هناك مفاوضات بين إيران والمتحف البريطاني لإعادة هذه التحفة إلى وطنها الأم:

شاهنامة طهماسب، متحف فني خالد

حين قدَّم الفردوسي (932 – 1020م) ملحمة الفرس الكبرى "الشاهنامة" أو كتاب الملوك، إلى السلطان محمود بن سُبُكْتكين الغزنوي، كان يعلم علم اليقين بأنه قد كتب جوهرة أدبية شعرية، ستظل تزين صدر تاريخ الملاحم والأدب والشعر الفارسي بشكل خاص، والإسلامي والعالمي بشكل عام، وهذا يظهر لنا جلياً حين نتبين أن الفردوسي قد استغرق ثلاثين عاماً لإتمامها، وهذه الإشارة تدلنا إلى أن الفردوسي كان يبتغي الخروج بتحفة أدبية تليق بالملوك والسلاطين، والشئ الثاني هو ذلك البحث المضني الذي أظهرته أبيات الملحمة التي وصل عددها إلى ستين ألف بيت شعري، تناولت سير وقصص وأساطير أبطال وملوك بلاد فارس. حيث لا يمكن أن تكون شاهنامة الفردوسي قد حصدت كل ذلك الإهتمام والإعجاب، لولا البحث الدقيق والشامل في كل أوراق التاريخ المتاحة له في ذلك الوقت. منذ ذلك الحين والشاهنامة محط أنظار الشعراء والكتاب والفلاسفة، حيث تبارى شعراء كثيرون في تقليدها وبلغات عدة منها الفارسية والكردية والتركية، وتُرجمت إلى عدة لغات أشهرها الترجمة العربية للبنداري.


الشاعر الفردوسي 932 – 1020م )

بعد خمسة قرون من تاريخ كتابة "الشاهنامة" أراد الشاه إسماعيل ( 1487-1524 ) - مؤسس الدولة الصفوية، الذي يتمتع بذوق فني رفيع، والذي كان أيضاً يرعى الفنون في الخفية حيث الفكر الديني المتعصب يسيطر على الدولة والشعب في آن واحد - أن يُدخِل تاريخ سنوات حكمه ضمن تاريخ الشاهنامة، وكأنه كان متأسفاً لأنه حكم بلاد فارس بعد أن أتم الفردوسي شاهنامته، ويبدو أن حسه الفني وشغفه بالرسم كان له المنقذ من هذه الورطة الكبيرة التي طالما شغلت تفكيره، حين إهتدى إلى فكرة تجسيد الملاحم والقصص والأساطير التي تزخر بها شاهنامة الفردوسي عن طريق فن التصوير، وهذا ما دفع بالشاه إسماعيل إلى البحث عن أهم فناني عصره، فقرب منه الفنان سلطان محمد(*) الذي جاء من مدينة هراة الأفغانية مع جيش الشاه العائد منصراً من مدينة هراة عام 1508. وكان الشاه اسماعيل حريصاً على جمع وإصطحاب الرسامين والنسّاخ والخطاطيين ونسّاج الأقمشة من المدن التي يغزوها، كي يضعهم في خدمته وخدمة مشروعه الكبير الذي أصبح يشغل تفكيره بشكل عظيم، ولم يكتمل نصاب الفنانيين وغيرهم من المهرة والصناع بشكل يغري الشاه إسماعيل على الإعلان عن مشروعه، إلا بعد أن سيطر جيشه على مدينة تبريز عاصمة التركمان. عندها استولى الشاه إسماعيل على جميع مكتباتهم وخزائنهم ومصانعهم، وفنانيهم، والمعروف أن مدينة تبريز كانت تشتهر بأرقى أنواع الفنون حيث إزدهرت فيها منذ زمن بعيد تقاليد التصوير والرسوم الإيرانية الغربية.
شرع الشاه إسماعيل بتنفيذ مشروعه الكبير في تصوير قصص وأحداث ملحمة الشاهنامة عام 1514م، أي بعد فترة وجيزة من استقراره في تبريز. ففي الوقت الذي كان يقضي معظم وقته متأملاً مرقعات التصاوير والرسوم والخطوط، التي كانت تزخر بها مكتبة المدينة، وكان الفنان سلطان محمد هو الشخص الوحيد الذي يشاركه تأملاته تلك. أسند الشاه رئاسة فريق الرسامين والنساخ إلى سلطان محمد للمباشرة في تصوير الشاهنامة. وكان سلطان محمد قد اصطحب معه عدداً من أصدقائه وتلامذته الفنانين حين قرر ترك مدينة هراة والقدوم مع جيش الشاه اسماعيل عام 1508م. ولكن وبعد أن قضى الفنان سلطان محمد ثمان سنوات في التخطيط والعمل على إنجاز بعض رسومات الشاهنامة، قدم الفنان بهزاد إلى تبريز عام 1522م بصحبة الأمير الصبي طهماسب الذي استدعاه والده الشاه إسماعيل للعودة بعد أن أرسله عام 1514م كحاكم أسمى على هراة التي كانت آنذاك مركز إشعاع فكري وفني مهم، وهناك تعلم الأمير الصغير كيف يعشق الفن ويتأثر بأساليبه التي كانت تسحره والتي أثرت كثيراً في طبيعته الإنسانية وفهمه للحياة، وحين عاد الأمير طهماسب إلى تبريز نقل كل ذلك معه. وكان أول ما فاجأ الشاه إسماعيل في ولده الأمير الصغير هو نظرته الساخرة من رسومات وتصاوير بلاط أبيه، بما فيها من هياج الشياطين والتنينات والتناغم الصارخ في الألوان، ولكن الذي أسعد الشاه هو أن كليهما كانا يجمعهما اهتمام واحد يتمثل في ولعهما بالتصوير.
أصبح الفنان بهزاد شيخ الفنانين ورئيسهم، بعد أن أصبح الأمير طهماسب حاكماً على الإمبراطورية خلفاً لولده عام 1524م، عند ذلك أخذ الشاه طهماسب على عاتقه إنجاز ما شرع به والده في تصوير قصص الشاهنامة. ويذكر أن الشاه طهماسب قام في عامه الأول من توليه الحكم بنسخ مخطوط صغير هو " الكرة والجوكان " للعريفي، حين أصبح الرسم هو المتنفس الوحيد لطاقاته الشابة بعد أن تملكه الشعور بالإحباط بسبب الأوصياء الذين حجبوا عنه جميع السلطات السياسية، فكان يقضي معظم أوقاته في مجالسة الفنانين وفي رسم بعض المنمنمات.
وظف الشاه طهماسب كل طاقات بلاطه لإنجاز مشروع والده الكبير والذي أصبح مشروعه الأهم، وكان الشاه ومن حوله من فنانين ونساخ وغيرهم، مؤمنين بأن هذا العمل يتطلب جهود إستثنائية. بلغ عدد الرسامين الذين اشتغلوا في تصوير الشاهنامة ستة عشر رساماً، مابين أستاذ ومشرف ومتدرب، فبالإضافة إلى الإستاذين سلطان محمد وبهزاد، ضم الفريق ثلاثة فنانين كبار، هم، مير مصور، ودوست محمد، وآقا ميرك، والأخير كان مقرباً من الشاه طهماسب الذي كرَّمه حين أسند إليه رسم منمنمة " الفردوسي يلتقي بثلاث شعراء من غزنة " لتصبح أول صورة في المجلد، وعرفاناً لهذا الشرف العظيم الذي مُني به آقا ميرك قام بإدخال شخصية الشاه طهماسب كواحد من شخصيات المنمنمة، حيث رسمه بهيئته المعروفة، شاب صغير غير ملتحي، يرتدي ثوباً أصفراً مغطى بجلباب أزرق، ومن أجل أن لا يؤثر إدخال شخصية الشاه طهماسب سلباً في المادة التاريخية التي تجسدها المنمنمة، جعله يقف إلى أقصى اليمين وهو يأخذ وضع المراقبة والإصغاء لما كان يدور من حوار، وتلك لفتة فنية أخلاقية عالية يستحق عليها الفنان آقا ميرك الثناء.

( الفردوسي يلتقي بثلاثة شعراء من غزنة ) للفنان آقا ميرك

أما الفنان " مير مصور " الذي يعد من كبار المصورين في عهد الشاه طهماسب، والذي سبق وأن اشترك مع الفنان سلطان محمد في تصوير مخطوط " جمال وجلال " للعسافي. فقد قام بتلوين عدد من منمنمات الشاهنامة، بالإضافة إلى رسوماته الخاصة مثل منمنمة " سام وزال يستقبلان بالترحيب في كابل " وكذلك منمنمة " أردشير والجارية جلنار " التي تعتبر من أكثر منمنمات الشاهنامة شاعرية، حيث تصور أردشير وهو يتبادل الحب مع خليلته جلنار تحت غطاء أزرق أنيق. كذلك قام مير مصور بالمساهمة في تدريب وتوجيه الفنانين المبتدئين، فلقد أصبح العمل في تصوير الشاهنامة – من حيث مكان العمل وطريقته - مركزاً تدريباً مهماً لجيل فتي مبدع من دارسي فن التصوير، ويمكن اعتباره أول معهد تشرف عليه الدولة لتدريس الفنون الجميلة في تاريخ بلاد فارس. حيث من خلاله عرفت حركة الفن العالمية مدرسة فنية جديدة هي " مدرسة الفن الصفوي ".

( منمنمة أردشير والجارية جلنار ) للفنان مير مصور

كان لأتباع الفنان الشيخ بهزاد، دور مهماً في العمل، وكان على رأسهم الفنان " دوست محمد " الذي كان يختم لوحاته بأسم " كاهي " أي الرجل المسخر، والذي تعد منمنمته " قصة هفتواذ والدودة " من أكبر منمنمات الشاهنامة حجماً، والتي امتازت بطريقتها الحديثة والمبتكرة، حيث نجد أن بعض الرموز المكونة لرسوماته تخترق حواشي اللوحة كأطراف الحيوانات والشخوص وأغصان الشجر. وتعد منمنمة " قصة هفتواذ والدودة " من أكثر أعمال دوست محمد طموحاً، إذ رُسمت ووقعت وضُمت إلى الشاهنامة عام 1540 أي بعد اكتمالها بعدة سنين. وبالإضافة إلى كونه فنان، فقد كان دوست محمد أديباً وخطاطاً وشاعراً.
أما الشباب المتدرب في تلك الفترة، فلقد كان عددهم كبيراً بحيث تم تقسيمهم على مجاميع صغيرة، وأنيطت بكل فنان الإشراف على إحدى تلك المجاميع، وبما يخص العمل في رسوم الشاهنامة، فلقد سُمح للمتميزين منهم فقط بالمشاركة، ومن بينهم اثنين من أبناء كبار الفنانين هما " مير سيد علي " إبن مير مصور، و " ميرزا علي " إبن سلطان محمد. وهناك متدرب آخر يمتاز بروح فنية نقية صافية كأعماله، يدعى " مظفر علي " وهو أحد أقارب الفنان بهزاد، وهو صاحب منمنمة " رستم يقنع أكوان الجني " التي تعد أكثر تصاوير الشاهنامة إنشراحاً، فحركة الخيول الأربعة التي تتوسط المنمنمة تظهر جمالية وتقنية فنية عالية يتمتع بهذا هذا الفنان الشاب، ولم تكن هذه المنمنمة الوحيدة لمظفر علي في الشاهنامة بل تنسب له أيضاً منمنمة " أنوشروان يسجل مشورته الحكيمة إلى هرمزد " حيث يظهر من خلالها تأثير الفنان آقا ميرك على مظفر علي من خلال رسوم الأشخاص والأشجار والجداول والصخور. ومن هنا نستشف بأن هذا العمل الكبير – مشروع تصوير الشاهنامة - قد أعطى فرصة كبيرة للفنانين الشباب على الاحتكاك بكبار الفنانين، للارتقاء بمستوياتهم الفنية والثقافية، مما ساعدهم بعد ذلك ليصبحوا أساتذة كبار لهم تأثيرهم المتميز في حركة الفن الصفوي.


رستم يقنع أكوان الجني ) للفنان مظفر علي

ومن مساعدي الفنانين المهمين " مير سيد " علي الذي كان معاوناً للفنان سلطان محمد حيث اشترك معه في رسم منمنمة " موت الضحاك "، ومنمنمة " الضحاك يسلخ البقرة برماية " التي أشرف عليها الأستاذ بهزاد، وهذه المنمنمة تظهر توزيع منطقي للمساحة والمقاييس الطبيعية للأبعاد. كانت المهمة الرئيسية لمير سيد علي هو القيام بإنهاء الأعمال التي كانت تتطلب المزيد من الصبر والدقة، ولكنه لم يكتفي بهذا، فراح يصور منمنمة " رستم والأبطال السبعة يصطادون في توران " وكان عمره آنذاك لا يتجاوز السبعة عشر عاماً، ولكنه أصبح فيما بعد استاذاً كبيراً في بلاط الشاه طهماسب وصار أحد مؤسسي مدرسة التصوير المغولية.

من الجدير بالإشارة إليه ونحن نتناول تاريخ شاهنامة طهماسب، أن نعرّج على منمنمة " كشتاسب يقتل التنين على جبل صقلية " التي فاجأ مصورها كل من عرفوه، كونها رسمت بأسلوب جديد لم يعتده متابعيه ومحبيه من قبل، حيث تصوّر هذه المنمنمة التي تبدوا فيها الشمس مقتربة من منتصف النهار شديدة السطوع والقرب من الأرض، قيام كشتاسب المسلح بطعن التنين، وهذه المنمنمة تعد إنجاز جديد في فن التصوير الصفوي آنذاك، إنها منمنمة الفنان " ميرزا علي " الذي عُرف عنه تفوقه في تصوير المناظر الداخلية للقصور وما يدور فيها من خطط ودسائس. ولم تكن هذه المنمنمة الوحيدة لميرزا علي، بل هناك منمنمة " باربد الموسيقي المختفي " التي تظهر سخرية عالية وروح الفكاهة الصاخبة، فلقد رسم الموسيقي باربد وهو يتوارى فوق شجرة سرو متينة ليطل من بين أغصانها وهو في حالة تأبط لطنبوره الذي باشر بالعزف على أوتاره.
لا شك في أن منمنمات الشاهنامة، تعد من النفائس الفنية المهمة في وقتنا الراهن، علاوة على أن تلك المنمنمات مجتمعة تعد معرضاً دائماً مهماً لكبار فناني العهد الصفوي، ولكن علينا أن ندرك أيضاً أن من بين هؤلاء الفنانيين الذي أنجزوا تلك المنمنمات كانوا متدربين أو أسماء فنية غير معروفة في ذلك الوقت. وبالعودة إلى زمن تنفيذ المنمنمات نجد أن هناك بعض الفنانين الشباب الذين انضموا إلى المشروع قبل الإنتهاء منه بقليل بعد أن أثبتوا جدارة عالية في فن التصوير نذكر منهم " عبد الصمد " الذي كان أحد مصوري مدينة شيراز التي ينتمي إليها، وكذلك الفنان الشاب " شيخ محمد " الذي أضيف عمله " فرى برز ضد كلباذ " إلى الشاهنامة بعد فترة من إتمامها وذلك لقوتها التعبيرية والتصويرية الفائقة. كذلك " كاظمي " صاحب منمنمة " بلاط إفريدون " التي يؤكد فيها فخره واعتزازه بكل من الشاه طهماسب والفنان بهزاد ومعلمه سلطان محمد، وتعتبر هذه المنمنمة من أعظم ما أنتجه الفنان كاظمي الذي كان يعد كأحد فناني البلاط من الدرجة الثانية.
ويجدر بنا أخيراً أن نشير إلى الفنان " قاسم بن علي " الذي تنسب له منمنمة " سياوخش وافراسياب في رحلة صيد " الذي كان يعمل في هذا المشروع الكبير كرسام ومعلم بنفس الوقت، حيث استطاع هو والفنان مير مصور أن يقدما نماذج من التصوير تعد الأكثر حيوية رغم إنهما كانا أقل فناني البلاط شأناً، وقد أثمرت العلاقة الجميلة التي كانت تربط هذين الفنانين بتصوير مشترك لمنمنمة " سام وزال يستقبلان بالترحيب في كابول " وهي الورقة رقم تسعة وثمانين من شاهنامة طهماسب.
لقد أدى اجتماع كل تلك المواهب الفنية المهمة في بلاط الشاه طهماسب إلى ظهور قيمة فنية جديدة ضاهت جميع الفنون الراقية المعروفة. فالفنان الذين يمتلك الرؤيا والحس الفني المرهف كالفنان سلطان محمد أومير مصور أو الفنان آقا ميرك، كان آنذاك نادر للغاية، وهذا إذا ما أضفنا إليهم الطاقات الشابة من الفنانين الذين بدت قدراتهم أكثر إبداعاً بعد دخولكم في تلك التظاهرة الفنية المهمة.
على الرغم من أن الشاه إسماعيل ومن بعده ولده الشاه طهماسب كانا ذو سلطة وقوة، وعلى الرغم من أنهما قد استخدما مادة تاريخية مهمة من تاريخ بلادهما، إلا أننا نجد أن الشاه أو الإمبراطور، قد عمل على إعلاء شأن تلك المادة التاريخية، ولم يحاول أن يستغلها لحساباته الشخصية. لقد أضاف الإمبراطور بعمله العظيم ذاك قيمة تاريخية أخرى أضيفت إلى الملحمة الشعرية العظيمة، ألا وهي القيمة البصرية لترجمة سطور الملحمة. وبهذا أصبحت الشاهنامة بأبياتها الشعرية ورسوماتها الفنية من أهم النفائس الفنية والأدبية التي شغلت تفكير واهتمام الدارسين والباحثين والمتاحف على حد سواء.

الهامش
(*) الفنان سلطان محمد يشبه الشاه إسماعيل عقلاً وروحاً. وتجربة الفنان سلطان محمد الفنية مرت بثلاث مراحل مهمة هي بداياته، ومرحلة الحياة في تبريز بصحبة الشاه إسماعيل حيث إطلع على أهم الرسومات التي كانت تمثل طرق فنية حديثة في ذلك الوقت، ومرحلة تعرفه على الفنان بهزاد الذي كان أعظم فناني السلطان حسين بايقرا آخر سلاطين آل تيمور في هراه.

[email protected]