فضاء الرأي

النكبة الثانية: غزوة السابع من أكتوبر

متظاهرون في تل أبيب خلال احتجاجات للمطالبة بإطلاق سراح الرهائن لدى حماس
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

كانت غزوة حماس في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 التي عنوانها طوفان الأقصى طوفاناً من النكبات على الشعب الفلسطيني والعرب عموماً. أثارت هذه الغزوة العواطف الشعبية وانطلقت الأصوات تبشر بأن عملية تحرير فلسطين قد بدأت. كثيرون وزعوا الحلوى عند سماعهم عن هذه الغزوة لكنهم الآن باتوا يبكون نادمين. وقال البعض على السوشال ميديا تحضروا للعودة، لكن الحقيقة كانت شيئاً مغايراً.

المحللون والمعلقون العسكريون على الشاشات العربية لا يتحدثون بالحقائق، وأغلبهم يخدع المشاهدين بمعلومات كاذبة ومتخيلة ترضي غرور المشاهدين المتعطشين لمثل تلك المعلومات، حتى وإن كانت وهمية.

كان قطاع غزة قبل السابع من تشرين الأول (أكتوبر) في حالة فقر شديد وانعدام الموارد، والآن أضحى القطاع أشد فقراً وأكثر افتقاداً للموارد مع تدمير كامل للبنى التحتية. تتحمل حركة حماس وزر هذه النتائج ووزر مقتل أكثر من أربعين ألف فلسطيني سقطوا ضحية غرور يحيى السنوار والذين معه من قادة القسام.

لم تكن غزة مثل سويسرا صحيح، لكن ماذا أصبحت الآن؟ ماذا فعلت غزوة السابع من تشرين الأول (أكتوبر)؟ أعادت هذه النكبة قطاع غزة وسكانه عشرات السنوات إلى الوراء وعطلت إمكانيات تطوير القطاع لعشرات السنوات القادمة.

بعد غزوة الطوفان هذه تفاخر الكثيرون بأنَّ القضية الفلسطينية عادت إلى الواجهة، وانتشى العرب بالمسيرات والمظاهرات المؤيدة للشعب الفلسطيني وحقوقه في مختلف أنحاء العالم. ثم انطفأت جذوة هذا التأييد العالمي الشعبي بعد نفاذ كل الموازنة التي رصدت لتمويل تلك المظاهرات.

إذا أردنا أن نصدق الدوافع الإنسانية التي حركت تلك المظاهرات في شوارع العالم لنصرة فلسطين، فأين هي هذه الدوافع الإنسانية الآن في الدفاع عن اللبنانيين الذين يسقطون بنفس السلاح الذي يسقط به الفلسطينيون؟

لا شك أنَّ إيران نجحت في تغيير اتجاه بوصلة العمل الفلسطيني وتوريط الفلسطينيين في معركة غير متكافئة ستؤدي ليس فقط إلى تدمير حركة حماس بعد تدمير قطاع غزة، بل ستؤدي إلى تعطيل الحقوق الفلسطينية ودفن كل محاولات الحل.

لقد ساعدت إيران حماس في انقلابها على السلطة الفلسطينية عام 2007 في القطاع، وكان الهدف مشابهاً لهدف إسرائيل من سكوتها على هذا الانقلاب، وإن كان اتفاق المصالح بين الجانبين الإيراني والإسرائيلي مجرد مصادفة، فالهدف واحد وهو تعطيل المفاوضات التي كانت ستؤدي إلى الحل الذي يمكنه أن يفضي إلى شكل من أشكال الدولة للفلسطينيين.

الدعم الإيراني العسكري لحركتي حماس والجهاد كانت نتيجته إدامة سيطرة الحركتين على قطاع غزة، والهدف الثاني كان إعاقة المصالحة الفلسطينية، والنتيجة كانت لصالح إسرائيل، التي ظلت تكرر أنه لا يوجد شريك فلسطيني للتفاوض معه، وبهذا يتعطل الحل ويتحقق حلم بنيامين نتانياهو.

هناك أيضاً أسباب خفية وراء التأييد الإيراني والدعم لحركتي حماس والجهاد لإبقاء التوتر في غزة قائماً، وكذلك كان هدف صدام حسين من قبل عندما كان يحرض الحركتين على القيام بأعمال انتحارية لتدمير عملية السلام في تسعينيَّات القرن الماضي. ولا شك أيضاً أنَّ هذا الهدف كان عند آخرين مثلما كان عند إسرائيل أيضاً. وهي أهداف قد تختلف في التفاصيل لكنها تتشابه في القصد.

المساعدات العسكرية الإيرانية لحركة حماس لم تكن إلا بقصد واحد هو أن يظل الفلسطينيون هناك بحاجة دائمة إلى إيران. وكان افتعال الاشتباكات مع إسرائيل فرصة للحركة لكي تروج لنفسها وتعزز مكانتها وتفرض سيطرتها وتقوي موقفها في مواجهة السلطة الفلسطينية. وهذه الاشتباكات كانت بهدف تعطيل المساعدات التي تدخل القطاع والنتيجة ازدهار تجارة الأنفاق بين غزة والخارج.

إقرأ أيضاً: ويل للجاهلين!

لماذا قبلت حماس أن تسقط في فخ إيران وتتحول إلى أداة لتنفيذ سياستها؟ لماذا لم تطلب حماس من إيران مساعدات إنسانيه بدلاً من المساعدات العسكرية؟ لماذا لم تتحول غزة إلى بيئة حاضنة للتنمية والاستثمار والإنتاج بدلاً من التحول إلى مجرد مخابىء وأنفاق لمسلحين تقود أعمالهم إلى دمار وخراب بلدهم وشعبهم؟ لم يكن من مصلحة حركة حماس أبداً الحصول على مساعدات إنسانية وتعليمية، لأنه في حال توفر هذه المساعدات، تتحسَّن أوضاع المواطنين في القطاع، ومن شأن ذلك أن يفقد الحركة سلاح المظلومية والحصار الذي تستغله لمصلحتها.

وبدون قصد توجيه أي اتهامات لأي جهة، أعتقد أنَّ أطرافاً بعينها كانت تشجع حماس والجهاد على إبقاء التوتر قائماً، مع التغاضي عن تهريب السلاح والأموال، والهدف هو حرمان قطاع غزة من الاستقرار، وكذلك حرمانه من التحول إلى قِبلة سياحية متطورة تجذب إليها الزوار كما كان مخططاً لها بعد اتفاقات أوسلو.

ولكن إلى متى سيظل شعبنا تغيب عنه حقائق مصيرية من المفترض أن يدركها وأن يعمل على مواجهة أثارها؟ من أطلق حماس في الأصل ووفر لها الحواضن الأولى؟ أحد الكتاب الفلسطينيين المشهورين قال في مقالين نشرهما عامي 2018 و2019 إنه تتوفر الكثير من الوثائق والمعلومات بأن حركة حماس بدأت كفكرة إسرائيلية نكاية بالحركة الوطنية الفلسطينية.

إقرأ أيضاً: إلى أين يأخذك حزب الله يا لبنان!

ليس الآن وقت العتاب أو التجريح، لكن هذا الكاتب الذي تحمس كثيراً لغزوة السابع من تشرين الأول (أكتوبر) واستمات واحتد كثيراً في الدفاع عن حماس في مقابلة مع فضائية عربية، كان قد نشر هذين المقالين على موقعي وكالة الأنباء الفلسطينية وشبكة فلسطين الإخبارية، وكان المقال بعنوان "حماس فكرة وصناعة إسرائيلية". ويشير في المقال إلى وجود دراسات وأبحاث وصحف ودوائر استخبارات تقول إنَّ حماس ذات منشأ إسرائيلي، وفكرة أيدتها واشنطن. وأرادت إسرائيل من صناعة حماس كما يقول الكاتب كبح حركة فتح، وينقل عن موظفة في وكالة الاستخبارات الأميركية قولها إنَّ الأموال تدفقت على حماس بعلم الوكالة...

وفي مقال قبل هذا نشره الكاتب نفسه في موقع عروبة الإخباري بتاريخ 23 آذار (مارس) 2018، نشر هجاءً حاداً لحركة حماس متهماً إياها بأنها تلعب الثلاث ورقات.

إقرأ أيضاً: أي غزة بعد الحرب؟

لماذا الإشارة إلى هذه العلاقة بين حماس وإسرائيل هنا؟ الجواب أنه بعد غزوة تشرين الأول (أكتوبر) نشطت الصحافة الإسرائيلية بتوثيق تفاصيل العلاقات بين إسرائيل وحماس، وبشكل خاص بين نتانياهو والحركة. في شهر آب (أغسطس) 2019، قال إيهود باراك، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، إنَّ استراتيجية نتانياهو على الدوام كانت تقوم على إبقاء حماس على قيد الحياة حتى على حساب حياة سكان غلاف غزة، بهدف إضعاف السلطة الفلسطينية. لذلك، وبعيداً عن التخيلات والأوهام، فقد أهمل نتانياهو متعمداً التحذيرات بشأن احتمال قيام حماس بعملية السابع من تشرين الأول (أكتوبر). وإذا كان هناك من إجماع على وقوع هذا الإهمال، فهناك اختلاف بشأن سببه. هل كان السبب عدم تصديق التحذيرات، أم رغبة من جهات ما في إسرائيل بتوريط نتانياهو، أو إيجاد ذريعة لتدمير حماس والتخلص منها؟

بطبيعة الحال، وجد نتانياهو نفسه بسبب سياساته المتهاونة مع حماس العامل الأول في تسمين حماس وتسليحها، ولهذا كانت حربه على الحركة بهذه الشراسة، وكأنه ينتقم لنفسه قبل أن ينتقم لضحايا غزوة حماس.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف