GMT 4:00 2017 الإثنين 13 فبراير GMT 6:39 2017 الإثنين 13 فبراير  :آخر تحديث
إيلاف تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

على مقربة من السعادة... على مقربة من الاكتئاب

إعداد: ابتسام الحلبي من بيروت

ربما من أصعب المذكرات أن يكتب كاتب عن كآبته، إذ تصير هذه الكآبة منظارًا، يرى من خلاله كل ما يحدث له في يومه، وكل من يتعامل معه. هذا حال دافني ميركن، في كتابها "على مقربة من السعادة".

إيلاف: منذ وقت ليس ببعيد، كانت مجرد فكرة الكتابة عن الإصابة بالاكتئاب تستحق وسام الشجاعة، لكنّ اعترافات مماثلة آلت إلى بصمة مملة من الصراحة الأنوية. 

قرب الحياة... قرب الكآبة

فالمشاهير يستخدمون هذه الإفصاحات لإقناعك بأنهم مثلك، وربما أكثر هشاشة منك. إنها وسيلة للتعويض عن شعور عدم الراحة المتعلّق بنجوميتهم. في الواقع، في عالم يشهد طبقية متزايدة، قد يقوم الناس الذين يملكون بعض الامتيازات بالكشف عن اكتئابهم باعتباره تأكيدًا على إنسانيتهم. وقد حلّ البؤس السريري مكان الموت، وأصبح المعادل الأعظم. باطل الأباطيل، كل شيء اكتئاب.

إضحاك بحزن
إلى هذا المستنقع، دخلت دافني ميركن بكل جرأة حاملة تاريخًا طال انتظاره عن اليأس الذي تآكلها. في الجزء السابق من مذكراتها، يمكن اعتبار تركيزها الشديد على قصتها الخاصة على حساب أي شخص آخر انغماسًا في الملذات، أو حتى تعظيم الذات، لكنّه جزء من فنها الكبير الذي يبدو في نهاية المطاف صراحة منتصرة. 

وبوضوح ملاحظاتها، تنقذ القارئ من تعب مذكراتها. هي لا تسعى إلى إزالة الغموض المحيط بالحياة في بارك أفنيو، ولا حتى الاعتذار عن ذلك، بل تريد شرح تجربتها التي تكشّفت هناك.

في كتابها "على مقربة من السعادة" (This Close to Happy المؤلف من 288 صفحة؛ مكتبة فرّار، ستروس وجيرو، 26 دولارًا)، لا تحاول ميركن تفسير وظيفة اللوزة، وتتجنب كل الإحصائيات حول نسبة المرض، ولا تعتذر عن السقوط في ظلام دامس. 

بدلًا من ذلك، هي تروي ما حدث، وما الشعور الذي ساورها. وقد فعلت ذلك ببصيرة، ونعمة ووضوح مؤلم، في نثر رائع، مضحك أحيانًا، لكن بحزن. المسحة نفسها من النرجسية الواعية التي تجعل الكتاب مزعجًا جدًا في بعض الأحيان تجعله منتصرًا في النهاية. على الأرجح، لن تقوم ميركن بإبهاجك، لكن إذا كان بؤسك يحب الرفقة، لن تجد رفيقًا أفضل. هذا ليس كتابًا يعطيك إرشادات لتتحسّن، بل يعلّمك كيف تكون كئيبًا، ما يجعله بالإجمال كتيّبًا أكثر أهمية.

إغواء ولوم
تهدف معظم المذكرات إلى الإغواء، من المفترض أن يقع القارئ في حب الكاتب، أو على أقل تقدير أن يستحسنه. كتاب ميركن لا يطلب شيئًا مماثلًا. يرضيها أن تعرف أنك غير معجب بها على الإطلاق. كما تلقي اللوم على نفسها من دون تردد إلى درجة أنّك تلقي اللوم عليها أيضًا. هي تشعر بمتعة مازوشية عند محاولة تنفير المزيج الفريد لديها المركّب من هاجس الذات والضعف التفاخري. 

ويبدو أن أجزاء من الكتاب تهدف إلى معاقبة كل من لم يحبها أو يفهمها، من والدتها إلى القارئ. نعم، إن ديناميكية "هيا إكرهوني" تحقق ألفة حقيقية لا تقدر أن تحققها كتب أخرى أكثر حذرًا؛ وفي نهاية المطاف ستروقك على الرغم من نفسها. 

طلبت ماري مكارثي أن تقيم دعاية مغالى فيها لأول كتاب ألّفته ميركن، واستغربت أنّه لا يحتوي على أي حياء أو خجل، فكتبت "يبهرك الكتاب بانفتاحه". ومن الصعب ألا يكون موقفك مشابهًا من هذا العمل الذي يحتوي على موجات من الصدق غير المبالي والوضوح الفظ.

مركين قادرة على أن تكون في آن واحد ميلودرامية ودقيقة بامتياز. وهي تستخدم عبارات كثيرة جيدة عن الاكتئاب، ما يجعل من الصعب أن تختار بينها. في جزء واحد، تكون "محرومة من الإغاثة"، الأمر الذي يكثف سقوطها بلا هوادة في الحكمة الساخرة. 

الاكتئاب هو حالة اجتماعية، وهي تمنحه سياقًا اجتماعيًا: "وكأنني وقعت عن أقاصي الأرض في الدقيقة التي لم يكن بجانبي فيها أي شخص آخر - أو ربما قصدت أن الشخص الآخر سقط من أقاصي الأرض، أو أن كلينا فعل. لكنّ العملية تنجح، فبدا أن الجميع قد انحلّ، وتُركتُ أتجول في بياض قمري من الاتصال البشري الموثوق. "وبالنسبة إلى من عانى منّا رافعات وسهام هذا الشيطان بعينه، فلن نجد ملخصًا أكثر وضوحًا".

الأم والأب
كان والدا ميركن من اليهود الأرثوذكس الأغنياء، الذين، وفقًا لما كتبته على الأقل، كانوا باردين وغير محبين، لكن يبدو أنّهم مع ذلك حرّكوا فيها تعلّقًا عاطفيًا. وتنطبق على والدتها كل الكليشيهات الموجودة لدى الأمهات اليهوديات باستثناء ذاك المتعلّق بالتضحية الذاتية الجامحة. 

هي مستبدّة وعقلانية وحاسمة مع قبضة متينة، ومحبوكة في نسيج حياة أطفالها لدرجة أنّهم لا يحظون بأي تجربة إلا من خلالها. ويبدو أنها متعاطفة بما فيه الكفاية لتفهم مشاعر أطفالها، لكنها ليست كريمة جدًا في تطبيق تلك المعرفة. في طفولتها، لم تكن ميركن تستقطب اهتمام والدتها الكامل إلا عندما تكون مريضة، وهي تفكر ما إذا كان توقها لعاطفة الأمومة هو الذي تسبّب بانهيارها في وقت لاحق. وعندما تزوجت ميركن، شعرت بأنّها خانت الوحش المقدس الذي تحب أن تكرهه. وتشكو قائلة "كنا متشابكتين مثل البطانيات"، وتكتب أيضًا: "من دون والدتي، من سيقطّع لي العالم إلى قطع صغيرة؟".

تشعر أن ميركن تكافح من أجل رؤية والدتها حتى عندما تصرّح أنّها تهرب منها. وتعترف قائلة: "الحقيقة هي أنها ليست غير مدركة لاضطرابي كما تدّعي - أو كما اخترت أن أعتقد. هي على علم بكل شيء، ولا شيء يحطمها. 

ولعل هذه المرونة هي ما تقدمه بدلًا من شكل أكثر وضوحًا من الحب". هذه العلاقة الحميمة التي لا ترحم، لا مفرّ منها مهما كانت مسمّمة؛ وعندما تلاشت، كانت الصدمة جلية. وفي آخر أيام مرض والدتها، كتبت مركين: "كانت متنبهة بما فيه الكفاية، ولكن تبدو بعيدة، وكأنّها أبحرت إلى البحر، في حين ظلّ الباقون منا على اليابسة".

هذه الروايات التحليلية النفسية التي تترابط فيها الدراما العائلية والقسوة، فتؤدي إلى اضطراب عصبي، كثيرًا ما يتم التشكيك فيها في عصر ما بعد فرويد، لكنها تنطبق على دافني ميركن، التي حلّلها الكثير من الأطباء النفسيين والأهل والأصدقاء والذات، لتظهر وكأنها مثال عمّا يسعى التحليل إلى تحديده: الشخص الذي يملك لكل عاطفة نقيضًا أيضًا.

هستيريا مظنونة
إنّ القلق الذي يساورها بأن يلاقي اكتئابها فشلًا مثيرًا للشفقة، أو ربما هستيريا مظنونة، تحفظ ذاكرة كاملة من الاستشفاء الفعلي والأشواق الانتحارية. هي تصف الجلوس إلى مأدبة عشاء، حيث تشعر بأن الاكتئاب هو "حزمة احتيالية من الأعراض، حالة تضخم من التمارض يعاني منها الجميع، لكنّ قسمًا قليلًا فقط، منغمسًا في الملذات، يختار عدم إعطائها أهمية". 

وهي من بين أولئك الذين يعطون أهمية لهذا الموضوع، لكنها بالكاد قادرة على القول كيف أو لماذا. في أحد المقاطع تكتب: "يوم أمس في أثناء العلاج قلت إن حياتي مروعة، وأنا أعرف أن هذا تفكير غير موضوعي وتمسرح ذاتي. أعلم أن هناك أشخاصًا على شفير الانهيار في هايتي والكونغو وأماكن أخرى في العالم، أنا أعلم، أعلم، أعلم، غير أنّني ما زلت غير قادرة على الهروب مما أنا عليه، مجرمة يائسة منذ وقت طويل".

من جهة أخرى، تعترف: "أولًا كان هناك حبس طفولتي، مثل حلقة فيلم يعاد عرضها باستمرار، والآن هناك مرحلة بلوغي، التي تبدو مثل سجن من نوع مختلف". لكنها تعرف كم أن وضعها كريه؛ وهي تكتب عن تعرّقها بكثرة، وعن كونها مملة، حتى لنفسها. 
"الحقيقة هي أن لا أحد يهتم لماذا تريد أن تقتل نفسك، ولا أحد يصدّق حقًا أنّك ستفعل، إلى أن تفعل ذلك بالفعل، ومن ثم تصبح محاولة عكس العملية أمرًا مثيرًا للفضول بشكل مفرط".

غير واثقة
ميركن معتادة حالة الانفصال التي تنتج من وضعها النفسي. وهي تتحدّانا للانفصال مثل آخرين كثيرين. وتقول عن آخر جلسات استشفاء لها: "في الجلسات التحليلية، كنت أحيانًا أجهش بالبكاء، وأردّد أنني أريد العودة إلى المنزل، وكأنني طفلة حزينة متروكة في مخيم بعيد عن البيت". 

هي تصف جسدها من مرضى فقدان الشهية العصبي، الذين "كانوا بشكل واضح ومؤثر ضحايا ثقافة تعتبرك بدينًا للغاية إلا إذا كنت نحيفًا جدًا، لا يمكن أحد أن يلومهم على حالتهم أو أن ينظر إلى وضعهم على أنه فشل أخلاقي، شككت حتى بأنّ هذا ما يجول في بال الممرضات عن مرضى الاكتئاب. في عيون العالم، كانوا يعانون من مرض، بينما كنا نعاني من كوننا أنفسنا صعبي المراس وبائسين. 

وفيما تفتخر ميركن نوعًا ما بغوصها في الجحيم، فهي تعبّر أيضًا كم كان من الصعب عليها إخفاء اكتئابها، ما جعلها تشعر بوحدة أكبر. "لقد ألقيت كل السحر والذكاء الذي أملكه في وجه نزعتي إلى الاكتئاب، كي أجعل من الصعب على أقرب أصدقائي حتى الكشف عن مدى حزني في أي وقت من الأوقات".

تكمن قوة هذه المقاطع في كتاب "على مقربة من السعادة" في أنها ترفض كل الدفاعات. هي نفسها غير واثقة من أنها لا تنغمس في الملذات، وذعرها من هذه الحقيقة يدعو إلى تعاطف عميق مع ألمها الكامن. هي تتوق لأن تكون والدة أفضل لابنتها، وتقلق باستمرار من أن زلاّت سقوطها في نكران غير مكتمل قد تكون مدمرة لطفلها. قد تكون شخصًا صعبًا، لكنها مصممة على أن تكون أفضل من والديها من ناحية العاطفة.

شجاعة حقيقية
من الصعب أن يكتئب الإنسان، ومن الصعب أيضًا بالنسبة إلى أولئك الذين اكتأبوا أن يتخلّوا عن حالتهم. وفي هذا السياق، تكتب ميركن: "في لحظة تكون في الكون المغلق للمريض والناس الذين يتحدثون عن أوضاعهم الداخلية المتردية كما لو أن هذا كل ما يهم، وفي اللحظة التالية تعود إلى الحياة العادية، حيث يتمتّع الناس بحرية التجول كما يحلو لهم، ويبدون مفعمين بالإحساس بهدف أكبر. يمكن أن يسبب لك ذلك دوارًا إذا لم تكن حذرًا". لكنّها، مرارًا وتكرارًا، تشعر بالراحة كونها قادرة على "التفكير في أمور سعيدة من دون أن تعلق في قبضة اليأس".

تختم كتابها معبّرة عن أنها في حال أفضل الآن، لكننا عرفنا ذلك مسبقًا: لو لم تشعر بأنّها تقترب من السعادة، لما تمكّنت من إنهاء هذا الكتاب. فهي تعرف كم من الحماقة أن يكتب شخص مكتئب أنّه أصبح أفضل بطريقة دائمة على ما يبدو. كما إنّها تصف الدخول إلى المستشفى بعد تناول الاكتئاب بصيغة الماضي، وكأنّه خيانة للشخصية الأدبية التي أصبحت تعتمد عليها. 

هي ترسم خيال شخص مكتئب، مؤمنة دومًا على الرغم من كل الصعاب أنه من الممكن التحرر من وزن الحالة المزمنة. "هذه القناعة السرية تشبه الإيمان الديني بعض الشيء، مع أنّها لا تطلب شيئًا، ولا تقدم شيئًا في المقابل إلا اللاعقلانية الخاصة بها". ومن الطبيعي القول إن الكتب التي تتمحور حول الاكتئاب تدلّ على الشجاعة، غير أن هذا الكتاب يظهر شجاعة حقيقية. على الرغم من تركيزه على الأمور الشخصية للغاية، فهو أيضًا إضافة مهمة إلى أدبيات المرض النفسي.

أعدّت "إيلاف" هذا التقرير نقلًا عن "نيويورك تايمز". الأصل منشور على الرابط الآتي:

https://www.nytimes.com/2017/01/30/books/review/this-close-to-happy-daphne-merkin.html?emc=edit_bk_20170203&nl=bookreview&nlid=78827822&ref=headline


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات