GMT 9:00 2017 الخميس 16 نوفمبر GMT 6:25 2017 الخميس 16 نوفمبر  :آخر تحديث
الجمالي حين يخلص الذات الشاعرة من الألم

ابتسام أبو سعدة في ديوانها: ابتسامات تشرينية

عبدالله السمطي

 

 
تتشكل بنى النصوص الشعرية لدى الشاعرة ابتسام أبو سعدة في ديوانها :" ابتسامات تشرينية" عبر بنى عبارية قصيرة، فالأسطر الشعرية لديها أسطر مختزلة، مكثفة، قد تتشكل من كلمتين إلى أربع كلمات، وقد تترابط فيما بينها مكونة عبارات أطول، لكن توزيع الأسطر نفسه توزيع يحتفي بالقصر، وبالتقاط الفكرة الشعرية – إذا صح التعبير – عبر جمل مكثفة، وهو الأمر الذي يجعل الشاعرة مهمومة بقص الزوائد، ومهمومة بإشاعة قدر من الحيوية التعبيرية لجملها وعباراتها وسياقاتها. 
ومع أن اقترابنا هنا سوف يركز على قراءة آليات هذه الجمل وكيفية تواردها، والمناخات الدلالية التي تسطع فيها، إلا أننا لن نعدم – حقيقة من خلال القراءة – بعض الترهلات التعبيرية أو لنقل بعض العبارات التي اتخذت سمتا مباشرا إلى درجة النثرية المفرطة في أدائها الشعري. 
على اليقين إنه من الأمور الطبيعية أن يحدث خلل ما في البنى العبارية للنصوص، ومن الطبيعي أن تقدم الشاعرة نصوصًا متفاوتة الأداء، بيد أن ذلك لن يعطل الوعي القارئ الذي يبحث عن المعنى الشفيف، وعن الدلالة الكلية للتجربة. 
يتضمن ديوان:" ابتسامات تشرينية" ( 53) نصًّا، في (176) صفحة،  وسواء كانت النصوص طويلة أم قصيرة فإن الرؤية القصيرة للعبارة الشعرية هي المهيمنة، كما ذكرت سابقا، وحين يكون القصر عنوانًا للأداء الشعري، سوف نتخايل تماما مع وهج الكثافة، واختزال الكلمات، وهو ما نراه منذ البدء في النص الأول الذي يحمل الديوان عنوانه:
تشرينية الهوى أنا
أشطب كل أيامه
لآخر يوم فيه
أصل إلى بداية جديدة
وعمر قادم جديد. / ص 7 
استهلال زمني كما نرى، يلوذ بدلالات الأشهر والأيام، والعمر، والبدء والنهاية. الشاعرة هنا تريد أن تنتجَ لحظة جديدة، كأنها تتوسم في هذه اللحظة عمرًا قادمًا. كأنها تتخلص من وعي الماضي المسبق. هكذا يبدو الانفتاح الأولي انفتاح ممتد على الزمن، وهو ما يقلها فيما بعد إلى العثور على لحظاتها وأشيائها، المترامية عبر هذا الزمن في مشاهد متتالية أبسطها التعبير عن ديمومة الذكرى كما في هذا المقطع الثالث المكثف من :" ابتسامات تشرينية" :
لا زالت آخر حبة قمح
عالقة في رغيفي
كلما حاولت نزعها
تعلقتُ بك أكثر. / ص 8 
الذكرى تقود إلى صورة، والصورة إلى مشهد، والمشهد إلى تداعٍ لحظويّ يحرك الوعي ويثيره ليلتقط قسمات من المعنى، ويلتقط أبعادًا دلالية تعطي للزمن صخبه وحضوره، حيث استدعاء الطفولة في تراجيديا الفرح، إلى  الفرح بالمكان كما في نص:" النيل الأخضر" / ص.ص 24-26  إلى بائع الورد على الرصيف في " تعديل مسار" ص.ص 35-36 
أعدل مسار الأرصفة
وأرتب الطرقات الملتوية
هربا من النهاية / ص 36  إلى " طلاء أظافر" ص .ص 56 -58 وهي كلها تنويعات على حضور الذكرى، والحضور الزمني المتكرر والقصد منه إثارة الصور وتحريك المشاهد الشعرية المتتالية. 

عبقُ الجمالي:
تنتقي الشاعرة كلماتها بشكل يجمّلُ العبارات ويعطيها نوعا من الجمال الكامن بالطبيعة، أو بالإشراقات الرومانتيكية، وهو ما يضفي عبقا جماليا قد تفتقده قصيدة النثر التي تركز على الواقعي واليومي والتداولي، ويعيد إليها بعض الشرايين الجمالية المفتقدة وإن على نطاق الكلمات.
إن نظرة طائر على بعض التعبيرات مثل: ألوان زهر اللوز، وضحكات الورد الهاربة من فرح الطفولة، واللمعة السحرية على سواد العيون، وعطر الياسمين، والمرايا المرصعة على وجه النهر تغازل حوريات السماء، واللؤلؤ المعقود على جبين الشمس، وغيرها من التعبيرات الشبيهة، تقودنا إلى جانب من الصورة التي تحققها نصوص الديوان، يتمثل في الاحتفاء بالجمالي ولو في بعده الرومانتيكي : 
سأصلبُ شعري
الذي استسلم سرًّا
لأهزوجة الخريف
وأغاني فيروز الشتوية
سأقبل يد السماء
كم كانت سخية
وأنت تختزل سنين الغياب
في قصيدة غزل
وعلبة هدايا حمراء / ص 61 
الجمالي في القصيدة أن تقدم الشاعرة كلماتها الأنيقة المطرزة بوعي أنثوي يحدق في قيم الجمال وفي مفرداته الأثيرة التي تثير الحواس. وهذا المجال الأنيق تتبعه الشاعرة في جملة من النصوص كما في :" بي أنت أجمل" حيث العطور والأنفاس الشهية، وحبات العقد، وربطة العنق، والورد الندي، وقهوة الصباح. 
على أن هذا الجانب لا يطغى على رؤية الشاعرة التي تتسم بالشجنية، والضلوع في تدويم الحزن وتكراره، سواء كانت النصوص وطنية تستعيد الأرض الفلسطينية السليبة بالكلمات، كما في نص :" جدار عازل" الذي يتحفز إلى محاكاة الحنين إلى الأرض
 أم كانت نصوصا ذاتية تلوذ بالروح، وتعبر عن أشواقها وأشجانها وانكساراتها : 
نحن لا نعرف الفرح
نسترق منه لحظات
نروضه بفشل
نتوسله هنيهات
حاضر غائب عنا لسنوات
والحزن يكبر معنا
بصحة جيدة
يلازمنا في كل الأوقات . / ص 129 
الحزن يكبر وما يزال بصحة جيدة، الحزن أحد جوانب الصورة الدلالية بالديوان، ولو استرجعنا عناوين بعض النصوص سنجد أنها مترعة بهذا الشجن والانكسار والتعبير عن الألم: 
تراتيل الوجع، هزيمة مومياء، جدار عازل، بلا أمل، خيبة وحقيبة، زائر المدامع، شجن عتيق. 
هذا فضلا عن مضامين بعض النصوص التي تتشح بنظرة ألم، وتعبير عن اللا جدوى والقهر والفقد. 
على أن ما يغير هذا الجانب قليلا، هو احتفاء الشاعرة بالاستعادة، بالتذكر، بالحنين إلى الماضي، باستدعاء المواقف الطفولية مع الأم، بالعودة إلى زمنية الماضي، وهي كلها دلالات تفضي إلى قراءة خاصة للزمن واستشراف ينابيع الماضي – إذا صح التعبير – كما نجد مثلا في نص: "طفلة لا تكبر" :
أعيديني يا أمي
لحلمي الصغير
وصندوقي الفارغ
من وجع الزمن
وغدر الليالي
ضفري لي تلك الجدائل
كاملة الانسياب
على برتقالة يافعة
لم تهضم الفجر بعد. 
...
أريدني ملتصقة بك
بطفلة لا تكبر
أبدا
بطائرتي الورقية
التي تلتصق بالسماء
عشقًا وحرية. 
/ ص 124 وص 126  
 
إن الشاعرة ابتسام أبو سعدة لا تصبو إلى التجريب والتشكيل كما يتضح من نصوص الديوان، قدر ما تصبو إلى البوح والتعبير، والإطلالة على أشواق الروح، والكتابة عما يجيش به من رؤى أو آفاق وجدانية، قد يزفها الوعي إلى الكلمات، أو تفجرها المخيلة الكامنة، أو تزجيها الانفعالات الأولية للكتابة، ولذا فإن البحث الدائب عن الأمل المفتقد، والبحث عن السبل التي تفضي إلى مجاوزة الألم، والإحساس بتغير اللحظة، وتقلب الواقع، وتكدس الأوجاع والبحث عن آخر رومانتيكي، يقدم صورة جمالية ما حتى لواقع متخيل، واستعادة الذكرى والزمن الماضي، ولحظات الطفولة هي الأجواء التي تنسرب فيها تجربة الشاعرة في هذا الديوان. 
 
من وجهة تعبيرية:
تتقدم الشاعرة إلى نصوصها بقصد الإفضاء والبوح، لكن هذا الأمر يجعلها تقع أحيانا في منطقة التداعي حيث يأخذ التداعي مجراه لدى الشاعرة، فتتحول بنية العبارة الشعرية إلى بنية نثرية مفرطة في نثرها:" وظهرت تجاعيد الألم الغادر، فأتبلد في مكاني وأخلع عباءة الأمل الزائف وأنخرط في الواقع الأسود الأنيق" / ص 17 فالعبارة هنا تليق بالقص أكثر، والقص الرومانتيكي الذي لم تداعبه رؤى الحداثة بعد. وهذا الأمر يتكرر في عدد من النصوص حين تفلت شعرية العبارة من الشاعرة إلى نثريتها وتقريريتها. 
من وجهة ثانية تنوع الشاعرة في طريقة صياغة بنى النصوص، حيث توجد نصوص مرقمة المقاطع، إلى جانب نصوص ذات بنية واحدة منتظمة، والنصوص مرقمة  المقاطع تعطي نوعا من الإخلاص الجمالي الجزئي للنص، حيث يصبح كل مقطع وكأنه نص قائم بذاته. 
ومن القصائد مرقمة المقاطع: ابتسامات تشرينية أول قصيدة بالديوان و" قصة ذات" ص.ص 46 -  48  و" صباحك يا سمين " ص.ص 101 – 105 
وهناك بعض الأخطاء النحوية واللغوية التي أتمنى أن يتم تفاديها في الطبعات القادمة للديوان مثل: ( خطأ نحوي بسيط  ص 48 بعضٌ – بعضا)  خطأ لغوي ص 115 و 116 تكرار ( أرشي) صحتها: أرشو حقائبي أرشو سائق التاكسي و ترانيم خطأ نحوي ص 82 ترانيمًا – الممنوع من الصرف لا ينون إلا في الشعر الموزون كضرورة شعرية
كذلك فإن ثمة ما يمكن ملاحظته مع نصوص الديوان المتعددة أن هناك نوعا من تجاهل المفارقة الأبعد والأعمق، التي لا تجعل النصوص هادئة، بل تضفي عليها قدرا من التوتر والجدل، بحيث تصبح أكثر إثارة للقراءة في زمن نزق موار بالصخب، كما أن بنية السؤال تكاد أن تتوارى بعيدا عن نصوص الديوان، مع أن للسؤال أهميته الجمالية والشعرية إذ يجعل النصوص في حال صدام مع الواقع وعدم تسليم بيقينته، كما أنها تفتح منافذ الصلة القرائية بين القارئ والنص ومشاركته في البحث عن يقين السؤال. كما أن تعميق اللحظة الشعرية وترميزها وعدم الفرح بالعلاقة القريبة للكلمات. قد يشكل أحد المحفزات التقنية والدلالية التي يمكن للشاعرة أن تلتفت إليها في نصوصها القادمة، فهناك نصوص بسيطة من الصعب أن تمثل الشاعرة من وجهة شعرية متميزة مثل: " تخت شرقي" ص 94 – 96   الذي لا يضارع مثلا نصا متميزا مثل: : عرض على بوابة النسيان ص 118 
أما حكايات : قاضي العشق ومحكمة الحب ققيه نوع من التقليدية المكررة / ص 121 ونص " شجن عتيق " ص 129 نحن لا نعرف الفرح ( نص بسيط) أقرب للتداعي والخواطر
كذلك فإن التقفية في نص :" عتق مؤكد" ص 145 وما بعدها تضر بالنص لا تزيد من جمالياته. التقفية غير مرغوبة في الحقيقة في قصيدة النثر لأنها ستسمى لحظتئذ بالسجع لا بالقافية . 
مع ذلك فإن الشاعرة ابتسام أبو سعدة تسعى إلى أن تقترب من عوالمها الداخلية، أن تكتب بالوعي وبقسمات الروح، أن تكتب لتعبر وتشرق، وأن تقول لحظتها الذاتية الكامنة بها، ربما تصل إلى يقين أكثر إشراقا وإلى لحظات زمنية جديدة لها ألقها ورونقها الشعري الساطع. 
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات