن يلتزم العلم والوعي ومن مقدمات الحالة الثقافية حب العلم والتفكر والعمل المعرفي أي أن المثقف يخرج عن نطاق تخصصه ليعالج مختلف المسائل الأنسانية ويساهم في رفع مستوى الثقافي والعلمي لمجتمعه ومطلعاٌ على قضايا شعبه وواعيا لمشاكله ليساهم بأخلاص أيجاد حلها.
يجب أن يتحلى المثقف الحقيقي بحسن السلوك والسمعة الطيبة وهناك اليوم الكثير ممن بتزعمون الأنتماء الى صنف المثقفين ولكن نشاطهم يقتصر على الثرثرة والكذب
فالمثقف الحقيقي ذلك العنصر الذي يقارع الظلم ويتمرد على الجور حتى أطلق على هذا المثقف
] بالمتمرد الواعي[.
ينبغي أخيراٌ على المثقف الواعي أن يتصف بالفكر الحر فكيف للأنسان أن يصبح مثقفاٌ ثم لايلتزم بكلمة الحق ؟؟؟؟؟
أذاٌ أليس من الأفضل أن يلتجئ الى الحقيقة ويتحرر من كل ما له علاقة بالباطل ؟؟؟؟؟؟؟؟.
لاننسى أن بروز الأنسان كمفكر في أي حقل من المعرفة لهو عنوان كبير يتطلب هذا الأنسان المبدع أمتلاكه الى كفاءات ذاتية وأكتسابية تجتمع لتعبد الطريق أمامه ليصل الى قمة العطاء والأبداع المعرفي والعلمي.
ومن هذه الكفاءات الذاتية ملكة الذكاء وقوة الذاكرة ونشاطه الفكري في أمكانية أيصال الأفكار الى الآخرين بقدرة ومهارة.
حين يعجز المثقف العراقي اليوم عن أيجاد كيانه الثقافي المستقل ويعجز أيضا عن أمتلاك وعي عميق لمرحلة حرجة من تأريخ العراق يمكنه من تأسيس ثقافته الأصلاحية بأتجاه نشر مفاهيم الديمقراطية وحقوق الأنسان والتسامح.
ولكي يحقق المثقف العراقي كيانه الثقافي وتجسيد دوره الأصلاحي ينبغي أن يساهم المجتمع ومؤسسات الدولة في أعطاء للمثقف ومؤسساته الأعلامية الفرصة والتقدير لممارسة مهامه الوطنية والرقي الى تطلعات وهموم الشعب وخصوصا الشرائح المعدومة.
وهناك شروط موضوعية تساعد المثقف تحقيق مؤسساته الثقافية والمعرفية تتمثل بأمتلاك أرضية معرفية واسعة وتكافل جهود مجموعة من المثقفين العراقين يقومون بأستيعاد وتأشير مناطق الضعف والأنحراف في جسد الدولة الجديدة.
وتشخيص الممارسات السياسية الخاطئة التي ترتكبها زعامات وكوادر الأحزاب السياسية الفاعلة الحاكمة والمعارضة على سبيل المثال المحسوبية والفساد الأداري والتي تؤدي الى طمس معالم الثقافة العراقية والتي ترتبط بتأريخ الشعب وحضاراته.
أن في الأمم المتقدمة يخول المجتمع المتحضر للمثقف الواعي مهمة القيام بدور المؤسس للنموذج المستقبلي لشكل الدولة أوالنظام السياسي المرتقب وتحديد طبيعة مؤسسات المجتمع المدني ويعمل بكل أندفاع بروح الذات الواعية والتي تتكون نتيجة أنصهار عناصر تأريخية ودينية وأجتماعية وسياسية ومعرفية في بودقة واحدة فحسب بل لأن كل عمل ثقافي مبدع يشتمل بالضرورة على تأسيس لقيم حية وفاعلة بما يجسده من أستحضار للتأريخ كمكون ثقافي خفي وفعال ووعي للمرحلة الحاضرة.
فالمثقف الحقيقي يستوجب عليه اليوم أدارة الحوار العراقي-العراقي وأن يمارس دور الداعية للأصلاح الأجتماعي وتدبير شؤون مكونات المجتمع العراقي على مستوى فكر وثقافة الديمقراطية وأحترام حقوق الأنسان لأجل أرساء القواسم الفكرية المشتركة.
أن الحوار العراقي بين مثقفي الفكر الديني والعلماني هو ضرورة ملحة تفرضها حاجة العراق للوحدة الوطنية وظروف المجتمع العراقي العصيبة بعد سنتين من سقوط صنم العفلقية الفاشية ومما أدى الى سقوط الدولة الصدامية وتفكك المجتمع العراقي وبروز معالم الأرهاب المدمرة والتي دفعت الأحداث الصاخبة المتلاحقة من قتل وقطع الرؤوس وتفخيخ السيارت وأستهداف شريحة كبيرة من المجتمع وكل هذه ضمن مسيرة تقدم آليات الديمقراطية على التنفيذ وأيجاد الأرض الخصبة لتحقيقها في الأنتخابات العامة.
أنطلق جدل عراقي وحوار ديمقراطي حر غير منظم بقدر ماهو عفوي يمكننا أن نستنبط منه تياران من الكتاب العراقيين يتناولون الأحداث العراقية وهما التيار العلماني والتيار الديني وكل من هما له حججه وطريقة قراءاته للأحداث وأسلوبه في التحليل وقراءة المستقبل وتنبؤاته لمايحصل في ما بعد.
أن الأعلام العراقي اليوم في أمس الحاجة الى حوار سياسي من أجل ترويض العقل السياسي العراقي العمل على تعزيز الديمقراطية ونبذ كافة أشكال العنف والقمع الفكري والحرص كل الحرص على الوحدة الوطنية وأعتماد المواطنة الصالحة كأساس في سد حاجة بناء هياكل الدولة العراقية الفتية بدلاٌ من اللجوء الى المحسوبية المزمنة تحت غطاء المحاصصة الحزبية والفئوية التي ساعدت على تفشي ظاهرة الفساد الأداري المدمرة والتي لايقل دمارها عن أذى الأرهاب الأعمى في أستنزاف الوقت والموارد المالية وأستهداف البنى التحتية وتهديد أمن وحياة المواطن العراقي المظلوم.
أن للحوار ضرورة تفرضها الظروف السياسية في عراقنا الجديد كما تفرضها توجهات كل منهما وتدفعهما قدما للأمام لمساحات واسعة مشتركة.
أن أي حوار حضاري بين متحاورين هو ضرورة وحاجة وحتى لو كانت نتائجه المرجوة متواضعة،فأن بقيت خلافات رئيسية قد تعالج في جولات قادمة
أن هذه العملية الحوارية يكون الحد الأدنى من المكاسب الأعلامية تدخل ضمن سياق التلاقح الفكري والثقافي وقطع الطريق عن أسلوب التهميش للأراء المناهضة.
ندعو بكل أخلاص الى الحوار العراقي-العراقي بالقدر المستطاع والأبتعاد عن التعنت كما ينبغي ألا نيأس ونؤدي ما أمرنا الله به والوطن جميعا وعلينا بالدعوة الى الحوار ممن أستجاب فأهلاٌ به نحاورهم بالحجة مقابل الحجة والفكرة بالفكرة كبديل للشجار والشتائم والتنابز والهمز واللمز والطعن بمصداقية الكاتب وكل هذه الأساليب هي أدوات العنف أو القمع الفكري.
لماذا الحوار بين الفكر الديني والفكر العلماني ؟؟؟؟؟
ان أهم أهداف الحوار تاتي في سياق لتلبية حاجة المجتمع العراقي و عدم تكرار أخطاء النخب القومية واليسارية العراقية التي حكمت العراق في الحقب الماضية وتكرارها من قبل الأحزاب الأسلامية الحاكمة في العراق الجديد.
وهل يستطيع الحوار الفكري العراقي أيجاد ثقافة عراقية جديدة؟؟؟؟؟؟
و ليست خطابا سياسيا تعبويا بل منظومة من القيم الأيجابية المستنبطة من مختلف المصادر والمرجعيات الأخلاقية أن كانت من الدين أو من المدارس الفكرية الأخرى.
أن تعثر التجربة اليسارية والقومية خلال 47 سنة في العراق ووصول الأسلام السياسي بعد سقوط الدولة القومية الفاشية الى هرم السلطة أفرزت المرحلة الجديدة معطيات تحتاج المراقبة والأنتظار وأفرازات سياسية تحاول تغيير منحى المستقبل.
ومن أهم المآخذ والأخطاء المنهجية تظهر عندما تتطلع الأحزاب الأسلامية للسلطة في العراق من خلال نفس مفهوم الحزبي القومي او اليساري وهنا بكل اخلاص نقول انها تكرر هذه الأحزاب أخطاء التجارب السابقة وتتلخص أهمها:
-أتخاذ السلطة هدفا وغاية قبل التفكير بحل المشاكل الأجتماعية والتحضير والأهتمام بقضايا التنمية والأصلاح الأجتماعي الضروري والملح في مرحلة يتم فيه تغيير سياسي من نظام أستبدادي الى نظام تعددي ديمقراطي.
نعم هناك نوع من القفز فوق المجتمع العراقي وحاجاته وآماله وتطلعاته أي هناك تجاوز سريع حيث تكون حركة المجتمع في جانب ونشاط النخبة في جانب آخر وهذا يتطلب مؤسسات مجتمع مدني فاعلة تعالج هذا الخلل.
لابد للعراقيين أن يلتزموا الوعي الوطني بطبيعة التحديات السياسية الثقافية والعلمية والديمغرافية والأقتصادية والتكنلوجية في عراق يحتاج بناءه من جديد وفق أصول أكثر علمية وعدلاٌ وهي تتطلب الوحدة الوطنية وأعادة أمكانيات الأمة العراقية وأستغلال المساعدات والأستثمارات الدولية والعقول العراقية المهاجرة التي تحمل خبرات هائلة على مستوى التكنلوجيا والعلوم البحتة الأنسانية وكلها مقيمة في بلدان الغرب الصناعي.
في القاموس السياسي العراقي مثقفي الداخل والخارج بكل أسف وحزن يشكلون وجود حقيقي بهذا التصنيف والتمييز وذلك بالرغم من حمل نفس الهموم العراقية والأهداف السامية والتطلعات المشروعة في نشر الديمقراطية وثقافة حقوق الأنسان ضمن الهوية العراقية المتشربة بتعاليم الدين الأسلامي.
ولكن تبقى الأساليب وأدوات التعبير تختلف بينهما وذلك لحجم وتعقيد المعوقات الأجتماعية والنفسية التي تعارض عملية التغيير والأصلاح الأجتماعي من أجل مساعدة الأنسان العراقي للتعايش مع حياة عراقية جديدة فيها هامش كبير من الحريات المدنية وحرية التعبير والأختيار للنظام السياسي ومنظومة القيم التي تنظم حركة المجتمع والفرد على حد سواء.
أن مثقفي الداخل والخارج يتطلعون الى ردم الهوة الثقافية والفكرية والخلل الزمني الذي فرضه نظام البعث المتخلف خلال 35 سنة من عسكرة الحياة وثقافة العنف وأنتهاك حقوق الأنسان وتهديد السلم العراقي والدولي ومما أنعكس سلباٌ على أبداع وعطاء مثقفي الداخل الذي أصابته العزلة الحضارية وأنحسرت عليه مدنية الأمم الأخرى وتحول جزء كبير منه الى مثقفي السلطة الديكتاتورية مقابل أجتثاث ونفي رموزه الوطنية.
ولكن الحوار بين مثقفي الداخل والخارج تحت غطاء ثقافة الوطن العراقي الأصيلة ومحاولة توئمة بين ثقافة الدين وثقافات الديمقراطية وحقوق الأنسان كلها تفتح للمثقفين العراقين آفاق جديدة لرسم الوحدة الوطنية بأستخدام قواعد وأصول حوارية أكثر حضارية وعدلاٌ تهدف بالأساس خدمة الأنسان العراقي وترويض السلطة السياسية والثروات الى بناء عراق حر ديمقراطي مسالم مع نفسه والآخرين على حد سواء.
أن من أهم فوائد الحوار الديني -العلماني حسم كثير من التساؤلات وأذابة جليد الشبهات حول كل طرف من هذه المدارس الفكرية حيث كما يتهم الأسلامييون القوى العلمانية واليسارية بالفشل في أدارة الحكم للدول الأسلامية في مرحلة ما بعد رحيل الأستعمار وفي المقابل لن ستطيع الأسلامييون تبرير اسباب فشل معظم النماذج الحكم الأسلامي في هذه البلدان كالتجربة في السودان وأفغانستان والمملكة العربية السعودية وأخيراٌ في أيران.
وهذا ما يدفع العلمانيين الى أتهام الحركات الأسلامية بالتعصب والتطرف والعجز الكبير الذي يعاني منه الأسلامييون في صياغة خطاب سياسي حضاري يتوافق مع أستحقاقات ومتطلبات ارساء الأنظمة الديمقراطية والقبول بلائحة حقوق الأنسان العالمية والتي تم توقيعها من قبل أغلبية الدول الأسلامية وكل هذه المحاور تحتاج من المثقفين المسلمين والعلمانيين بشكل عام والعراقييون على وجه الخصوص أطلاق حوار فكري هادئ وجاد للوصول الى مطبخ فكري وطني يستطيع تحديد معالم الأهداف الوطنية ودور المواطن في صياتها وخدمة الوطن العراقي الكبير.

الدكتور خليل أبراهيم آل عيسى
كاتب عراقي/ باحث أكاديمي في العلوم النووية
مقيم في فرنسا