GMT 13:21 2017 الخميس 22 يونيو GMT 13:24 2017 الخميس 22 يونيو  :آخر تحديث

أُغنية هادئة: تشيؤ الإنسان وثأرٌ من البرآةِ

إيلاف

 بقلم كه يلان مُحمَد

 

مع تطور الحياةِ وتقديم النظام الرأسمالي لمزيد من الإحتياجات المُفتعلة تتكاثر مشاكل الإنسانِ وتذوي عاطفتهُ ويُصبحُ قريباً من صورة الكائن الذي قدمته (ماري شيللى) في روايتها (فرانكشتاين)، إذ لم يَعُد له إهتمام خارج الأعمال الوظيفية فالبتالي لايوجد مايبعث على الإستغراب إذا تَحولت المشاعر الإنسانية إلى سلعة مُتداولة في سوق العمل، تُواكبُ الكاتبة الفرنسية من أصل مغربية (ليلى سليماني) في روايتها (أُغنية هادئة) التي فازت بجائزة غونكور 2016وصدرت ترجمتها العربية مؤخراً تداعيات تفشي ظاهرة المربيات المستأجرات في المُجتمع الفرنسي  بوصفه نموذجاً لمجتمعات حديثة حيث تُشخصُ حالة النساء اللائي يتكفلنَ برعاية الأطفال الذين  عندما يشبَون عن الطوق لايتعرفُون عليهُنَّ كأنَّ بالكاتبة تُشيرُ إلى نوع جديد من العمال وهم مُغْتَربون بما ينتجونهُ، وهذا يبدو واضحاً حين تتحدثُ صاحبة (في حديقة الغول) عما تتخيله بعض المربيات التي كلما صادفن مراهقين ربينَهُمْ لما كانوا صغاراً بأنهم يعرفونها لكن الخجل هو مايمنع التواصل بين الطرفين، لا مراءَ أن هذا الأمرُ له تأثير على الجانب النفسي لدي طبقة النساء القادمات من بلدان اسيوية وأفريقية، وبذلك تتجاوز ليلى سليماني الدائرة الضيقة لموضوعات راهن عليها  الكُتاب الذين هاجروا إلى الغرب من بلدان ذات هوية إسلامية إذ إعتمدوا المشكلات المنتشرة في بيئة المنشأ تيمات لأعمالهم الروائية بينما إستقت الفائزة بجائزة غونكور مادة مسرودها داخل المجتمع الذي تحتك به دون أن يؤدي ذلك إلى إنسلاخ الرواية من أبعادها الإنسانية العميقة.
 
بداية درامية
لايمكن توصيف ما تستهل به الروايةُ إلا بأنه صادم لإنَّ المشهد الذي يصورُ مسرح الجريمة يأتي مناقضاً مع مايوحي به العنوان، إذ ماتراهُ يذكرك ببدايات أفلام الجريمة التي يغيبُ فيها الحوارُ وينقلُ لك الكاميرا صور سيارات الإسعاف ورجال الشرطة وأشرطة تُعزل مكان الحادث عن المارة تمهيداً لإجراء التحقيقات، تبدأُ رواية ليلى سليماني على هذا المنوال أيضاً حشد من الناس ومقتلُ طفلة ونقلُ أخيها إلى المستشفى فالأخير يعانى ضيقاً في التنفس، والأُمُ في حالة الإغماء ومن ثُمَّ يتوالى عرض الظروف التي إختارت فيها الأسرة لويز مربية لطفليها إذ إتصل بولُ بمشغيلتها السابقة لمعرفة المزيد عن شخصية المربية يبدو أن مايسمعه والد الطفلين مُشجعاً فعلاً أن تعامل المرأة مع (ميلا، آدم) يفيضُ بالمودة وتملأُ ما يتركه غياب مريم من الفراغ العاطفي، فالاخيرة قررت مزاولة العمل عقب لقائها بزميلها الجامعي باسكال وتجاذبا أطراف الحديث وتلقيها رسالة نصية منه بعدما عرفت بأنَّ باسكال تدير مكتباً للمحاماة مبدياً إستعداده لمناقشة فكرة عودة زميلته إلى العمل إن هي لديها رغبة في ذلك الأمر، وجدت مريم في عرض باسكال فرصة للخروج من رتابة حياتها العادية سرعان ما إنغمست في تفاصيل عملها أحياناً تقتضي طبيعة العمل بأن تغادرَ البيت للإحتجاج على قرار الإعتقال أحد المتهمين وبذلك تطول أوقات العمل ما يجعلُ اللقاء بينها وبين زوجها بول أمراً نادراً فهو بدوره يقضي جُلَّ وقته في إستديوهات ملبياً مطالب المغنيين في تسجيل الأصوات وتوزيع الموسيقى، لذا تنظمُ المربية شؤون البيت بل تعوض الوالدين في حضور الإجتماعات المدرسية تقوم لويزحتى بما ليس ضمن لائحة واجباتها، ويذيعُ صيتها كطباخة ماهرة بين أصدقاء بول، على الرغم من توبيخ مديرة مدرسة (ميلا) لمريم متهمة الآباء والأمهات بالإهمال كما حملتها حماتها مسؤولية مرض الإبنة غير أن كل هذا لم يَعُدْ يؤثر على مسار المحامية النشيطة، لكن بجانب الهدوء الذي يسودُ عالم أسرة (بول ومريم) حيثُ ساهمت لويز في بنائه ثمة عالم آخر مشحون بالتوتر والتوجس من تضخم المشاكل تتداعي أركانه يوما بعد اليوم هذا هو شكل الحياة الخاصة للمربية لويز، إذاً يتنقلُ الراوي العليم الذي هو وجه آخر من الذات الكاتبة بين حيوات لويز،  ويستبطنُ سرائر شخصيتها، إضافة إلى ذلك يمتازُ أُسلوب الكاتبة بالتناوب بين المشاهد بحيثُ لايسترسلُ السردُ في رصد موقف معين إنما يتحولُ من مشهد إلى آخر بعدما يصحَبُك الراوي في رحلة أسرة (بول) إلى اليونان برفقة المربية والإستجمام في جزيرة سيفنوس سينطلقُ الراوي من وجهة نظر السيدة روزغرينرغ لوصف شخصية لويز والإنطباع الذي ستأخذه منها بساعات قبل وقوع الحادث، كما يتضحُ في السياق نفسه مصير إبنة المربية (ستيفاني) التي هربت إلى الجنوب ويُذكرُ سبب إختفاء ستيفاني فوجودها لم يعجبْ زوج الأمِ جاك مع أنها أخذت تساعدُ الأم في بعض الأمور الخاصة برضاعة الأطفال،  أخيراً تغادرُ هذه الأجواء الخانقة، مُثيرة السؤال هل تنجح  في صناعة حياة أخرى مغايرة لما تعيشهُ الأمُ؟ بهذا يكون الضوءُ مُركزاً على شخصية لويز وعلاقاتها مع فرانك الرسام الذي أبى الإقرار بإن سيتفاني إبنته من المرأة التي تخدمُ أُمه العجوز جونيفيف بل هو نصح لويز بإسقاط الجنين،  زدْ على ذلك فإنَّ الكاتبة تُمرر المواقف التي تَنُمُ عن الشعور بالإستعلاء لدى الأُسر التي تشتغلُ لديها لويز،  فآل روفيي لايعجبُ لهم وجود ستيفاني إبنة المُشغَلة في بيتهم ولا إختلاطها بإطفالهم كما يتضايقون عند رؤية أمارات الشعور بالإستمتاع بادية على ستيفاني كأن الإستمتاع ليس مهنة لهذه الطبقة المسحوقة، ضف إلى ذلك ماتم إيراده في سياق هذا العمل من مقاطع سردية بصيغة خبرية كلها تهدف إلى إبانة التناقضات التي تُفندُ صحة الصورة التي تخليناها عن الغرب بإعتباره قطعة من الفردوس.
 
بابل حديثة
بما أنَّ لويز تستقطبُ إهتمام المتلقي وتظل محوراً لكل الوحدات السردية لذا ما إنفكَّ السؤالُ عن الدافع وراء إرتكاب الجريمة يشغلُ ذهن القاريء وذلك يعتبرُ عاملاً للحفاظ على عنصر التوتر الدرامي طوال الرواية إذ أنَّ شبح الجريمة يلوح في تلافيف كل مفصل،  وما تندمجُ في بناء القصة الأساسية من قصص أخرى مثل ماترويه وفاء عن رحلتها من الرباط إلى باريس وعملها في أحد الفنادق ومن ثم زواجها التمويهي  بيوسف للحصول على مستندات ضرورية لمطالبة بالجنسية الفرنسية، إذ إختارت الكاتبة الحديقة كونها مكاناً مفتوحاً وعاماً للقاء بين وفاء ولويز  وغيرها من المربيات من الأجناس والألوان المُخْتَلِفة بحيثُ تبدوالحديقة بابل العصر الحديث وسوقاً للبحث عن المربيات،  كل ذلك يُقربُك أكثر من الحدثِ الذي يستندُ إليه البرنامجُ السردي، كما تعولُ الكاتبةُ على مشاهد وامضة لتعزيز القناعة بتفاقم ظاهرة التمييز العنصري حيثُ يتعجبُ أفرادُ أسرة بول حين مصادفتهم لويزفي الشارع تمشي لوحدها وتنظر إلى واجهة المحلات مايعني أن هؤلاء لايتصورون وجود حياة أخرى لمربيات خارج مايحددونه لها في منازلهم، كما تتعرض لويز للتوبيخ من صاحب المنزل الجشع الذي يستغلُ المغتربين بطريقة أخرى، تتراكم المشاكل ما ينعكس على طبيعة العلاقة بين مريم ولويزهذا من جانب وماتمرُبه المربية من سوء الأوضاع والإحتقان النفسي من جان آخر.يقودكَ من جديد إلى النقطة التي إنطلقت منها الرواية، إذ تبدأُ النقيبة نينا دورفال في شارع هوتفيل بإعادة تمثيل الجريمة،  ولحظة مقتل ميلا على يد المربية التي كانت تُهْدهدُ بأغنياتها الطفلين قبل أن يدفع بها الغضب الثاوي في أعماقها إلى دائرة الإجرام،  تُحسبُ للكاتبة دقة الإختيار للموضوع ومن ثُمَّ أبانت مشكلة لم يسبق لغيرها مُقاربتها بهذا الأسلوب المُكثف والمشوق كما برعت الكاتبة في توزيع مادتها بطريقة تولد فائضاً من المتعة أثناء قراءتها.
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات