ظل حزب العمال الكردستاني منذ نشأته في أواخر السبعينيات من القرن الماضي شوكة في خاصرات الحكومات التركية المتعاقبة.

فقد شن الحزب، الذي نشأ في بدايته بأيديولوجية ماركسية لينينية، صراعا مسلحا ضد الحكومة التركية منذ عام 1984 وذلك في إطار مساعيه للحصول على دولة مستقلة للأكراد في تركيا.

ولقي أكثر من 40 ألف شخص حتفهم منذ اندلاع الصراع بين الطرفين الذي وصل إلى ذروته أواسط تسعينيات القرن الماضي.

ودُمرت آلاف القرى الكردية في جنوب شرقي وشرقي تركيا، مما اضطر مئات الآلاف من الأكراد للنزوح إلى اجزاء اخرى من تركيا.

غير أن حزب العمال تراجع عن مطلبه الأولي باستقلال المناطق الكردية داخل تركيا، وصار يدعو إلى حصول الأكراد الأتراك على الحكم الذاتي.

وتلقى الحزب ضربة قاصمة عام 1999 باعتقال زعيمه عبد الله أوجلان، وسجنه في تركيا بتهمة الخيانة.

وطلب أوجلان في عام 2013 بوقف إطلاق النار وحث الحزب على الانسحاب من المناطق التركية، في اعلان وصفه "بالتاريخي".

ويصف مراقبون الإعلان بأنه شكل خطوة مهمة في سبيل إنهاء الصراع، لكن الاختبار الحقيقي كان في تطبيق ذلك الإعلان.

لكن وقف اطلاق النار انتهى عام 2015 عندما شنت تركيا غارات جوية ضد معسكرات حزب العمال الكردستاني شمالي العراق.

&

لا يزال الأكراد يخرجون في مناسباتهم للمطالبة بالإفراج عن أوغلان - صورة أرشيفية من ستراسبورج في فرنسا عام 2015

تصاعد العنف

لم تكن دعوة أوجلان هي المرة الوحيدة التي يدعو فيها الحزب إلى هدنة لوقف اطلاق النار.

فقد طرح الحزب بعد القاء القبض على أوجلان مبادرة لوقف اطلاق النار من جانب واحد لمدة خمس سنوات، واتخذ عددا من الخطوات في محاولة لتغيير صورته وتوسيع رقعة شعبيته.

وهذا ما حدا به إلى تغيير اسمه عدة مرات قبل أن يستقر على تسمية حزب العمال الكردستاني، مرة أخرى.

كما خفض الحزب سقف مطالبه بدعوة انقرة إلى السماح له بالانخراط في العملية السياسية في تركيا.

كما طالب بمنح مزيد من الحقوق الثقافية لأكراد تركيا الذين يُقدر عددهم بـ 15 مليون نسمة، إضافة إلى الافراج عن أعضاء حزب العمال القابعين في السجون التركية.

ووردت أنباء بشأن حدوث انقسامات داخل الحزب.

وتصنف تركيا، شأنها شأن العديد من البلدان الغربية، حزب العمال بانه منظمة إرهابية، ومن ثم رفضت الدخول في مفاوضات معه، لكنها عرضت منح عفو محدود عن اعضائه.

غير أن حزب العمال استأنف حملته المسلحة عام 2004 والتي استمرت حتى عام 2009 عندما بدأت مفاوضات سلام سرية أعلن الحزب بعدها عن وقف لإطلاق النار.

وفي نفس العام حظرت المحكمة الدستورية في تركيا الحزب الكردي الرئيسي في البلاد وهو حزب المجتمع الديمقراطي بناء على مزاعم بوجود علاقة بينه وبين حزب العمال الكردستاني.

كما حوكم المئات من الناشطين الأكراد بموجب قوانين مكافحة الإرهاب ولا تزال تلك المحاكمات مستمرة وتعرض الكثير منهم للسجن.

ومعظم من سُجنوا هم من المنتمين لاتحاد المجتمعات التركية KCK، وهو تجمع يعمل كمظلة تضم مجموعات سياسية ومسلحة ضمن الحركة الكردية، بما في ذلك حزب العمال الكردستاني.

وتعرضت تلك المحاكمات للانتقادات من قبل مجلس أوروبا ومنظمات حقوق الإنسان، بما فيها منظمة العفو الدولية.

وتشير تلك الجهات إلى غموض تعريف الإرهاب في قوانين مكافحة الإرهاب، والذي يستخدم لإلقاء القبض والبقاء لفترة طويلة دون محاكمة تتراوح من 6 أشهر إلى عدة سنوات، والافتقار إلى أدلة حقيقية للقبض على الأشخاص.

محادثات سرية

جرت محادثات سرية رفيعة المستوى في الفترة من 2009 إلى 2011 بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية في العاصمة النرويجية أوسلو.

إلا أن تلك المحادثات انهارت بعد الاشتباكات التي وقعت بين الجنود الأتراك وحزب العمال الكردستاني في يونيو/ حزيران عام 2011، والتي أسفرت عن مقتل 14 جنديا تركيا.

والقت تركيا باللوم على حزب العمال الكردستاني ، بينما قال الحزب إن رجاله كانوا يدافعون عن أنفسهم ضد هجوم للجيش التركي.

كما قال الحزب إن المفاوضات فشلت أيضا بسبب العمليات التركية العسكرية المستمرة ضده، ومحاكمة المئات من النشطاء الأكراد منذ عام 2009.

وبعد فشل المحادثات، تصاعد الصراع ووقعت بعض أعنف الاشتباكات خلال 3 عقود.

وتصاعدت حملة حزب العمال الكردستاني إلى مستو جديد بشن هجمات ضخمة في مناطق حضرية جنوب غربي شرقي تركيا بالإضافة إلى أقامه مناطق تفتيش على الطرق.

كما أضرب مئات السجناء من السياسيين الأكراد عن الطعام في اكتوبر/ تشرين الأول عام 2012، مطالبين بظروف معيشية أفضل لأوجلان وبالحق في استخدام اللغة الكردية في القضاء والنظام التعليمي.

واستمر الإضراب عن الطعام لمدة 68 يوما وانتهى بعد أن حثهم أوجلان على التوقف عنه، وهو ما أظهر أنه لا يزال الشخص الأكثر تأثيرا في الحركة الكردية.

وفي 31 ديسمبر/ كانون الأول عام 2012، أعلن رئيس الوزراء التركي، آنذاك، رجب طيب أردوغان عن مفاوضات سلام مع أوجلان في سجن أمرالي الذي يحتجز فيه.

انفجار في منطقة ديار بكر الكردية أدى إلى مقتل عدد من ضباط وافراد الشرطة الأتراك في مارس/ آذار عام 2016

وفي فبراير/ شباط طلب أوجلان بالافراج عن السجناء لدى كلا الجانبين.

وأطلق حزب العمال الكردستاني سراح ثمانية جنود أتراك والمسؤولين الذين كانوا يحتجزونهم في شمال العراق، حيث يحتفظ بقواعد له.

لكن الحرب في سوريا، ودور الأكراد في الحرب ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" زاد من التوتر بين تركيا وحزب العمال الكردستاني.

وفي يوليو/ تموز عام 2015 أدى تفجير انتحاري نفذه تنظيم "الدولة الإسلامية" إلى مصرع 32 شخصا معظمهم من الأكراد في مدينة سوروج، داخل الحدود التركية المواجهة لبلدة عين العرب، كوباني، في سوريا.

وحملت الجماعات الكردية الحكومة التركية مسؤولية عدم القيام بما يكفي لاحباط عمليات تنظيم الدولة ضدهم، وبعد ذلك بأيام تبنى حزب العمال الكردستاني مسؤولية قتل اثنين من رجال الشرطة في في بلدة شانلي أورفا وهي أحدى كبريات المدن الكردية.

وفي استعراض للقوة، شنت تركيا، غارات جوية ضد مواقع تنظيم الدولة في سوريا ومواقع تنظيم الدولة في العراق.

وأعلن الحزب بعد ذلك إن تلك الضربات أنهت مفاوضات السلام بين الحزب وتركيا.