GMT 17:15 2017 الجمعة 20 أكتوبر GMT 16:09 2017 الجمعة 20 أكتوبر  :آخر تحديث
حكاية عن التعذيب والمغفرة! (القسم الأول)

كيف أصبح عدوّي صديقاً لي؟

علي كامل

 تاكاشي ناﮔاسي: هل يمكنني أن ألمس يدك؟

إيريك لوماكس: أوه، نعم.
تاكاشي ناﮔاسي: (يمسك بيدهه ويتطلع بها) أعني... هل تتذّكر حين عُذّبت... وقمتُ أنا بقياس نبضك.
إيريك لوماكس: نعم أتذكر حين قمتم بسحق ذراعي بالجزمات وتكسير أضلاعي بمقبض معول.
تاكاشي ناﮔاسي: نعم. أنا آسف، آسف جداً. 
(يبدأ في البكاء)
إيريك لوماكس: على أية حال، لقد نجونا أخيراً نحن الاثنين.
تاكاشي ناﮔاسي: بصفتي أحد أفراد الجيش الياباني أذكر أننا تعاملنا معك حينها بشكل بشع للغاية وبطريقة لا إنسانية. 
(صمت)
حين غادرتُ سجن المعسكر إلى العاصمة طوكيو أحسست بمعاناة شديدة في قلبي وعقلي... وكلما فكرت بك، أقول لماذا ولدنا في هذا العالم...
إيريك لوماكس: أوه، إنه سؤال تصعب الإجابة عليه.
تاكاشي ناﮔاسي: أنا آسف آسف جداً. 
إيريك لوماكس: وأنا أشكرك جزيل الشكر.
تاكاشي ناﮔاسي: أعتقد أنني أستطيع الآن أن أموت وأنا مطمئن.
 
هذا مقطع مجتزىء من الفيلم الوثائقي البريطاني (كيف أصبح عدّوي صديقاً لي؟) تضّمن هذا الحوار الغريب والمقتضب الذي جرى عام ١٩٩٥بين رجلين كان يعرف أحدهما الآخر منذ أكثر من نصف قرن من الزمن في أحد معسكرات الأسر في سنغافورة، أحدهما اسكوتلندي اسمه إريك لوماكس والآخر ياباني يدعى تاكاشي ناﮔاسي. الأول أسير حرب سابق والثاني هو المحّقق الذي أشرف على تعذيبه. (*)
تبدأ الحكاية عام ١٩٤٢ في سجن معسكر كانتشانابوري في تايلاند حيث كان ضابط الإشارات الإسكوتلاندي إريك لوماكس (١٩١٩ ـ ٢٠١٢) هو واحداً من بين الآلاف الذين تم أسرهم في سنغافورة من قبل الجيش الياباني عام ١٩٤٢. 
 
سُجنَ لوماكس في سجن تشانجي أولاً ثم نقل إلى سجن معسكر كانتشانابوري في تايلاند هو وستة من الجنود البريطانيين بعد إدانتهم بأنشطة مناهضة لليابان إثر شروعهم في معسكر الأسر بالخفية بتركيب جهاز استقبال لاسلكي من الأنقاض كانوا يجتمعون حوله في المساء لسماع أخبار سير الحرب وتقدم الحلفاء في الجبهات، وأيضاً بسبب العثور على خريطة للمنطقة مرسومة باليد تحسباً لحصول فرصة للهرب. وقد أُرغم الكثير من أولئك الأسرى للعمل في بناء سكة حديد بورما السيئة الصيت والمعروفة أيضاً باسم «سكة حديد الموت»، التي يبلغ طولها ٤٨١ ميلاً، المهمة التي شملت أيضاً إقامة جسر على نهر كواي.
 
تعرّض لوماكس هو وزملائه إلى عقاب وتعذيب قاسيين أعقبه سجن قذر وصفه لوماكس في مذكراته (رجل السكة الحديدية) بـ «وادي الأشباح المُهلكة»، فقد كان يُكبّل الأسير في المساء ويوضع في قفص بحجم النعش وهو مغطى ببرازه حتى ذقنه، أما في النهار فكان يُجبر على الوقوف تحت أشعة الشمس الحارقة لساعات طويلة. 
بعد سحق ذراعه وتكسير أضلاعه بمقبض معول خضع لوماكس لأسلوب تعذيب قَرَوسطي يعرف بـ (الإيهام بالغرق waterboarding) حيث يتم فيه وضع الأسير على طاولة وتربط قدميه ويديه بحلقات حديدية مثبتة بتلك الطاولة ثم إمالة رأسه إلى الخلف وتغطية وجهه بقطعة قماش وسكب المياه عليها بشكل متقطع لتنفذ إلى فمه وأنفه لخنق أنفاسه وإحساسة بحالة مشابهة للغرق. 
 
عندما لم يفلحوا في انتزاع اعتراف منه استقدموا أخيراً مترجم عسكري ياباني من سايغون يدعى تاكاشي ناﮔاسي ليقوم باستجوابه والاشراف على تعذيبه. كان المحقق يطالب لوماكس خلال تعذيبه بإلإجابة عن هدف قيامه بتركيب جهاز استقبال لا سلكي ورسم خريطة ومن ثم عليه الاعتراف بأنه كان جاسوساً للحلفاء والبوح بأسماء المشاركين معه من بقية نزلاء السجن، قائلاً: 
«لوماكس، ستُقتل قريباً مهما حدث، لذا سيكون من صالحك في الوقت المتبقي لك أن تعترف بالحقيقة كلها. أنت تعرف الآن كيف يمكننا التعامل مع أناس نمقتهم. عليك أن تعترف، اعترف، اعترف وسيتوقف الألم». 
كان لوماكس يُدرك جيداً أن اعترافه سينهي حياته لذا فقد بقي صامداً حتى النهاية. الطبيب الهولندي الذي قام بفحصه وعلاجه فيما بعد قال إنه لم يكن هناك مكاناً في جسده يخلو من كدمات، فقد أحصى ما يقارب تسعمائة ضربة تلقاها لوماكس خلال ست ساعات. أخيراً أصبح واضحاً لديه أنه لن يُعدم وذلك بسبب حاجتهم في بناء سكة حديد بورما بوصفه مهندساً عسكرياً. تماثل للشفاء بعد أسبوعين من آثار الضرب وتم أخذه إلى مقر شرطة كيمبيتاي أو الشرطة العسكرية، هناك قيل له في محاكاة ساخرة من الأخلاق الانكليزية، «أبقِ رأسك مرفوعاً».
عندما استنفدت حاجتهم له بعد استكمال بناء سكة الحديد حُكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع الأشغال الشاقة بتهمة التجسس وقيل له أن اسمه قد أُلغي وأصبح السجين رقم ٦١٥ وأمضى الفترة المتبقية من الحرب العالمية الثانية في سجن أوترام رود في سنغافورة يعاني المرض والرعب.
أطلق سراح لوماكس بعد انتهاء الحرب وعاد إلى بلاده فوجد أن أمه قد توفيت معتقدة أنه مات، ولم يكن هناك أحداً في انتظاره حين رست السفينة التي أقلته عند المرفأ، فضلاً عن أنه لم يكن هناك أحداً معنيّ أو مكترث بـما حدث له ولبقية الأسرى في الشرق الأقصى، حينها أدرك أن أوجاعه العقلية والنفسية لا يمكن أن تتبدد وتتلاشى بيسر، فظل يعيش مُعَّذباً تنتابه الكوابيس والأحلام المفزعة وذكريات سنوات الأسر وصورة جلاده الياباني شاخصة أمامه بشكل جلي في الصحو واليقظة. في سيرة حياته (رجل السكك الحديدية) كتب لوماكس يقول:
«عدّتُ من الأسر إلى أدنبرة في عام ١٩٤٥ بعد ثلاث سنوات ونصف من الخوف والاستجواب والتعذيب كأحد أسرى الحرب في الشرق الأقصى لأعيش في ظل حياة مفعمة بالريبة وانعدام اليقين. فقدت ثقتي بالناس وعشت منعزلاً متوحداً في عالمي الخاص. ظن الناس أنني تأقلمت مع الأمر، لكنني كنت محّطماً من الداخل. لقد بات من المستحيل التعايش مع ما أنا عليه، وبدا الأمر كما لو أن خطايا أولئك
الذين أسروني وعذبوني تم نثر بذروها في داخلي ليحصدها أفراد عائلتي. لقد كنت أضمر حقداً وكراهية شديدين لليابانيين وكنت دائم البحث عن سبل ووسائل لتعقبهم وتحطيمهم. كنت أفكر على الدوام بذلك المحقق البغيض الذي كان يستجوبني ويشرف على تعذيبي، أردت أن أعثر عليه لأحتجزه وأفعل به مثلما فعل بي». (**) 
لم يكن أمام لوماكس سبيلاً للتخلص من أشباحه وكوابيسه سوى الثأر!. لذا فقد باشر البحث عن جلاده، إلا إن مسعاه جعلة يتساءل عما إذا كان التكفير عن الجرائم ممكناً، وعما إذا كان بوسع الاشخاص الأكثر تضرراً من تلك الجرائم العثور على الطمأنينة والأمن عبر التوبة أو الندم. فإذا لم يكن تاكاشي ناﮔاسي هو المسؤول المباشر عن سوء معاملته الجسدية القاسية إلا إنه كان يمثل بالنسبة للوماكس بالتأكيد تجسيداً لأبشع أنواع الجلادين النفسيين لأن ملامح وجهه ونبرة صوته ظلاّ يطاردانه في كوابيسه وتداعياته المريعة بشكل متواصل منذ ذلك اليوم. ربما بمقدور الضحية التعايش مع الأذى الجسدي إلا إن أوجاع الآثار النفسية المدمرة تظل ملازمة لهم إلى الأبد. 
كان زواج لوماكس من زوجته الثانية ﭙاتي مفعماً بالحب لكنه لم يكن يخلو من توتر وجهد وعناء فقد واجهت السيدة ﭙاتي عناده الشائك الذي كان يتحول فجأة إلى عدوانية صريحة لدرجة امتناعه الحديث معها لأسبوع أو أكثر. ولم يكن أمام السيدة ﭙاتي سوى البحث عن سبيل لتخفيف أوجاعه، فقد كتبت رسالة إستشارة إلى أحد الأطباء المختصين ببحث ومعالجة المشاكل النفسية والعقلية لسجناء الحرب بشأن معضلة زوجها. 
كان لوماكس يكتب بين الحين والآخر مقالات عن السكك الحديدية لصحيفة تيلغراف، وقد قرأ في أحد الأيام خبراً في الصحيفة عن وجود مؤسسة طبية لرعاية ضحايا التعذيب تم تشكيلها مؤخراً فالتحق بها فوراً وصار يحضر جلسات علاجية مرة كل ستة أسابيع، وقد تم تشخيص حالته حينها بأنه يعاني من مرض يدعى «اضطراب ما بعد الصدمة PTSD».
تشاء الصدف أخيراً أن يعثر لوماكس وزوجته على ضالتهم المنشودة عبر أحد أصدقاء لوماكس القدامى، وهو سجين سابق أيضاً في تايلاند، حيث جلب لهما يوماً صفحة اقتطعها من صحيفة «يابان تايمس» تتضمن مقالة تتحدث عن عسكري ياباني سابق أصبح بعد انتهاء الحرب مترجماً للحلفاء وساعد أسر الضحايا الأجانب في تحديد آلاف القبور ومواقع الدفن الجماعي على امتداد سكة حديد بورما، وزعم بأنه استحق منهم الصفح والغفران، وقد أظهرت المقالة صورة الرجل الأكثر صلة بمحنة لوماكس ألا وهو تاكاشي ناﮔاسي.
 
«بعد تقاعدي عام ١٩٨٢ بدأت أبحث عن معلومات حول ما حدث في تايلاند فقد كانت حاجتي لذلك قوية. أخيراً علمت أن تاكاشي ناﮔاسي، الرجل الذي حقق معي وأشرف على تعذيبي لا يزال حياً وقد أصبح متديناً بوذياً وقام بتمويل معبد عند جسر نهر كواي،وعرفت أيضاً أنه عرض مساعدته لأسر الضحايا بتوفير معلومات عن القبور الجماعية لذويهم. كنت في الواقع متشككاً وأنا أقرأ ذلك، ولم أستطع تصديق فكرة توبته أو الصفح عنه، وكانت لدي فكرة راسخة وقوية بأنني لو قابلته فسوف أضع يداي حول رقبته وأقتله». (**)
حين اكتشف لوماكس أن عدّوه لا يزال حياً شعر برغبة ضارية تمزقه للانتقام من أداة الإمبراطور هذا. إلا إنه ظل بعد قراءته تلك المقالة
مدة عامين لم يفعل شيئاً بهذا الشأن، لكنه حصل في شهر أكتوبر من عام ١٩٨٩ على ترجمة إنجليزية لمذكرات تاكاشي ناﮔاسي التي هي بعنوان «صلبان ونمور» Crossings and Tigers يصف فيها المؤلف كيف إن تعذيبه الوحشي لأحد السجناء لا يزال يطارده حتى الآن. حينها علقّ لوماكس قائلاً:«إن هذا السجين هو أنا».
«لقد كان من دواعي سروري قتله» هذا ما قاله لوماكس لصحيفة نيويورك تايمز عام ١٩٩٥ بعد وقت قصير من نشر مذكراته «رجل السكك الحديدية». تتذكر زوجته ﭙاتي: «كنت أعرف أن إريك لم يكن يريد أن يلتقي هذا الرجل بطريقة ودّية فقد كانت  لديه بعض الأفكار حول لقائه به وقتله. لقد خطط لكل ذلك، واعترف لي لاحقاً أنه كان ينوي شنقه بحبل إذا كان ذلك بمقدوره».
كان تاكاشي ناﮔاسي العجوز يشعر بالخزي والندم والعار لأفعاله البشعه في زمن الحرب وكان قد قرر الانتحار بعد الحرب إلا أنه بدلاً من ذلك فضل البحث عن سبل لترجمة ذلك الندم فقد شيّد مزاراً بوذي بجانب «سكة حديد الموت»، ثم قام بعدها بتأسيس مدرسة للغة الانكليزية وإبتدأ بعمل رحلات جماعية مصحوبة بأدّلاء إلى كانشانابوري، المعسكر الذي سُجن فيه لوماكس، للكشف عن مواقع قبور أسرى الحلفاء. 
«حدثت نقطة إنعطاف في حياتي حين التحقت بالمؤسسة الطبية لمعالجة ضحايا التعذيب حيث استطعت ولأول مرة تفريغ الكراهية التي أصبحت بمثابة سجناً لي. حين رأت زوجتي التغيير الذي طرأ عليّ كتبت رسالة إلى تاكاشي ناﮔاسي، وجائنا الرد بعد أيام وهو مفعم بالرحمة والشفقة والحزن. في تلك اللحظة وبعد قراءتنا الرد أحسست فجأة بأنني تخلصت من الدروع الصلبة التي كنت ألفها من حولي، وبدأت التفكير بما لا يمكن توقعه». (**)
في رسالتها إلى ناﮔاسي كانت ﭙاتي قد اقترحت عليه إمكانية التوافق بينه وبين زوجها، لكنها طرحت عليه السؤال التالي لمعرفة رد فعله: 
«ما هو شعورك سيد ناﮔاسي، إذا لم يغفر لك أسير حرب الشرق الأقصى هذا؟». 
وكان الرّد الذي تلقته السيدة ﭙاتي لوماكس منه هوالتالي:«إن خنجر رسالتكم سيدتي قد انغرز في أعماق قلبي»، معترفاً لها بأن أحداث الماضي بشأن تعذيب زوجها لا زالت تؤرقه وشكرها على رعايتها له متوسلاً ملاقاته. كتبت ﭙاتي رداً على رسالته تلك وأرفقتها هذه المرة برسالة من زوجها، وتم الاتفاق أخيراً على ترتيب لقاء لهذين العدوين المسّنين. لم يكن هدف لوماكس في الواقع مجرد إحياء ذكرى ما حدث أو حتى ببساطة مواجهة ذكرياته، إنما لمقابلة أحد الذين قاموا بتعذيبه وجهاً لوجه وبحسن نية. وهكذا وبعد أكثر من نصف قرن من لقائهما السابق في معسكر الأسر تم لقاء الرجلين ثانية بالقرب من الجسر الواقع على نهر كواي ولم يكن بوسع أحد حينها أن يتنبأ بنتائج لقاء شمل عدّوين ما إذا سينتهي بالعنف أو الدموع؟
 
«لقد برهنتُ لنفسي أن التّذكر لا يكفي إذا كان هو ببساطة يجعل الكراهية دائمة وأكثر صلابة». هذه العبارة الحاسمة، في الواقع، هي ما قالها لوماكس لزوجته وهما يقفان وسط مقبرة أسرى الحرب في تايلاند حين عاد هو وزوجته عام ١٩٩٥إلى المكان المحدّد لأسوأ تجربة له في حياته يرافقهما طاقم تصوير فيلم وثائقي للمخرج البريطاني مايك فينلاسون. فبعد انحناءة رسمية أحدهما للآخر، اعترف ناﮔاسي بتعامل الجيش الياباني الامبراطوري الوحشي والمرّوع للبريطانيين، فلم يجد لوماكس سوى القول: «على أي حال، لقد نجونا أخيراً نحن الاثنين».
«توّجه إريك إلى اللقاء بالسيد ناﮔاسي بطريقة هادئة جداً وقد كان مصمماً حينها على أن يؤذيه ويثأر منه» تقول ﭙاتي مضيفة:« لكنه حالما التقى به أدرك أنه في الامكان أن يصفح عنه ومن الممكن المضي قُدماً ونسيان الماضي». 
في حيث نشر في الموقع الخيري البريطاني (مشروع الغفران) صرح لوماكس قائلاً: «لقد جرى اللقاء بيننا في تايلاند في مدينة تشونبوري. استقبلني ناﮔاسي بانحناءة رسمية، فأخذت يده وقلت له باليابانية (صباح الخير سيد ناﮔاسي، كيف حالك؟). كان يرتجف ويبكي وردد المرة تلو المرة عبارته المتقطعة: (أنا آسف، آسف جداً... جداً). 
لم يكن لدي أي تعاطف معه، ومع ذلك، فقد أحسست أنه ضائع وذلك من خلال تواضعه وحزنه وندمه، حينها تغيّر كل شيء فيَّ تماماً. 
وأمضينا معاً الكثير من الوقت في الأيام التي تلت ذلك اللقاء نتحدث ونضحك وتوضّح إن لدينا الكثير من الاهتمامات المشتركة وتعاهدنا على أن نبقى على اتصال وأنعقدت بيننا صداقة حميمة منذ ذلك الحين. لقد شعرت بعد لقائنا أنني توصلت معه إلى نوع من السلام والاطمئنان وأدركت إن الصفح ممكن حين يكون المرء مستعداً لقبوله ولا بّد للكراهية أن تتوقف يوماً». 
تابع الزوجان فيما بعد رحلتهما إلى اليابان وبقيا ضيوفاً في كوراشيكي، مسقط رأس ناﮔاسي. «لقد جلستُ على كرسيه الذي يجلس عليه في بيته» يقول لوماكس، «الغريب أن لديه نفس الاهتمامات التي لدي، نفس الكتب المرصوفة عندي على الرف، نفس العناوين، والأكثر من ذلك عرفت أنه كان يعاني من نفس الكوابيس».
كان لابّد لكلا الرجلين أن يواجه أحدهما الآخر من أجل إحراز نوع من السلام الروحي. لقد أدرك إريك لوماكس في النهاية أن هذا 
العجوز البوذي كان بحاجة خفّية إلى المغفرة حقاً، لذا فقد كتب له رسالة موجزة وقرأها عليه حين اجتمعا لوحدهما في وقت لاحق في غرفة في فندق طوكيو تعهد فيها بمغفرته الكاملة له. ليس هذا فحسب، إنما رفض تسمية عدوه بـ «المحّقق الصغير المقيت» كما كان يدعوه من قبل واستبدلها في كتابه بـعبارة «أخي بالدم».
 
 
 * 
الفيلم الوثائقي (كيف أصبح عدّوي صديقاً لي؟) هو للمخرج البريطاني ماي فينلاسون. يمكن مشاهدة هذا المقطع على الموقع التالي:
www.historyvshollywood.com/video/eric-lomax-takashi-nagase-meeting/
 
**
كتاب السيرة الذاتية (رجل السكك الحديدية) ١٩٩٥ تأليف إريك لوماكس.
The Railway Man, An Autographic book By Eric Lomax ,1995
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات