GMT 15:00 2016 الأربعاء 17 أغسطس GMT 15:18 2016 السبت 20 أغسطس  :آخر تحديث
هل تكتب للإنسان حياة طويلة؟

علماء يجربون خداع الشيخوخة

ساره الشمالي

إيلاف من دبي: يقصر مايكل راي استهلاكه الغذائي اليومي 1900 سعرة حرارية، أي 600 سعرة أقل من المستوى المطلوب. فيفطر طبقًا كبيرًا من السلطة، وقطعة من المافن محددة الوزن. وعلى الرغم من أن عدد السعرات الحرارية لا تتجاوز في هذا الفطور 100 سعرة، فإنه يمدّ راي بنحو 10 في المئة من غدائه الأساس. يتألف الغداء من حساء الخضار، وقطعة أخرى من المافن، بينما يختلف العشاء من يوم إلى آخر، فاليوم عشاؤه فطر بورتوبيلو مع الباذنجان ونبات المريمية، إلى القليل من النبيذ الأحمر. إنه النظام الغذائي الذي اعتمده راي منذ 15 عامًا. 

تقيد السعرات

يبدو أن نظام تقييد السعرات الحرارية يخفض خطر الاصابة بالسرطان وأمراض القلب، ويُبطئ تهالك الخلايا العصبية، ويساهم في تطويل العمر. ويظن راي، الموظف في مؤسسة تعنى بمحاربة الشيخوخة في كاليفورنيا، أن ما يصح على القوارض يصح على البشر، ومن هذا المنطلق يمنحه هذا النظام 7 أعوام إلى 15 إضافية ليحياها. إلا أن هذا الافتراض يفتقر إلى تجارب عيادية تدعمه، على الرغم من أن راي يقول إن متابعي نظام تقييد السعرات الحرارية يتمتعون بضغط دموي مشابه لضغط ولد في العاشرة من عمره، وبأوعية دموية صحيحة جدًا. 

يبدو "الشعور العميق بالصحة" الذي يراود راي (45 عامًا) تعويضًا ملائمًا له عن الحرمان الذي يحياه. إلا أن نظامه الغذائي، وما يؤمنه من تمديد الحياة بحسب ما يظن، ليسا إلا وسيلتين مؤديتين إلى غاية في نفسه، إذ يظن أن التطور الطبي الذي لن يؤخر الشيخوخة فحسب، بل سيوقفها أو يقلب مسارها، سيكون متوافرًا في مستقبل ليس ببعيد. وإن كان تقييد السعرات سيتيح له الاستفادة من هذا النظام الأعجوبة، فيمكن أن تتحول سنوات من الحرمان إلى عقود إضافية تُكتب له ليحياها. حتى أنه يمكن أن يبلغ ما يصفه دايف غلوبل، رئيس مؤسسة ميتوسيلاه الخيرية لأبحاث الشيخوخة، بعبارة "العمر ينجو من أثر مرور الزمن"، وهي نقطة يزيد فيها متوسط العمر المتوقع أكثر من عام، في كل عام. وهذا ما يظنه راي طريقًا إلى الخلود.

 

 

تلاعب علمي

يبقى هذا الأمر كله عرضةً للتشكيك. إلا أن النظام الغذائي المعتمد على تقييد السعرات الحرارية ما زال بعيدًا عن وسمه بأنه السبيل الى حياة أطول. فنتائج تجاربه على الحيوانات تؤكد أن الشيخوخة ليست تراكمًا للشوائب الجسمانية فحسب، إنما هي ظاهرة قائمة بذاتها، يمكنها أن تقع تحت سطوة الجينات، وتحت تأثير البيئة المحيطة بالإنسان. لكنها ربما تتعرض للتلاعب في عالم العلم، إن من خلال تغيرات بيئية أو من خلال الجينات الوراثية، وذلك بحسب تقرير مطول نشرته "إيكونوميست" البريطانية.

ربما يؤدي أي علاج معتمد على هذا التلاعب إلى تحسين فرص الحصول على حياة أطول وأكثر صحة من خلال أساليب معينة، بعد فشل العقاقير الموجهة لعلاج أمراض معينة. تقول إيلين كريمينز، الباحثة في جامعة جنوب كاليفورنيا في لوس أنجيليس، إن من شأن القضاء التام على أمراض القلب والأوعية الدموية أن يضيف 5.5 سنوات فقط إلى متوسط العمر المتوقع في أميركا، والحد من الموت بسبب السرطان يضيف 3.2 سنوات فقط، فالأمراض تتنافس لقتل الناس مع تقدمهم في السن. ووفقًا لكريمينز، زيادة متوسط العمر المتوقع إلى 95 عامًا وما بعدها تتطلب نهجًا كاملًا من السلوك الصحي.

مرضٌ؟ ليست مرضًا؟

ما يبطئ سيرورة الشيخوخة ربما يلائم الميزانية. وإن أبطأ حصول سلسلة من الأمراض المتصلة بالشيخوخة، فإنه قادر على الحد من العجز الذي يرافق الكبر. بحثت دراسة طويلة الأمد في جامعة نيوكاسل في صحة وشيخوخة نحو 1000 من المتطوعين للخضوع للتجربة، والذين بلغوا اليوم 85 عامًا. عند هذه النقطة، واجه هؤلاء بين 4 إلى 5 مشكلات صحية، لا يخلو أي منها من المرض.
 
قبل أن يكتشف العلماء إن كانت العقاقير المضادة للشيخوخة قادرة على فعل فعلها، يحتاج الباحثون إلى حل "لغز تنظيمي شاق". 

 

 

ولا ترى الوكالات التي تسمح ببيع العقاقير أن الشيخوخة في حد ذاتها "إشارة" تستدعي العلاج بالضرورة. فالجميع يتقدم في العمر ويشيخ، ما يصعب التفكير في الشيخوخة كمرض يبحث عن علاج. ما لم يتم التعامل مع الشيخوخة كمرض صريح، لن تحصل أدوية مكافحة الشيخوخة على موافقة الجهات الضامنة. والحافز للعمل على الأدوية التي لا يمكن بيعها معدوم.

ميتفورمين ورابامايسين عقاران موجودان حاصلان على موافقات الجهات الضامنة، يستخدم الأول لعلاج السكري على نطاق واسع، بينما يوصف الثاني لتخفيف مقاومة الجسم لأي عضو مزروع، إلا أن بعض الباحثين يظن أن لهما أثرا فاعلا في مكافحة الشيخوخة أكثر من عقاقير أخرى توصف لتقييد السعرات الحرارية. وفي عام 2004، وجدت دراسة شملت 90 ألف كهل مريض بالسكري أن من استخدموا ميتفورمين تمتعوا بنسبة أعلى من الصحة من غيرهم. كما بينت تجارب أخرى أثر هذا العقار في خفض نسبة الاصابة بمرض السرطان.

جهات ضامنة

ينوي العلماء في مؤسسة أبحاث الشيخوخة في كلية ألبرت أينشتاين الطبية في نيويورك متابعة التجارب على عقار ميتفورمين، بقياس أثره في الكهول لمعرفة إن كان يؤخر أمراضًا أخرى (ويؤخر الموت). إن صح ذلك، ينبغي العمل الجدي لإظهار أنه يمكن تعديل سيرورة الشيخوخة بالعقاقير. يقول نير بارزيلاي، أحد المشاركين في الدراسات الجارية في هذا المضمار، إن الدافع الأساس لتنفيذ هذه التجارب هو كشف المؤشرات التي تدل على العقاقير التي يمكن أن يقوّمها ناظمو الجهات الضامنة.

لكن... إن كان نظام غذائي لا يحتاج إلى تنظيم يفي بالغرض، فلم الحاجة إلى العقاقير؟ ثمة ثلاثة أسباب: أولًا، تناول بعض الكبسولات يوميًا أسهل من استهلاك أغذية محددة؛ ثانيًا، تربح الشركات من صناعة الأدوية وبيعها أكثر؛ وثالثًا، ربما تكون الكبسولة أفضل من النظام الغذائي وأفعل.

يقف بارزيلاي في صف العقاقير مقابل الأغذية، وهو يقول إن تقييد السعرات الحرارية أقل فاعلية في بعض الناس، وإن الناس الذين يتمتعون بنسبة كتلة جسمانية منخفضة، وهذا طبيعي في من يتحكمون باستهلاكهم من السعرات الحرارية، هم أكثر عرضة للوفاة. ومن ينجحون في تقييد سعراتهم الحرارية، بحسبه، يستفيدون من التبدلات الجينية. وهو يأمل أن يستفيد الجميع من العلاجات الموجهة.

مؤثرات جانبية

تكشف التجارب أن في الحالات التي ينجح فيها تقييد السعرات الحرارية على الحيوانات، تتحول الخلايا من نظام غذائي يركزون فيه على إصلاح أنفسهم بأنفسهم كي يشيخوا أبطأ. ويبدو أن العقاقير المؤثرة في الشيخوخة تفعل المفعول نفسه. 

يستهدف ميتفورمين في عمله عددًا من متلقيات الهرمونات التي تتأثر أيضًا بتقييد السعرات الحرارية، بينما يعمل رابامايسين على مسار يستقي اسمه من بروتين هو "هدف رابامايسين"، اسمه "أم تور". إن الحد من وظيفية أم تور يمدّ الحياة في الخمائر والديدان والذباب. وقالت دراسة ظهرت في عام 2009 أن تجارب مخبرية عديدة بينت أن رابامايسين يمكن أن يطيل حياة الفئران بنسبة 14 في المئة.

يقول ألكسندر زافورونكوف، رئيس إنسيليكو ميديسين التي تعنى ببحوث تطويل الحياة، إنه يجرب عقار رابامايسين على نفسه، إلا أنه يؤكد ضرورة أن يتمتع المرء بالمعرفة الكافية في حقل الطب الاحيائي ليتجنب المؤثرات السلبية التي يمكن أن تطرأ من استخدامه.

ثمة عقاقير أخرى مشابهة، لكن بتأثير جانبي أقل حدة، أحدها "ريسفيراترول" الذي أثار شهية الباحثين على البحث بعدما منع الفئران من الشيخوخة، شرط أن لا تكون بدينة جدًا. ويبقى هذا العقار تحت الدرس كعلاج لمرض ألزهايمر.

لن يطيل عمرًا

بحسب تقرير إيكونوميست، تستخدم إنسيليكو ميدسين آلةً تستكشف عددًا هائلًا من بيانات الجينوم من أجل استكشاف الفوارق بين أنسجة الشباب والكهول، واستكشاف نمط التطور الجيني مع التقدم في العمر، ثم البحث في بيانات العقاقير عن جزيئات يمكنها أن تمنع أثر الجينات.

في عام 2013، أطلق غوغل شركة كاليفورنيا لايف (كاليكو) لمقاربة مسألة الحد من الشيخوخة، مستثمرة 750 مليون دولار، وقد أعلنت سلسلة من اتفاقيات التعاون، في مقدمها اتفاق يدوم 10 أعوام مع شركة آبفي AbbVie الصيدلانية التي تركز على أمراض السرطان  وتأكّل الخلايا العصبية.

إن التأكل هذا يؤدي إلى إعادة إحياء الخلايا العصبية، لكن الجميع يعرف أن تطبيق هذا المبدأ لن يطيل عمرًا. وفي أقصى حد، ربما تبطئ الشيخوخة أكثر من الطبيعي، وهذا يعني أن مد الحياة إلى 120 عامًا ليس بالأمر الحاصل. ويعني التطور في العلاج الدوائي أن في العالم اليوم كهولا في تسعيناتهم أو تخطوها. إلا أن أحدًا لم يبلغ 130 عامًا بعد.

يقول تقرير إيكونوميست إن ثمة إمكانية تأكّلية أخرى، تنتج من مساعٍ إحيائية في حيوانات مسنة بعد حقنها بدماء شابة. وبدأت شركة أمبروزيا، ومقرها مونتيري، حديثًا تجاربها الخاصة لعلاج على مشاركين أصحاء دفع واحدهم 8 آلاف دولار ليشارك في هذه التجارب. يقول نقاد هذه التجارب إنها لن تسفر عن أي نتائج ملموسة.

أعدت "إيلاف" هذه المقالة عن "إيكونوميست" على الرابط الأتي

http://www.economist.com/news/briefing/21704788-fight-cheat-death-hotting-up-adding-ages?frsc=dg%7cc


في أخبار