GMT 14:29 2017 الأربعاء 3 مايو GMT 14:31 2017 الأربعاء 3 مايو  :آخر تحديث

لن تُشفى مني.. لبشرى الهلالي نصوص في الحب والانتظار

عبد الجبار العتابي
  صدر للشاعرة العراقية بشرى الهلالي مجموعتها الشعرية التي تحمل عنوان ( لن تشفى مني) عن دار ميزوبوتاميا ببغداد ودار افكار بدمشق .
     تقع المحموعة بـ 176 صفحة من الحجم المتوسط ضمت بين غلافيها 48 نصا نثريا ،اهدتها (الى رائحة امي.. وروح ابي)،فيما افتتحت المجموعة بقولها (هو وهي ضميران منفصلان والحب لا يعرف القواعد )،ويبدو انها تعمدت ان تجعل من النص الاول في المجموعة ذا دلالة افتتاحية للرجل الذي تحتفل به في نصوصها فتسرد تفاصيل دورة حبهما من اول صباحها الى اخر ليلها ،في النص هذا يتكثف كل شيء ليعلن بوضوح الحكاية كلها ويتكشف كل شيء لتفصح عما يجيش في وجدانها من اشتعالات ومحاولات للانطفاءات، ولكن لا انطفاء بل تتزاحم الاشتعالات وتلتهب مع مرور النصوص التي يراها العاشقون ورودا مهيبة العطر واللون ، لانها هادئة ومفعمة بالرومانسية ، فتقول في هذا المفتتح: 
(يشرق صباحي بك 
ابسمل باسمك
اتناول طبق ذكريات
احتسي فنجان صبر 
احمل حقيبة تفاصيلنا
اسير في شوارع ايامنا
انجز خيباتي
أتيه في زحمة الاسباب
ابحث عن عنواني في قلبك
اسلك طريق الانتظار
ادخل كهف الصمت
امضي مساء الوحدة
اخلد الى فراش الجزع
   أبرمج ساعة أحلامي على توقيتك    
        أنام بلا وسادة صوتك       
    يسدل الليل غيابك) .
     تضمن الغلاف الاخير على شهادتين ،الاولى للشاعر الدكتور محمد حسين آل ياسين قال فيها: (قصائد بشرى الهلالي مرايا مفرطة الصفاء، تعكس التماعة روحها وخفقة بوحها الاصيل. كلماتها تغريد عذب، يأتيك من بعيد فيفصح عن صدق الانفعال وندائه المحبب. تأسرك حروفها بالمبهج المدهش، ثم تكتشف انه البراءة الاخاذة التي استطاعت بالهمس والشجن والانتظار ان تكسر قيد الرتابة وتنطلق بعفوية ساحرة دون تكلف ثقيل او تصنع فج. تجربة بشرى الهلالي تتحدث ببلاغة باسلة وسلاسة منسابة غير مكبوتة، ولكنها ممتنعة فتبوح بأسرار شعرها وشاعريتها وتتوجها موهبة غير متكررة لأنها ابتكرت باقتدار بصمتها الخاصة).
   اما الدكتور عبد الرضا علي فقال عنها : (انها مجموعة غنائية وجدانية جميلة ،تشد المتلقي اليها شدا،فلا يفارقها الا بعد ان يتلقى اخر حرف فيها على نحو من الارتياح ،فليس في نسيجها ما يعكر صفوه من تعقيد الكلام او معاظلته فضلا عن ان بعض نصوصها ترشح جملا دالة كأنها كلمات سائرة ،في هذه النصوص تقنيات فنية عديدة كـ (المناجاة النفسية) و (وتقنية الراوي العليم) و (السرد الوصفي) وغيرها ،ولعل المتلقي الكريم سيجد فيها ما يؤنسه من صور شعرية جميلة عن احوال اهل الحرقة واللوعة والوجد الى جانب جرأة صانعتها في ولوج ثيمة تحظر التابوات تناولها ان لم تحرمها) .
وعنوان المجموعة (لن تشفى مني) هو عنوان لاحد النصوص، والجملة ذاتها جذابة انيقة شاهقة في حضورها، فيها توهج وجداني قائم على كبرياء تمتلك نفسها وباذخة في التعبير الذي كأن قائلتها تتحدى وهي تعبر الى الضفة الاخرى من الحب وهي تبتسم ابتسامة ظريفة وقدر كبير من المشاكسة حيث (لن) تقف مادّة رأسها عاليا ويديها لتظلل نصوص المجموعة ، لن يشفى منها ، من ذلك الحب الذي له مساحة كبيرة في وجدانها ، على الرغم من انها تراه محاولا ان لا يأبه ، ومنه قولها :
(اسمح لي .. أو.. لاتسمح
لن أصرخ بعد الآن.. فمثلك لم يعتد سماع نداء الروح
فقط.. أعدك..
بأنك لن تشفى مني..)
   ويمكن .. لمن يقرأ نصوص المجموعة ان يتوقف امام كل نص يقرأه لانه سيعيد قراءته مرة اخرى،لان الايقاع سيمنحه هذه الفرصة بعد فرصة تأمل الصور الشعرية التي ترسمها الشاعرة بوعي حقيقي لاسيما ان اغلب النصوص قصيرة وهادئة ومضيئة وهي ما تمنح القاريء المتعة والاحساس بالوقائع لان الشاعرة انتجت كميات من الرومانسية استطاعت بها ان تمنح النصوص قدرا من العذوبة والهدوء حتى في محاولتها ان تقسو فتأتي قسوتها ذائبة بشغف يتسامى فيه طيور الحب المغردة داخل المضمون :
(  تغيب       
 فأحشو وسادتي   
  بعلامات السؤال      
 وانشر الأمل       
 على فراش الليل     
 عله يشهق         
  فجرا تضيؤه عيناك) .
  على الرغم من ان امكنة كتابة النصوص اختلفت وتوزعت ما بين بغداد وبعض المدن الاميركية الا ان المشاعر ظلت واحدة في الغزل والنسيب،ظلت ببوحها تلك العاشقة الهائمة التي تحلق مع اسراب الطيور اينما كانت وتتلو ما تيسر لها من هيام وبوح شجي واندماج روحي تقره وان شعرت بالغربة لكنها لا تشعر بالضياع لانها تعيش معه وهو يعيش معها في حلها وترحالها وتأرجحات مغادرته لها وغيابه عنها فهي تمتد على طول وعرض مساحات قلبه وروحه وعينيه لتعلن الصبر والشوق والحنين والدفء والامل بمواكبتها لكل انثيالات تتدفق منه او منها، وعلى الرغم من ان الشاعرة لم ترتب نصوصها حسب مواقيت كتابتها الا انها رتبتها حسب تسلسل آيات الحب ابتداء من (يوم .. هو انت) نصها الاول، الى (صلاة عاشق) نصها الاخير :
 (لا ترفع صوتا بأنينك
لا احد يدرك عمق الجرح سواك
لا تحبس دمعك..
ساعة حزن
لكن..
خذ ركنا منعزلا
ان الحزن
للمكلوم عبادة
فلتنجز فرضك
دون رقيب).
 
في النصوص .. هناك حب كثير زاخر بجواهره ، وهناك وجع كثير  يسرج خيوله الجامحات ، غرام يتسامى ،يبذل من الدمع الكثير لكنما القطرات لا تظهر عيانا بل تظل تترقرق في الوجدان، هناك لوعة حرى  تتلوى على لهيب القلق، هناك خيالات تتمنى ان تكون مجنونة لتكسر كل حدود الصبر بينهما ، هناك علامات استفهام تركض في الجهات المختلفة ، هناك انتظارات معبأة بالصبر ، لكن النصوص ازاء كل هذا تفيض بالحب ،يشعر القاريء ان الحب هو القافلة الوحيدة التي تسير  في النصوص .
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات