GMT 17:10 2017 الأربعاء 20 ديسمبر GMT 17:12 2017 الأربعاء 20 ديسمبر  :آخر تحديث

أنطونيوس نبيل: ذَبْحُ اليَاسَمِين

إيلاف


مهداة إلى روح الشهيدة: لينا النابلسي

1. 
 
مُغمَضَ الشَّفتين
    يتحسَّسُ صَمْتَ الجُرْحِ
بإصبعٍ يرتعشُ
    كحلمةٍ ثكلى
        في فَمٍ جَهِيضْ

لا تَخْمِشوا
    أديمَ أنفاسِهِ العَابِسة
        بأظفارِ لَغْوِكم البَليدْ
فشهيقُهُ رُوحٌ ضَارِعة
    تَمضُغُ رُطَبًا مِن الجَمرِ
وزفيرُهُ بيداءُ ظَمإٍ
    مَسْجُورةٌ بعِظامٍ
        مِنْ أنينٍ وئيدْ

اصرِفُوا عنه كأسَ خَمرِكم
    فللحَببِ فحيحٌ
        وفي القاعِ صَريرٌ دَبِقْ

وجوهُكم
    قروحٌ تنتَهِشُ أحداقَ الحُلْمِ
        بَرَصٌ مَسكوبٌ في أحشاءِ المَرايا
وقبورٌ مُترعةٌ بخواءٍ ثرثارٍ
    هي حناجرُكم

كما زِرٌّ يتململُ في رَمْسِ عُروتِهِ
    دائبًا في ارتقابٍ مَرير
        ذاهلًا في انتظارِ الأناملْ
على بَرزَخٍ مِن شظايا الأرَقْ
    دَعُوهُ جناحًا نحيلًا
        يُعانقُ خَصْرَ اللَّهَب
فما القلبُ إلَّا مُضْغَةٌ
    مِنْ لحمٍ تَشهَّى
        أن يستحيلَ بَخورًا مِن الأغنياتِ 

2.*

يا سِدر يا طُهر الحَليبْ
    يا أنگى م الفِضَّة الرُّوباصي
ما تِحتمل لَثم الحَبيبْ
    كِيف تِحتمل مَسِّ الرَّصاصي

يا سِدر يا غافي الورودْ
    يا شهگة العِطر السُّلافي
كِيف تِحتمل نَبْشِ البَارودْ
    ونتا اللي تَأذيكْ الشِّفافي

3. 

"بَهَرُوا الدُّنيا
ومَا فِي يَدِهِم إلَّا الحِجَارة
وأضاؤوا كالقناديلِ
وجاؤوا كالبِشَارة
قاوموا واستبسَلُوا واستُشْهِدوا
وبَقِينا
قاتلوا عنَّا إلى أنْ قُتِلُوا
وبَقِينا"**

وبَقِينا
    فِي مَقَاهِينَا بَقِينا
ليسَ فِينا
    أوْهَى نَبْضٍ مِنْ جَسَارة

وبَقِينا
    نَلْبَسُ الوَجهَ الحَزينا
قانعينَ
    بالدُّموعِ المُسْتَعَارة

وبَقِينا
    نَثغُو بالخُطَبِ اللَّعِينَة
آملينَ
    أنْ يَلُوكَ القَلْبُ عَارَه

وبَقِينا
    بالقَضيةِ صَارِخينَا
حتَّى صَارَ
    الحَلْقُ وَكرًا لِلدَّعَارة

4.

"بَهَرُوا الدُّنيا
ومَا فِي يَدِهِم إلَّا الحِجَارة
وأضاؤوا كالقَناديلِ
وجاؤوا كالبِشَارة
قاوموا واستبسَلُوا واستُشْهِدوا
وبَقِينا
قاتلوا عنَّا إلى أنْ قُتِلُوا
وبَقِينا"

وبَقِينا
    أيُّ وَحْشٍ
        تَحْتَ بَشرتِنا الثَّخينة؟
جِيفَةٌ
    قد عَافَهَا الدُّودُ احتقَارا


وبَقِينا
    رَهْنَ لَيلٍ
        ظَلَّ يَأبى أنْ يَلينا
ورَضِينا
    أنْ نَقيءَ العُمْرَ زُورًا واحتضارا

إذ نَسِينا
    أنَّ شَرَّ الكُفْرِ ذَبْحُ اليَاسَمينا
كافرينَ
    كَمْ سَفَكْنَا
        العِطرَ فِي مَبغَى التِّجَارة

إذ نَسِينا
    أنَّ رَبًّا
        قد تَجَلَّى بوَجهِ لينا
حينَ غنَّتْ
    صَلَّتِ الأزهارُ عِشْقًا
        والمَلائكُ سَاجِدينا
حينَ أنَّتْ
    شُقَّتِ الفِردَوْسُ شَقًّا
        صَعَّدَ الكونُ الأنينا

أينَ لينا؟
    إنَّا بالأشواكِ تَوَّجْنا النَّهَارا
أينَ لينا؟
    قد صَلَبْنَاها ونَصْلُبُها مِرَارا
وبَقِينا
 
 
* بكائية أشبه بعديدِ قريتي بجنوب مصر، والكافُ الفارسيةُ لدلالة على القافِ المنطوقةِ جيمًا غيرَ مُعطَّشة.
** مقطعٌ مِن قصيدةِ "أطفال الحجارة" للراحل الرائع: نزار قبَّاني، بتصرف طفيف.
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات