GMT 1:30 2006 السبت 23 سبتمبر GMT 1:37 2006 السبت 23 سبتمبر  :آخر تحديث

مفارقات في خطاب يجوز فيه.. الوجهان

المستقبل اللبنانية



فارس خشّان

من الصعب احتواء كل أبعاد خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بسرعة، لأنه كان حريصاً على ان يوازي بين الكثير من الرسائل الواضحة وبين الأكثر من الرسائل المضمرة، الى درجة يمكن معها اعتقاد أن تحليل هذا الخطاب يجوز فيه الوجهان، تماما كما يجوز الوجهان في تفسير المواقف الايرانية الاساسية، في ضوء الانفتاح الاميركي غير الرسمي على الرئيس أحمدي نجاد من جهة وعودة الاوروبيين الى طاولة المفاوضات حول الملف الايراني "وملحقاته الاقليمية" مع المسؤول الاول عن هذا الملف علي لاريجاني من جهة أخرى.

إلا أن "جواز الوجهين" لا يلغي قدرة المتابعين على إجراء قراءة دقيقة لكثير من مفاصل الخطاب، خصوصا ان لا مفاجآت استثنائية فيها، بل إن كل مفصل توقف عنده السيد نصرالله يمتاز بمقدمات سبق له بنفسه أن وفّرها في إطلالات ما بعد الحرب، وتولى حلفاؤه تقديم تفاصيل عنها، كما سبق لأوساط سياسية واسعة الاطلاع ان كشفت معلومات تخصها.

استهداف السنيورة

وفي هذا الاطار، لا يبدو غريبا الاستهداف المباشر لرئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة في حيثيات المهرجان بداية وفي كلمة "صاحب الساحة" لاحقاً.
فعلى مستوى حيثيات المهرجان، تعمّد "حزب الله" تغييب السنيورة عن ساحة الجاموس، من خلال استثنائه من الدعوة الواجب إعطاؤها إما الطابع البروتوكولي في حال كانت الصلة باردة، وإلا فالطابع الحميمي في حال كانت وشائج العلاقة مميزة.

وهكذا حضر رئيس الجمهورية عبر ممثل له وكذلك رئيس مجلس النواب، الى احتفال كان السنيورة العمود الفقري في توفير ظروف إقامته، مما ذكّر المراقبين بإهانة الرئيس الشهيد رفيق الحريري التي تمّ تلبيسها حصراً للرئيس اميل لحود، وهو كان بلا شك راغباً فيها، عندما تمّ سحب الكرسي الخاص برئيس الحكومة في الاستقبال الرسمي الذي اقيم للاسرى المحررين من السجون الاسرائيلية في مطار بيروت الدولي في العام 2004 بحيث ظهر في الصورة الرئيسان لحود وبري، وارتضى الحريري باسم المصلحة الوطنية ان ينزوي جانباً الى جانب النواب مع أنه كان عمليا مدعوا الى مغادرة القاعة الرسمية.

ولم تقتصر المسألة عند هذا الحد، بل ان السيد نصرالله استهان بالدموع التي ذرفها الرئيس السنيورة عفواً، في إبان ما وصف بأنه أكثر الحروب الاسرائيلية همجية، على الرغم من أن السنيورة الذي كان يعمل بلا توقف لم يستهن لحظة بتضحيات المقاومين وبسالتهم في حرب يعرف القاصي والداني أنها لم تكن قدرا على اللبنانيين.

ولهذا الاستهداف في واقع الأمر بعدان، اولهما سياسي على اعتبار ان "حزب الله" يضغط جديا للمجيء برئيس جديد للحكومة من فريق آخر يرتاح إليه خياره الاقليمي خصوصا انه جدد فخره بتحالفه مع "سوريا بقيادة الرئيس بشار الأسد"، وثانيهما معنوي إذ إن "حزب الله" الذي لم يكن يعترف قبل الاستشهاد بفضل الرئيس الحريري في دعم المقاومة كما كان يخفي أدواره الحاسمة في ملفات تبادل الاسرى، يريد ان يطمر الدور الحاسم الذي لعبه السنيورة في وقف الحرب التدميرية على لبنان ومن ثم في قيادة ورشة الاعمار.

ويدرك السيد حسن نصرالله أن الرئيس السنيورة لم يحارب اسرائيل بدمعة عفوية سكبها الحزن العميق على شعب يذبح ويدمر، بل بمكوكية دبلوماسية استثنائية كان شريكه فيها الرئيس نبيه بري الذي كان يحمل تفويضاً كاملاً من "حزب الله".

إستهداف الدول العربية.. انتقائياً

وكان واضحاً ان الرئيس السنيورة كان الشريك المكتمل المواصفات للقادة العرب الذين صعّد نصرالله خطابه في وجههم عندما وصفهم "بالاذلاء الذين لا يساوون شيئاً في نظر العدو"، لأنهم "يستجدون" التسوية مع اسرائيل في مجلس الامن الدولي من دون ان يهددوا بحرب او يقبلوا باستعمال "سلاح النفط" ومن دون ان يوفروا للفلسطينيين الأسلحة التي تعينهم على حربهم.
إلا أن سياق النقد الموضوعي يُظهر "سيد المقاومة" انتقائياً في تهمه للاسباب الآتية:

أوّلاً، إن عدم توفير السلاح الملائم للفلسطينيين يطرح سؤالا جديا عن سبب امتناع الجهات التي وفرت السلاح لـ"حزب الله"، من توفير السلاح للشعب الفلسطيني. وفي هذا السياق إذا كان مستحيلا على ايران وسوريا، فلماذا يفترض ان الأمر سهل على الدول العربية والاسلامية الاخرى وبعضها تربطه اتفاقيات سلام مع الكيان الصهيوني، وبعضها الآخر سبق له أن وافق على المسار السلمي لحل القضية الفلسطينية؟.

ثانياً، تُعتبر ايران التي يفاخر الحزب بتحالفه معها بقيادة السيد علي خامينئي من أكبر الدول المصدرة للنفط، فلماذا يأخذ على غيرها الامتناع من استعمال "سلاح المقاطعة" ولا يأخذ عليها هذه "النقيصة"؟.

ثالثاً، إن سوريا هي الدولة العربية الوحيدة ـ غير لبنان ـ التي لها أرض محتلة، فلماذا لا يأخذ عليها استجداءها المتواصل لاسرائيل حتى تعود الى طاولة المفاوضات، وللولايات المتحدة الاميركية حتى تعود الى طاولة الحوار، بدل ذهابها بإباء وكرامة وعزّة نفس الى حرب تحرير؟.

على أيّ حال، إن هذه الانتقائية في المعايير التي يحكم بها "حزب الله" على الشخصيات والكيانات تشبه تماماً الابعاد التي تتحكم به حين يذكر بريطانيا كدولة تعبر منها القنابل الاميركية، ويهمل قطر كدولة إذ تمّ تزويد اسرائيل بالدفعة العاجلة من القنابل الذكية من مطار عيديد العسكري.

إهانة الجماهير

بالاستناد الى تشويه الكلام الذي قاله الزعيم وليد جنبلاط عن سبب تأييد بعض الشارع العربي للمقاومة، طلب السيد نصرالله الاعتذار من جنبلاط.
في الشكل لا مشكلة. جنبلاط يملك جرأة الاعتذار عندما يجد اللحظة مؤاتية، خصوصا ان مطلب نصرالله يمكن إدراجه في خانة "موازاة الصيغ" على اعتبار انه سبق لجنبلاط ان طلب اعتذار نصرالله عندما رفعت تظاهرة نظمها الحزب رسماً له وهو في ثوب حاخام يهودي، فكان له اعتذار ولو بصورة غير مباشرة.

ولكن في الاساس، كما يحق للسيد نصرالله ان يثور على ما يسميه اهانة جمهور المقاومة يصبح لزاماً على قادة لبنان الآخرين ان يطلبوا من السيد حسن نصرالله اعتذارا على اهانة جماهيرهم عندما يشكك شخصيا بصدقية لبنانيتهم باستعمال الأدوات الشرطية كلما تكلم على لبنانية هؤلاء، كما أن الناطقين بلسان "حزب الله" وفي مهرجان النصر، حصروا الشرف والإباء والوطنية والتحررية بالذين كانوا في ساحة الجاموس، مستعيرين من الصهيونية معادلات "شعب الله المختار".

مصير السلاح

كان للسلاح حيّز كبير من كلام السيد نصرالله الذي تعهد امام الله أن لا يستعمله في الداخل اللبناني. في حقيقة الأمر هو كان يتكلم على إطلاق النار وليس على معادلة السلاح، لأنه في خطابه قدّم وظيفة داخلية للسلاح، عندما قال إن تسليمه مستحيل إذا لم تقم الدولة القوية والعادلة والنزيهة. هذه المقايضة قدم لها زعيم "حزب الله" خارطة طريق لها علاقة بمكوّن سلطوي داخلي بحيث اعتبر ان الدولة التي سيُسلم إليها السلاح هي تلك التي يبدأ تكوينها بحكومة وحدة وطنية وبقانون انتخاب "منصف تشعر فيه كل الطوائف أن أمامها فرصة واقعية لتمثيل حقيقي ولا تشعر انها أصبحت مستتبعة لطائفة أخرى".

هذا الكلام المنمق الذي يستعمله السيد نصرالله يعني ببساطة ان سلاح "حزب الله" لن يسلم إلا الى دولة تتغير فيها الأكثريتان الحكومية والنيابية.
وبذلك يكون لسلاح "حزب الله" وظيفة داخلية بامتياز، ابرزها الانقضاض على الاكثرية والانقضاض استتباعاً على اتفاق الطائف الذي نص على آليات لإقامة الدولة اما لجهة الكلام على إقامة حكومة وفاق وطني فكانت المسألة محصورة في فترة انطلاقة "لبنان الجديد" بحيث يدخل الى الحكومة قادة الميليشيات ـ وكل ميليشيا تسمي نفسها مقاومة ـ ليخرجوا من سلاحهم، الأمر الذي توفرت ظروفه في هذه الحكومة بالذات في حال كان "حزب الله" يسترشد بالطائف لتسليم سلاحه.

وبهذا المعنى لا تعود ثمة اهمية استثنائية لكلام نصرالله عن عدم "ابدية" سلاح "حزب الله" بل تسقط نظرية عدم الاستعمال في الداخل، لأن اللبنانيين ووفق تجربة 21 تموز أدركوا ان الداخل يكون هو المستهدف عند استعمال هذا السلاح في الخارج لأن دروس الحروب التي خاضها قادة في لبنان بيّنت ان بعضهم يستهدف الداخل بحربه على الخارج، خصوصا متى كان هناك إجماع على مفهوم العداء لهذا الخارج، وهذه تجربة المسيحيين خصوصاً مع "حرب التحرير" التي شنها العماد ميشال عون على الجيش السوري في 14 آذار 1989.

مصير الحكومة والمحكمة الدولية

وهكذا يضع السيد حسن نصرالله مصير الحكومة الحالية على المحك، وهو يمهل المسؤولين عن الأكثرية حتى انتهاء عطلة عيد الفطر السعيد، فبعدها سيكون هناك تحرك جدي لـ"حزب الله" لإسقاط الحكومة.
وللمصادفة، فإن التوقيت النهائي الذي حدّده نصرالله للتغيير الحكومي يتطابق مع التوقيت المرتقب لتجسيد المحكمة الدولية وقائع قانونية في لبنان ومجلس الأمن الدولي.

ولا يستطيع أي كان ان يستخف بالربط بين مطلب تغيير الحكومة والسعي لنسف المحكمة الدولية، على اعتبار أن الأكثرية المتوافرة في هذه الحكومة هي الكفيلة بمنع نسف إقامة المحكمة الدولية من خلال إغراقها بالتفاصيل، كما ان الآلية التي أوشكت على الانتهاء ستتوقف حتماً طوال فترة "الصراع" السياسي الداخلي على الثلث المعطل الذي يطالب "حزب الله" به من جهة، وعلى نوعية الحلفاء الذين يريد الحزب إدخالهم الى الحكومة من جهة أخرى، من دون التوقف عند "رغبة" الوزير الجديد الذي سيستلم الملف بعد شارل رزق في تمحيص كلّ نقطة واستعمال صلاحياته لإعادة النظر في مجمل ما تمّ الاتفاق عليه مع الأمانة العامة للأمم المتحدة.

الجيش اللبناني

مما لا شك فيه أن السيد نصرالله ارسل وردة الى المؤسسة العسكرية التي تنتشر في الجنوب، ولكنها وردة بكثير من الشوك، بحيث أوحى بأن الجيش يسكت على الخروق الاسرائيلية الحالية. هذا الكلام غير دقيق، على اعتبار ان اسرائيل التي خرقت الخط الأزرق في مواجهتها مع "حزب الله" بالذات لا تزال تخرقه في المناطق التي لم تنتقل بعد لا الى عهدة الجيش اللبناني ولا الى عهدة "اليونيفيل" المعززة، الأمر الذي يبين ان الانتقادات الناعمة ـ ولكن اللاذعة ـ لا تأتي في سياقها الطبيعي من جهة وتستبق أمورا يستحيل ان تحصل في المستقبل من جهة ثانية.

أما عن تسليح الجيش الذي يتألف من "شباب هم من معجن" شباب "حزب الله"، فإن السيد نصرالله الذي هو شريك اساسي في هذه الدولة يلقي عبء التسليح على الحكومة اللبنانية حصرا واستتباعا على الدول الغربية والاوروبية والعربية التي يهاجمها، في حين أنه يمكن أن يساهم في فتح الطريق امام تسليح الجيش من الدول التي يتحالف معها الحزب وسبق لها أن زوّدته ترسانة مهمة بينها صواريخ يقول إنه لا يزال لديه منها "أكثر من عشرين ألف صاروخ".

هذا مع العلم ان تسليح الجيش بالاسلحة الدفاعية واجب لا بد من أن يبذل الجميع بمن فيهم السيد نصرالله، الجهود اللازمة لتوفيره.

القوات الدولية

أوصل السيد نصرالله رسائل واضحة الى القوات الدولية عندما حدّثها عن قصة صموده في وجه الحصار الجوي والبحري الاسرائيلي من جهة، وعندما قلل من أهمية "الحصار" البري الحالي على اعتبار ان ترسانته العسكرية كما قدراته كاملة من جهة ثانية.

ابلغها ان الدبابات التي تفتخر بها في حال استعملت في غير المهمة التي جاءت من أجلها ليست أهم من دبابات ميركافا التي تفتخر بها اسرائيل وحدّثها عن الفرقاطات الاسرائيلية التي واجهتها صواريخ الحزب وعن المروحيات التي عطلها.

بعد هذا التبليغ، طلب منها عدم الدخول في اللعبة الداخلية لا سياسياً ولا أمنياً، ليبقى مرحباً بها.

أحد لا يناقش السيد نصرالله في حقه في المطالبة بأن تبقى القوات الدولية في اطار مهمتها، إلا ان البعض يدعوه الى التأمل في مغبة ما يمكن ان يفهم تهديدا لدول قادرة، بلحظة ان تنقل مهماتها من إطار الفصل السادس زائد نصف الى اطار الفصل السابع، خصوصا إذا استنتجت السفارات المعتمدة في لبنان أن حصر نصرالله كلامه عن مهام هذه القوات الدولية بما اشارت إليه المستشارة الالمانية انجيلا ميركل، يمكن اعتباره تحريضا على اليونيفيل، لأن كلاما مناقضا تماما لكلام ميركل ويتصل بحماية لبنان وشعبه، صدر عن جهات دولية عدة ولا سيما عن فرنسا، كما ان مجلس الوزراء اللبناني كان واضحا في الرد المباشر على المستشارة الالمانية وفي تحديد المهام التي من أجلها أتت القوات الدولية الى لبنان.

على أيّ حال، وعلى الرغم من مقاصد هذه المفاصل الاساسية في خطاب نصرالله، فإن كل شيء فيه قابل للتعديل، لأن التأمل الذي يدعو الى اعتماده في شهر رمضان المبارك الذي يمكن أن يشهد تطورات إقليمية كثيرة، يسحب نفسه على الجميع، وهو واحد من هذه الجمعة اللبنانية السياسية.

في أخبار