يمكن للإنسان العادي أن يفهم من تقارير و مقالات بعض المثقفين والمحللين السياسين الكثيرة المنشورة في وسائل الاعلام المختلفة أن حماس لديها من الأدوات والآليات ما يمكنها من الوصول بخفاء وبراعة إلى عمق الأنظمة العربية، والشارع العربي. وأن حماس مازالت وبمساعدة بعض الحركات الأصولية المحلية والأقليمية ذات الصلة في المنطقة تنشر أفكارها بين الطلاب والعمال العرب. فهل الأيدلوجية الحمساوية تصب في صالح الأهداف العربية فعلاً؟ في الواقع أن أي أنسان عاقل متابع للأحداث يستطيع إن أراد أن يبرهن على صحة هذا الطرح أو نفيه من معطيات الواقع وبدون الحاجة إلى معادلات علم الرياضيات أوالبحث في أية ملفات سرية؟


فالمراقب الواعي للأحداث والشاهد الأمين على الواقع يستطيع اليوم وبكل جرأة التأكيد على أن الإنقلاب العسكري كما وصفته السلطة الفلسطينية الشرعية الذي بموجبه سيطرت حماس على قطاع غزة أدى إلى تقسيم دولة فلسطين إلى دولتين غير قابلتين للأتحاد واحدة في غزة والأخري في الضفة. وهذا يصب في مصلحة إسرائيل.
نعم حصلت حماس على السلطة في غزة بقوة السلاح فماتت مشاريع الأنتفاضات، وأختفت صواريخ المقاومة، وتقاتل الشعب الفلسطيني مع نفسه وسقط الأبرياء قتلى وجرحى بسلاح المقاومة. وهذا يصب في مصلحة إسرائيل.


نعم سيطرت حماس على غزة فدخلتها أسرائيل بعدما خرجت منها بإرادتها ودمرت البنية التحتية للقطاع وخربته بالشكل الذي يتطلب المليارات لكي يعود كما كان قبل الضرب والدمار. وهذا يصب في مصلحة إسرائيل.


نعم أحكمت حماس سيطرتها على غزة فهاجر الكثير من الفلسطينين إلى الخارج خوفاً من بطش القوى الحمساوية، وهرب المسيحيون من القطاع.. فقد تغير المناخ الثقافي والأجتماعي فلم يحتملوا البقاء في أرض أجدادهم وفروا حزانى مقهورين. وهذا يصب في مصلحة إسرائيل.


أظن وليس كل الظن اثما ًـ أنه لو ذهب الرئيس ابو مازن إلى غزة وأعلن انه قد تنازل عن السلطة وطلب من قادة حماس أن تستلم زمام الأمور في الضفة والقطاع معاً فلن تستجيب حماس وسترفض بقوة حتى ولو كان هذا المطلب هو رغبة عموم الفصائل والشعب الفلسطيني والسبب بسيط لأن ذلك لن يصب في مصلحة اسرائيل فمصلحة اسرائيل العليا تكمن في تفكيك الدولة الفلسطينية تفتيتاً صغيرا لكي يكون من السهل للفتافيت الصغيرة أن تتلاشى في دول المهجر ودول الجوار.


لم تكتف حماس بذلك بل أخذت على عاتقها مسئولية تنفيذ الأجندة الأيرانية في المنطقة بالتعاون مع حزب الله اللبناني من خلال نشر ثقافة تتوافق مع الاطروحات الايرانية في المنطقة العربية. ولن ينسى المصريون كيف سهلت حماس مهمة التسلل لعناصر حزب الله إلى الأراضي المصرية وهي القضية المعروفة باسم quot;خلية حزب اللهquot;. ومع أنها أنكرت تورطها في هذه القضية خوفاً من الشارع العربي ألأ أنها ستظل متورطة على الأقل من الناحية السياسية في استهداف مصر ومحاولة زعزعة الأمن على أراضيها وخططها التي تنفذها من خلال تربية كوادر حمساوية في الجامعات وبين فئات كثيرة من العمال. ومع كل ها فمصر مازالت الشقيقة الكبرى.. فالحدود تخترق.. و مصر تضبط النفس، والأفكار الحمساوية المعادية تتسلل إلى الجامعات.. ومصر تضبط النفس.
واستمرت حماس في تنفيذ مخططاتها عن طريق إهانة مصر إعلاميا وتحميلها أسباب فشلها في توفير الأمن والغذاء لشعب القطاع ووصل الأمر إلى دفع عناصر مسلحة لأستهداف الجنود المصريين فقتلت ما يزيد عن خمسة جنود شهداء كان آخرهم الجندي الشهيد المصري أحمد شعبان يوم السادس من يناير 2010.. والمدهش أن إسرائيل إذا قتلت فإنها تقتل بالخطأ وتعتذر في حين أن الأخ يقتل بالعمد ولايعتذر.!! ومصر مازالت تضبط النفس.


والآن تقوم حماس بإزاحة النصب التذكاري للجندي المجهول الذي يخلد جنودًا مصريين من مكانه الحالي ووضعت بدلاً منه نصباً يخلد فلسطينيين قتلوا خلال الفترة الماضية. والمدهش والخطير أنهم يعلمون أن هذا النصب ليس فقط لذكرى مقدسة لشهداء أبرار جعل الله سبحانه مكانتهم عظيمة في الجنة مع النبيين والصالحين كما جاء في القرآن الكريم بل يوجد تحته رفات جنود مصريين وعرب بواسل قتلوا في قطاع غزة إبان الهجوم الإسرائيلي على غزة العام 1956.


عجيب هو أمر الحمساويين.. ألا يخشون من كشف صورتهم الحقيقية أمام أسر شهداء أسطول الحرية والذي كان يضم أجانب من كل الجنسيات عندما يعرفون كيف تتعامل حماس مع الشهداء الذين ضحوا بارواحهم من أجل فلسطين.... كيف تفسر حماس موقفها الذي يتنافى مع القيم والأعراف الدولية وتقنع الرأي العام الدولي بسلامة موقفها، كيف يبررون قسوة وغلاظة قلوبهم مع الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم للدفاع وعن المقدسات؟ وهل ذلك يصب في صالح العرب والمسلمين؟ يتساءل البعض. ألعلها من خطط حماس الذكية ضد دول الجوار؟ يتساء البعض الآخر.


في المقابل كم من مرة حاولت مصر جمع الشمل الفلسطيني.. فعقدت لقاءات المصالحة والحوار بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وكم من الجهد والوقت قدم المصريون مجاناً لإنجاح المصالحة، ناهيك عن الأموال التي تنفق على كل هذا من خزينة الدولة المصرية. لكن! ويا للأسف تتعمد حماس في العلن أحياناً وفي الخفاء في معظم الأحيان تغيير المواقف والاستخفاف بما يتم التوصل إليه من نتائج المباحثات. بمكالمة تليفونية من قيادات حماس في غزة تتغير الحروف وتستبدل الكلمات، ومكالمة أخرى من دمشق تعود بالمحادثات إلى نقطة الصفر،، ثم مكالمة ثالثة من طهران فتتغير المعاني وينتهي الحوار.. وفي كل ذلك مصر تضبط النفس وتحتمل.
اعتقد أن حماس الآن في مأزق صعب فالشعب الفلسطيني الواعي والمثقف أدرك من واقع التجربة أن طموحاته نحو التحرير، والحرية، والعيش الشريف من الصعب أن تحققها حماس.. ذلك لأن الملاحظات اليومية على تصرفات حماس تبين أن حماس وهي في الأصل حركة إخوانية بتقدير جيد جداً وإيرانية بتقدير ممتاز قد وضعت أولوياتها في الحجاب، واللحية، وغيرها من مفردات التدين الشكلي بديلا عن تقرير المصير والتحرر من الاحتلال. فربما تخشى حماس من محاولة الرجوع لخيار المقاومة حتى لا يفقدها ذلك السلطة. فإسرائيل ليست بتلك السذاجة التي تجعلها تنسحب من القطاع بدون أن يحقق ذلك مصالحها. وحماس تعرف جيداً أن لدى إسرائيل القدرة على الدخول والخروج من القطاع في أي وقت تشاء.


أعتقد أن هناك غليان في الشارع العربي من بشاعة تصرفات حماس وأعتقد أن حماس لن تستطع بعد اليوم أن تجد في العالم العربي من يؤيد سياساتها أو حتى يساندها ولو في الخفاء فإذا كانت حماس قد فعلت هذا الكره وهذا الحقد مع العود الرطب من أهلهم وبني جلدتهم من الشهداء الأطهار الأبرار فما عساهم أن يفعلوا بالعود اليابس.
وكلنا يعلم كيف أستفادت إسرائيل مجاناً وبدون أي مقابل من وجود تنظيم القاعدة ومن العمليات التي نفذها وينفذها وأن الذي دفع فاتورة التكاليف الباهظة لعمليات القاعدة هو العالم العربي والإسلامي. فهل يستيقظ العرب قبل فوات الآوان حتى لا يدفعوا فاتورة جديدة نتيجة تصرفات حماس؟ حماس أشد من القاعدة. فللقاعدة إجندة واحدة معلنة للجميع ولحماس عدة اجندات. فهل يعي العرب ذلك قبل فوات الآوان؟

[email protected]