لايختلف اثنان على اهمية الدستوروالحاجة والضرورة الى سن دستور دائم يؤسس لدولة ديمقراطية تستند الى مبادئ المواطنة والعدالة والتعددية السياسية واحترام حقوق الانسان التي تصون حرية الاديان وتحترم عادات وتقاليد وهوية الشعب العراقي ولتحديد الحقوق والواجبات لأفراد المجتمع العراقي. كما ان جميع بلدان العالم لها دساتير تضمن حقوق الافراد والجماعات. ولن نجد اليوم بلداً غير العراق بلا دستور. علما ان العراق اول من سن الشرائع والقوانين وثبت حقوق ووجبات الحاكم والمحكوم. كما لايخفى السبب كون العراق ظل بلدا بلا دستور يعود الى الحقبة التاريخية المظلمة من تاريخ العراق السياسي التي تسلط فيها حزب البعث في العراق على السلطة والطبيعة الدكتاتورية الاستبدادية لرموز هذا الحزب وخصوصا حين استولى الطاغية صدام على الحزب والدولة. حيث اصبحت جميع القوانين تصدرباسمه واحيانا باسم مجلس قيادة الثورة. حتى بقي العراق بلا دستور لأكثر من ثلاثة عقود. ليس لأن العراقيين تنقصهم المعرفة بالتشريع وسن القوانين وصياغة دستور دائم للعراق. بل للروح الاستبدادية الاستعلائية الظالمة التي لاتعترف بحقوق المواطن ولاتقيم له وزنا. مما ادى ذلك الى اقصاء وتهميش اوسع قطاعات الشعب العراقي عن المشاركة في بناء الوطن. ومحاولة صهر القوميات والغاء خصوصياتها من خلال سياسة القتل الجماعي دون واعز قانونى او ديني او اخلاقي وجلب الخراب والدمارالى البلاد والعباد بالحروب والحصار. لذا تقوم اليوم لجنة صياغة الدستورالتي تمثل جميع اطياف الشعب العراقي لسن دستور دائم. سوف يعرض بعد الانتهاء منه على الشعب العراقي من اجل التصويت عليه بالقبول او الرفض.ان هذه المهمة الصعبة والمعقدة بسبب تعدد وتنوع القضايا المتعلقة بطبيعة تركيبة المجتمع العراقي المذهبية والقومية والدينية. الا انها وعلى اهميتها هناك ما هو اهم منها. الا وهو التطبيق العملي للدستور وتنفيذ القوانين سواء المثبته في الدستور. او التي تشرع عن طريق الجمعية الوطنية. لكون لايختلف وجود الدستور وعدمه الا بتطبيق مواد الدستور على ارض الواقع. اضافة الى نشر الوعي بأهمية تطبيق القوانين وتوسيع دائرة الثقافة القانونية لتشمل كل العراق. خصوصا في بلد مثل العراق مازالت تهيمن عليه الولاءات الطائفية والعشائرية والحزبية والمحسوبية والمنسوبية واخيرا الرشاوي. كذلك خراب النفوس والاخلاق التي ولدهاالنظام البائد في صفوف ما تبقى من فلول الصداميين والمخربين. بقي السؤال المتعلق بالجهاز المسؤول عن تفسير مواد الدستور والفصل بين النزاعات المتعلقة بتطبيق مواد الدستور. والنظر في دستورية القوانين الصادرة عن الجمعية الوطنية الا وهي المحكمة الدستورية العليا. يعتقد البعض ان المحكمة الدستورية العليا كفيلة بالفصل بين النزاعات وحل الخلافات التي قد تنشأ بين اقطاب الحكومة التي ستتشكل من مختلف القوى السياسية والطوائف والمذاهب والتيارات المشاركة فيها!!. وفي اعتقادي هذه نظرة متفائلة كثيراً. لااريد ان اقول اكثر من ذلك. لكن من ينظر الى الدول العربية التي ننتسب اليها يكتشف المصاعب التي تواجه تطبيق الدستور بسب تفشي الولاءات الطائفية والدينية والقومية والقبلية والعشائرية وغيرها. و من المعروف ان السادة الذين سيكونون اعضاء في المحكمة الدستورية العليا مهما كانوا يحملون من مواصفات هم اناساً لم ينزلوا من المريخ اويأتوا من كوكب آخر بل هم ينتمون الى هذا المجتمع ومن نتاج هذا الواقع الذي يؤثر به الحس المذهبي والقومي والديني و الحزبي وخصوصا اذا جرى تعيينهم على اساس المحاصصة. حينها اذا حدث الفشل في تحقيق الوفاق الوطني وشعرت بعض الاطراف بالغبن لعدم تطبيق الدستور بلاشك سيؤدي الى نشوب الخلافات بين الوزارات من جهه وبين الحكومة مع بعضها البعض من جهه اخرى وبين الاحزاب المؤتلفه منها الحكومة. وكذلك اذا جاءت الحكومة غير منسجمة مع بعضها في توجهاتها السياسية والادارية ربما ستكون هناك خلافات ايضا. وسوف ينعكس هذا بدوره على اعضاء المحكمة الدستورية حسب ولاءات اعضاءها الحزبية والقومية والمذهبية الذي سيؤدي هذا الى شل فاعليتها ويجعلها عاجزة عن ا صدار قرار لصالح احد الاطراف المتخاصمة وحل الخلاف. كذلك لن تكون الجمعية الوطنية بمنأى عن هذه النتيجة لذا لابد من البحث عن الحلول وايجاد مخارج دستورية لمثل هذه المطبات والى اين التوجه اذا وصلت الحكومة في حل الخلافات الى طريق مسدود بعد عجز المحكمة الدستورية عن ايجاد الحلول؟ وارى، في هذه الحالة على السادة اعضاء لجنة صياغة الدستور ان لايكتفوا بوضع مرجعية واحدة كالمحكمة الدستورية العليا او يقتصر موضوع فصل النزاعات عليها حصراً. ويغلقوا ابواباً اخرى. بل في وضع كهذا يمكن استحداث مرجعيات اخرى من اجل المحافظة على التماسك لكي لاينفرط عقد الحكومة لهذا يمكن الاستعانة بمرجعيات اخرى منها مثلا المرجعية الدينية في النجف الاشرف المتمثلة بسماحة السيدعلي السيستاني في حالة تعسر فض الخلافات من قبل المحكمة الدستورية. بلاشك يكون هذا بعد اتفاق الاطراف وتثبيته دستوريا كمادة من مواد الدستور. الذي ينبغي ان يكون دور المرجعية الدينية واضحا فيه. ولايعني هذا على المرجعية التدخل في كل شاردة وواردة بل يقتصر دورها على تقديم النصح والتوجيه والرجوع اليها عند الضرورة لفصل النزاعات المستعصية حلها على المحكمة الدستورية. خصوصا بعد ان اثبتت المرجعية الدينية بانها صمام الامان من الانزلاق الى الهاوية حين نصل في النهاية الى طريق مسدود، ونقف على اعتاب الحرب الاهلية على اثراستمرار و تصاعد وتيرة جرائم قتل العراقيين الابرياء على يد العصابات التكفيرية الضالة وبقايا اجهزة مخابرات البعث البائد. ان المرجعية الدينية التى وقفت طوال الوقت حائلا دون الانزلاق الى الحرب الاهلية. اضافة الى ماهو مشهور عن اعلمية سماحة السيد علي السيستاني ومايمتاز به من عدالة وحكمة وزهد وتعاليه عن حطام الدنيا الفانية. فان قدرته على تشخيص المصلحة الوطنية العليا. واعطاء التوجيه الصحيح وحل الكثير من المشاكل ومواقفه الوطنية واحترام وتأييد الملايين له في داخل وخارج العراق كلها تشير الى زعامته الدينية وعلوا شأنه ولهذا نرى توافد الوفود و رجال الحكم من السياسيين العراقيين من جميع القوى والاحزاب السياسية ورجال الدين من مختلف الطوائف والمذاهب والاديان على زيارته بين حينٍ وآخر لأخذ المشورة والاستماع الى نصائحه وتوجيهاته وهذا بمثابة اعتراف ودليل على ما تحضى به المرجعية الدينية من مكانه في نفوس العراقيين و ستبقى المرجعية الدينية ملاذا حين تستعصي الحلول على الحكام .


لطيف الصبيحاوي
كاتب عراقي يقيم في المانيا
[email protected]