GMT 14:09 2017 السبت 24 يونيو GMT 14:07 2017 الأحد 25 يونيو  :آخر تحديث

تداعيات... معمارية

د خالد السلطاني
الحظ متغيرات كثر في عمارة وعمران مدينة كوبنهاغن ،حيث اقيم. اتابع، بشغف مهني، تبدلات المشهد الحضري وتحولاته. واتعقب مقاربات عمارة مبانيه العديدة التى تظهر فجأة في افق المدينة المفتوح. اعتبر ذلك امراً عادياً، لما امسى حدثاً معمارياً مألوفاً لما يجري، الآن، في عموم المدن الاوربية.  ثمة "موجة" من التجديدات والتحسينات تطال جميع مناحي الحياة وخصوصا ما يتعلق بإعمار البيئة المبنية، القديمة منها والحديثة. ايكون ذلك بسبب فترة "السلام" الطويلة التى تعيشها غالبية الاقاليم الاوربية في الوقت الحاضر، ما اتاح لمثل تلك "الفورة"، لذلك  Boom من الازدهار والانتعاش غير المسبوقين لان تعطي ثمارها؟ ... ربما!
يمكن للمرء، والحالة هذه، ان يدرك ، بسهولة، من خلال ما يرى حوله من مبانِ جديدة ذات لغة معمارية مميزة، قيمة كثر من المقاربات المعمارية المعاصرة، ويتعلم خصائص عديد التيارات المعمارية "العاملة" في المشهد المعماري المعاصر.  لكن علينا القول ايضا، بان غالبية تلك التصاميم، او بالاحرى "لغة" تلك التصاميم، تتبع ما هو سائد في الخطاب: الاشكال الحافلة بالالتواءات والخطوط والزوايا المائلة، والتشديد على "فرادة" التصميم و"ايقونيته"واختلافه الكبير عن السياق، سياق البيئة المبنية المجاورة! غالبية تلك المباني "الجديدة" تسعى وراء خلق مثل تلك الاشكال هي التى، عادة، تكون حافلة بالتشظي والميلان والانحدارات والتشوّش والتعقيد، مع الاهتمام الزائد لحضور "الدهشة" لما هو مشيد و"مبتدع"! مع غض الطرف عن إثارة تساؤلات "منطقية" لكيفية "الأداء الوظيفي" في مثل تلك الاحياز او العيش فيها، ناهيك عن التغاضي التام عن امكانية التنبيه عن "الجدوى الاقتصادية" لمثل تلك الاشكال المعقدة والمكلفة، عموماً، ايضاً! 
لكن مع هذا، مع هذا الفيض المفرط لتلك الاشكال الحاضرة بقوة في المشهد المبني، والتى باتت اشكالها "مالوفة"، رغم عدم مألوفيتها، فان رؤية عمارة "آخرى": مختلفة ومتباينة عن تلك الاشكال يغدو "حدثاً" لافتاً، وحتى ... ممتعاً في آن! وعن تصميم معماري بوسط كوبنهاغن، اراه نموذجاً لمثل هذا الحدث المبني، أود ان اتحدث لكم عنه، ولو باختصار. 
انه تصميم <روضة اطفال>، يعود تاريخ تنفيذه الى 2015، خاص لمنتسبي متحف "غلوبتوتيك" Glyptotek الفني، المعروف على نطاق واسع في العاصمة الدانمركية. يقع مبنى الروضة بجوار مبنى المتحف، ويفصله عن الاخير شارع  غير كثيف الحركة. ما يميز المبنى معماريا "لغته" التصميمية المختارة له. انها كتلة بيضاء ذات فورم هندسي منتظم، وبفتحات تتسم على اشكال هندسية متسقة، تستدعي بمجملها لغة "الثلاثينات": لغة "مباني لو كوربوزيه "البيضاء" الزاخرة، يوما ما، بالفورمات الهندسية المنتظمة. بيد ان المبنى الكوبنهاغني  يمتلك حداثته، عبر التأويل الذكي لتلك اللغة "الماضوية" ومفرداتها التكوينية.  يشتغل المعمار، بجد، على حضور، يتوق ان يكون طاغياً، لمفهوم "الصلادة" في مفردات الحل التكويني لمبناه. من هنا يمكن تفسير وجود سطوح الجدران المصمتة الواسعة والمهيمنة في لغة عمارة المينى. فالمعمار يسعى لان يستخدم تلك الصلادة الصارمة "كحاجز" يفصل احياز مبناه عن "ضجيج" الشارع المجاور، ومن ناحية اخرى ينزع لان تكون نوعية عمارة مبناه استثنائية ضمن سياق البيئة المبنية. بيد ان تلك "الاستثنائية"، تبقى (او يراد لها ان تبقى!) ودودة، وغير عدائية للبيئة المجاورة. انه بقراره هذا، يذكرنا، بالبساطة والتواضع المجبولة بهما الشعوب الإسكندينافية، اللتين باتتا تمثلان طابعا مميزا للسلوك وللقيم الاخلاقية هنا. 
يدرك المعمار ان سطوح المبنى الواسعة البيضاء، المحفور بها فتحات عميقة كناية عن شببيك وابواب، لا يمكن لوحدها ان تجعل من عمارة المبنى ، عمارة لافتة ومميزة. ولهذا فانه يلجأ الى اعتماد "التضاد"، الذي اشتغل عليه بحذق وبمهنية عالية لبلوغ تأثيرات، يمكن لها ان تضيف قيما جمالية لمبناه. ولهذا فانه يستخدم الطابق العلوي، ويفرغ قسما كبيراً من كتلته، ويمنحها الى احياز ترفيهية ولعب اطفال الروضة، جاعلا التركيب الانشائي لهذا "التفريغ" معتمدا على نظام انشائي خفيف قوامه اعمدة حديدية ترفع الواح تسقيف مصنوعة هي الاخرى من الحديد. وبالتالي فنحن ازاء منظومة تركيبية مثيرة، تجمع بين دفتيها عناصر الانشاء الخفيفة في الجزء الاعلى من المبنى مع "ثقل" صلادة سطوح المبنى الآخرى؛ ما يضيف الكثير الى فرادة اللغة المعمارية المختارة، واكسابها قوة تأثيرية مضافة، ولكن مع "الحرص" والتذكير، مرة آحرىـ في ان قيمة الابداع المعماري المشغول يمكن له ان يكون "راية" معمارية مميزة، لكنها راية ضمن "رايات" عديدة منسجمة فيما بينها، وغير طامحة لان تكون متفردة عن سياقها!
... ويبقى مبنى "روضة الاطفال" اياه، بصفاء كتلته البيضاء المنتقاة والحضور الهندسي المنتظم الفعال، والمقدرة على عمل "تأثيرات" بصرية مميزة في اقسام مختارة من المبنى، عن طريق عمل ارتدادات طفيفية في سطوح جدران المبنى، يبقى وكأنه "ريح" منعشة وطازجة، في غضم اشكال معمارية  ملتوية و"مفككة"؛ يراد بها ان تكون "عنواناً" لعمارة القرن الواحد والعشرين. كانت زهاء حديد (1950-2016) <المعمارة المشهورة، ذات الاصول العراقية>، تجادل كثراً من منتقديها لولعها الزائد في توظيف الاشكال الملتوية والمتشظية، المعتمدة على زوايا غير قائمة، بقولها باننا نمتلك اضافة الى زاوية تسعين درجة ، ثمة زوايا اخرى عددها 359 زاوية ، يتعين ايضا ان نستخدمها، وان لا ننساها! 
الآن، عندما وصلنا الى "تخمة" استخدام تلك الزوايا، آن الآوان ان نتذكر بان ثمة  زاوية <تسعين> موجودة في الهندسة، يتعين هي الاخرى ان نتذكرها، وان "لا ننساها"! ومبنى "روضة الاطفال" الكوبنهاغني، حاله حال العديد من المباني المعتمدة على تلك الزاوية "القائمة" اياها، تذكرنا باننا لا نفقد شيئا كثيرا بعدم إستخدامنا لتلك الزاوية "الجميلة"، بل، وعلى الارجح، قد ... نمتلك عالما هندسيا رائعا باكمله! 
الصور التى التقطتها للمبنى مؤخرا؛ ربما تسعى الى ترسيخ ذلك الاستنتاج!
مشاهدة ممتعة
 
معمار وأكاديمي

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات