قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يحدث هذه الأيام، أن بعض الأجنحة السياسية في بغداد، تتحدث خلف الكواليس والغرفة المغلقة الخاصة عن إمكانية إعادة الحياة لحكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي وتأهليها من جديد لاكمال ما تبقى من عمرة الدورة النيابية الحالية والإنتهاء من دوامة "التكليف لرئاسة الوزارة" التي استغرقت حتى الآن ثلاثة شخصيات سياسية ونحو خمسة أشهر من الزمن.

بودي أن اسجل هنا، بعض الملاحظات المتعلقة بقصة استقالة السيد عبد المهدي وما ترتب ويترتب عليها من استحقاقات دستورية وقانونية.

في رسالته المفتوحة إلى الكتل السياسية المؤرخة 21 أبريل(نيسان) الجاري، يقول الرئيس عبد المهدي مانصه:" وكان جوابي قاطعا بالرفض لكل من فاتحني وبالحاح من أطراف مؤثرة وأساسية، بأنهم على استعداد لتسهيل العودة عن الاستقالة، خصوصا أنها لم يصوت عليها في مجلس النواب". انتهى

بضوء ما ورد في النص الآنف، هل يمكن عد استقالة الرئيس عبد المهدي غير نافذة لعدم التصويت عليها، وهل يمكن رفضها الآن لتعود الحياة لحكومته مرة أخرى؟

إن الإجابة على هذا السؤال يتطلب مناقشة بعض القضايا القانونية والدستورية المتعلقة بالنظامين الداخليين لمجلسي الوزراء والنواب واستقالات كبار المسؤولين. ومن هنا أقول: إن الدستور العراقي الدائم لعام 2005، إلى جانب النظامين الداخليين لمجلسي النواب والوزراء لم يعالجا قضية استقالة رئيس مجلس الوزراء أو استقالة الوزارة كلها، إنما ذكر النظام الداخلي لمجلس الوزراء رقم 2 لسنة 2019 في المادة (18- أولا) بشأن قضية الإعفاء من المنصب مايلي: ( أولا: يقدم الرئيس طلب إعفائه من منصبه إلى رئيس الجمهورية).

الملاحظ، انه ليس مقطوعا بمعنى " الإعفاء" من المنصب هنا؛ فهل يراد به الاستقالة، أم شيء آخر قد يتطابق مع ما يقصده الدستور من نفس اللفظ فيما يتعلق برؤساء الهيئات المستقلة؟!

ومع ذلك، لم يحدد هذا النص ماذا يمكن أن يحصل بعد تقديم طلب الإعفاء، وكيف يكون نافذاً، وهل يحتاج موافقة ما ، أو بحاجة إلى وقت ما لنفاذه أم ينفذ فوراً؟

لقد عالج الدستور العراقي استقالة رئيس الجمهورية في المادة ( 75 - أولاً ) منه بقولها: " لرئيس الجمهورية تقديم استقالته تحريرياً إلى مجلس النواب وتعد نافذة بعد مضي سبعة أيام من تاريخ ايداعها لدى مجلس النواب". وعند تحليل هذا النص تجده غاية في الارتباك وعدم الدقة رغم أنه أمر إجرائي بسيط ولأسباب عدة:

أولاً: لم يبين النص بشكل قاطع ما معنى نافذة بعد سبعة أيام، فهل يعني أن يعد الرئيس مستقيلا بمضيها دون حاجة لإجراء آخر؟ ام أن ذلك يعني أن له التراجع عنها خلال الأيام السبعة؟! وبفرض انتهاء مدة السبعة أيام، هل نحتاج لإجراء إضافي، كالتصويت أو الموافقة عليها من جهة ما؟

ثانيا: تنص المادة المشار إليها في الفقرة الآنفة، على أن تقدّم الاستقالة إلى شخص رئيس مجلس النواب، وليس إلى مجلس النواب. فهل تحتاج، استقالة رئيس الجمهورية، في هذه الحالة إلى موافقة مجلس النواب، ام أنها بحاجة فقط إلى موافقة من قدمت له وهو رئيس مجلس النواب؟ وما هو الأثر المترتب على رفض الاستقالة من أي منهما؟

إن الدستور وحتى مع ذكره مشكورا لاستقالة رئيس الجمهورية، لم يكن واضحاً ولا محدداً، بل كان، وهو أمر يدعو للأسف، مربكا وناقصا ومحدود الأفق .
وأمام هذا الفراغ الدستوري والقانوني، فأن أحكام أو إجراءات استقالة رئيس الوزراء ستكون كلها اجتهادات شخصية ليس لها أساس من الدستور أو القانون.

وفي حال انعدام القواعد القانونية والدستورية، فاننا نلجأ عادة إلى تطبيق القواعد العامة في الاستقالة التي تذهب إلى أنها، عمل بإرادة منفردة، يمكن أن يثبت أثرها وتكون نافذة بمجرد إعلانها، خاصة وأن الموظف العام يمكنه تحمل أعباء قراره وترك وظيفته ومغادتها فورا دون أن يكون لأحد الحق في اجباره على الاستمرار بها، وإلا عد ذلك، من أعمال السخرة الاجبارية التي لاتتفق مع الحريات والحقوق الدستورية. نعم، ثمة رأي يرى بوجوب اقتران الاستقالة بموافقة جهة ما قبل انفاذها، وهو رأي محترم إلا انني لا اتفق معه مع غياب النص الذي يدعمه، والذي ينبغي أن يحدد من هي تلك الجهة التي توافق!

لعل أصحاب هذا الرأي يذهبون، إلى أن الجهة التي ينبغي انتظار موافقتها على الاستقالة هي الجهة التي عينت الموظف المستقيل، وهو رأي تتبناه القوانين المقارنة حول العالم ويتبناه جانب كبير من الفقه والقضاء، وبالتالي يحتاج لنفاذ استقالة رئيس الوزراء في العراق موافقة الجهة التي عينته! أخشى أننا نواجه هنا مشكلة آخرى تتعلق في تحديد من هي تلك الجهة عينت رئيس وزرائنا؟!

إن الدستور لم ينص على منح الثقة لرئيس الوزراء من مجلس النواب، بل تحدث عن منح الثقة للوزراء والتصويت على المنهاج الوزاري، فهل يعد تكليفه من رئيس الجمهورية تعيينا له؟ وعند هذه النقطة، يمكننا أن نختلف على رأيين كلاهما يتحمله الوضع الدستوري المرتبك.

وفي ضوء كل ما تقدم نقول: هل يمكن التأكيد على أن استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي غير نافذة لعدم موافقة جهة التعيين عليها؟

من الناحية النظرية، قد يكون هذا الكلام مقبولاً، لكنه عمليا غير ممكن، لأن تحول الحكومة إلى حكومة تصريف أعمال يومية لا يكون إلا بعد نفاذ الاستقالة. كذلك من الواضح، انه لا يمكن لمن أعتبرها حكومة تصريف أعمال أن يعود ليخبرنا لاحقا، بأن استقالتها غير نافذة!

ان النزاعات بين القوى السياسية حول ترشيح ثلاثة مكلفين لرئاسة الوزراء (محمد علاوي، عدنان الزرفي، مصطفى الكاظمي) ومحاولة عقد جلسة لمنح أحدهم الثقة، تؤكد هي الأخرى نفاذ الاستقالة بدون حاجة لموافقة أية جهة، وبذلك نكون قد اعتمدنا عرفاً دستوريا بشأن نفاذ الاستقالة.

بتقديري، لا يمكن بهذه المرحلة المتأخرة أن ندعي ببطلان الاستقالة وعدم نفاذها أو أن نلمح لإمكانية رفضها بهدف ايجاد مخرج لإعادة الحياة إلى حكومة اعتبرها الجميع، وضمنهم سلطاتنا الثلاث، حكومة تصريف أعمال بناءً على نفاذ استقالتها.

أخيراً، بودي التأكيد على أن ما رود أعلاه رأي قانوني ودستوري منقطع الصلة بالمواقف والمصالح السياسية، ذلك أنيّ أجد أن رئيس الوزراء عادل عبد المهدي زاهداً بقضية العودة إلى المنصب، بدليل اختيار ما سماه "الغياب الطوعي" ليستعجل تخلصه من مسؤولية عظيمة وخطيرة لا يجد فرصة له في الاستمرار بها! اعطوا الرجل فرصة المغادرة والسماح بتشكيل حكومة جديدة.
*رئيس هيئة النزاهة الأسبق