GMT 15:56 2018 الأحد 6 مايو GMT 8:41 2018 الأربعاء 9 مايو  :آخر تحديث
مشاهدات في الشارع الكندي

جاكلين سلام: المتسولات المحجبات في الشارع الكندي

إيلاف
 
لم يعد التسول في مدينة تورنتو الكندية مقتصرا على المدمنين على المخدرات والمشردين الذين بلا مأوى من الرجال والنساء، بل صار ملحوظا حضور نساء شرقيات يلبسن الحجاب والجلباب الطويل. نساء مسلمات يمارسن التسول بشكل يومي في تورنتو والضواحي. هؤلاء، ازدادت اعدادهم بشكل هائل بعد موجة الحروب في الشرق العربي. لماذا تتسول امرأة شابة تستلم من الحكومة مساعدات اجتماعية مادية تكفي للحد الادنى من المعيشة؟! فهناك بالاضافة الى الدخل الشهري المحدود بالطبع، مؤسسات خيرية مثل :بنك الطعام الذي يعطي بعض المخصصات لكل فرد يأتي اليهم ويطلب العون لأن دخله( دخلها ) لا يكفي. وذلك يتضمن الخبز الرز والسكر ...والمعلبات من خضار ولحوم وفواكه. 
بتصوري، مسألة الكرامة وعزة النفس تلعب دورا في قبول المرأة والرجل أن يجلس على الرصيف ويمد يده للمارة طلبا للمعونة. 
...
هناك شرائح متفرقة في تورنتو من المشردين الذين بلا مأوى والذين ينامون في الشوارع ، وبعضهم يموت في ايام البرد الشديد. هناك اراء تقول ان الدخل الذي تعطيه الحكمة لهم يصرف على المخدرات والكحول، وهناك اراء تقول: ان هذه الشريحة كسولة والاشخاص لا يريدون العمل، ولا يرغبون بالالتزام بمكان معين يدفعون اجاره شهريا. نساء يافعات شقراوات يجلس في الشارع للتسول والحصول على المال وبطرق لا تليق بالحضارة والانسانية الكريمة.
...
يحدث أن تمشي في الشارع فيبتسم لك المتسول ويدعو الله ان يكون نهارك جميلا. بعضهم لطيف ويصطحب معه كلبا غالي الثمن. يكفي ان يكون عندك كلب كي يتوقف الارة لالقاء التحية والتوود لك وللكلب، وحينها يكون نصيبك جيدا. امتلاك الكلب كوسيلة للفت انتباه العالم الغربي المتعاطف مع أفراد حديقة الحيوان بشكل قوي. 
...
متسولة وقحة: هذه المرأة التي تمارس التسول كمهنة يومية، اراها على الغالب تستقل الباص منذ الصباح كي تذهب الى داون تاون تورنتو وهناك تمارس مهنتها. تحمل كأس قهوة وتبتسم وهي تطلب ثمن وجبة طعام او أجرة باص. أعرفها من شعرها الطويل الأبيض الذي تربطه الى الخلف، وجاكيتها الاخضر الذي يحمل زيوتا واوساخا لها رائحة واخزة. 
في أحد الأيام كنت أقف بانتظار وصول الباص، وفيما كنت انتظر ان تتغير الاشارة كي أقطع الشارع في 10 ثواني، توقف سائق الباص ينتظرني كي أعبر. حين صعدت الباص، امتعضت تلك المرأة المتسولة بصوت مسموع وهي تقول: لا يجوز هذا يا سائق الباص، لقد تأخرنا؟ 
نظرت اليها بدهشة وقلت بصت مسموع: أنتِ تعترضين؟! يبدو مستعجلة على تسول الدولارات، لقد تأخرتِ أقل من نصف دقيقة عن العمل!
انطلق الباص. وبدأ عملها في اول مترو يتجه الى الغرب. في احد المرات ونحن نعود مساء من العمل، انا والمتسولون وغيرهم، سمعت تلك المرأة تتبادل الحديث مع شلة من أصحاب المهنة، كانت تقول: لقد وصلت الى الستين من العمر، وتعبت من هذا العمل. لم يعد التسول سهلا في هذه المدينة وخاصة في الشتاء ومع التقدم في العمر. صارت المنافسة شديدة في السنوات الاخيرة!
امرأة شاب متسولة أخرى، كانت تحاول ان تجعل ثدييها ثدييها بارزتين، وبنظالها قصيرا ويظهر الكثير من جسدها الرخيص كخرقة بالية. وقفت تقبل صديقها وتتكلم بصوت عال. 
...
اخر امرأة متسولة استوقفتني وطلبت نقودا حين كنت عائدة من العمل مساء. قالت: أنا حامل، وجائعة وأريد طعاما، من فضلك؟ 
شعرتُ بالاسى ومددت يدي الى حقيبتي كي أعطيتها بعض الدولارات، فسمعتها تقول لي: وجبة الدجاج ثمنها 10 دولار. نظرت اليها بدهشة وعصبية وقلت: لاااا، عن جد، اغربي عن وجهي وخذي ما في يدي وفقط. 
...
مسألة عمل النساء، وتسول النساء، وحقوق النساء تأخذ مساحة من انتباهي ومشاهداتي ومتابعتي لما يحدث في هذا الشارع والعالم. يبدو أن التسول في كندا حق مشروع وخيار له بالتأكيد شروط معينة، منها الا تكون وقحا وأنت تطلب النقود. 
الجياة هنا ليست نزهة. أما فكرة ان الدولارات معلقة بالاشجار وكلما داعبتها الريح تسقط حفنة من الدولارات في حضن الكسالى، فتلك اسطورة قديمة فقدت بريقها. 
 
جاكلين سلام: شاعرة وكاتبة ومترجمة سورية- كندية
 

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في ثقافات