يرى محللون أن اتفاق الهدنة حول سوريا منقوص ويشكل تراجعًا أميركيًا وغربيًا لمصلحة روسيا، التي سيشكل التعاون معها ببساطة دعمًا للأسد، كما إنه تغافل عن ذكر بنود عدة مهمة كملف المعتقلين والميليشيات التي تحارب إلى جانب النظام.

إيلاف من واشنطن: رحّب العالم أجمع بوقف إطلاق النار في سوريا، الذي انتهى يوم الاثنين، من دون إعلان عن تمديده تعبيرًا عن الرغبة العارمة في رؤية نهاية للحرب.&

على النقيض من الاتفاقات السابقة، فإن الولايات المتحدة وروسيا حددتا اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بسبعة أيام، ليس للشروع في استئناف المفاوضات بشأن النزاع، وإنما لتنفيذ ضربات جوية مشتركة ضد كل الجماعات التي اتفقت الدولتان على أنها إرهابية. &

تنازل غربي
ورأى مراقبون أن الاتفاق يمثل تراجعًا من جانب الغرب، لأنه يعني أن الولايات المتحدة ستنفذ ضربات مشتركة مع روسيا ضد أعداء نظام بشار الأسد. &

يبقى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" هو أحد الأهداف، التي لا خلاف عليها، والجماعة الأخرى هي جبهة النصرة التي أعلنت إنهاء علاقتها بتنظيم القاعدة، وأعادت تسمية نفسها تحت مسمى "جبهة فتح الشام". &

وصرح وزير الخارجية الأميركي جون كيري في 9 سبتمبر في جنيف قائلًا "إننا يجب أن نستهدف هؤلاء الإرهابيين لكي لا يستطيعوا الاستمرار في استخدام قصف النظام العشوائي من أجل تعبئة الناس وراء جرائمهم المنكرة". &

تغافل جهود
ويبدو أن كيري أغفل ان جماعة "فتح الشام" هي التي أنهت حصار النظام للشطر الشرقي من حلب في اوائل اغسطس بهجوم مشترك مع فصائل من المعارضة السورية المسلحة.&

وأتاح هذا إدخال مؤن الى المدينة لبعض الوقت مؤديًا الى زيادة مفاجئة في شعبية فتح الشام داخل المدينة المحاصرة وغيرها من المناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة. وكانت الولايات المتحدة والأمم المتحدة والحكومات الاوروبية دعت الى انهاء الحصار، ولكن دعوتها لم تذهب أبعد من المناشدات. &

قال مضر النجار، وهو من ابرز القادة العسكريين الذين لم يغادروا حلب، لمجلة شبيغل الالمانية، "كيف لا أُقدّر ما حققته جبهة فتح الشام؟، فالسكان في حلب الشرقية كانوا كلهم يواجهون موتاً بطيئاً بتجويعهم، ولم يهمهم من الذي فك الحصار. انهم يريدون البقاء أحياء". &

أساس مبهم
وكانت واشنطن وموسكو أمهلت جميع فصائل المعارضة اسبوعًا لإنهاء علاقاتها بجبهة فتح الشام، وترك القواطع التي تسيطر عليها بصورة مشتركة مع الجبهة على خطوط القتال، وبخلافه فإنها تعرّض نفسها للقصف الجوي. اما من هم "الارهابيون" بنظر مركز التنفيذ المشترك للتنسيق الاستخباراتي والعملياتي بين روسيا والولايات المتحدة وطبيعة الآلية المعتمدة لفرزهم، فإن هذا كله يبقى مبهمًا. &

وقال مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الاميركية لمجلة فورين بوليسي "إن الروس والاميركيين سيجلسون في غرفة" لاختيار الأهداف المتفق عليها بصورة مشتركة. وتستطيع طائرات الأسد الاستمرار في استهداف جبهة فتح الشام "بضربات متفق عليها بين روسيا والولايات المتحدة"، كما اعلن كيري. &

وبعد ساعات على الاعلان، أصدر المتحدث باسمه تصويبًا، اكد فيه عدم وجود بنود في اتفاق وقف اطلاق النار تجيز لنظام الأسد تنفيذ غارات جوية جديدة. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من جهته إن طائرات النظام ستنفذ عمليات في المناطق التي لا يقصفها الروس أو الاميركيون.

لا نهاية للمعاناة&
ليس هناك ما يوحي بأن اتفاق واشنطن وموسكو سيؤدي الى نهاية لمعاناة السوريين، بل يكرر الاتفاق اخطاء المساعي السابقة بغياب أي شكل من أشكال العقاب، في حال منعت طائرات الأسد وصول المساعدات الانسانية أو استمرارها في قصف المناطق المأهولة والأسواق والمستشفيات بالبراميل المتفجرة وغاز الكلور. &

الأسد خلال جولة تفقدية في داريا بعد خروج المسلحين منها

كما سيحتفظ الأسد بالمكاسب التي حققتها قواته على الأرض كأمر واقع. الأكثر من ذلك، يرى محللون أن الضربات الجوية المشتركة من دون آلية رقابية، ومع ادارة اوباما التي تنتهي ولايتها في غضون اشهر، لا تعني إلا مزيدًا من التصعيد. &

تناسي المعتقلين
وخرجت روسيا من المفاوضات مع الولايات المتحدة بموافقة الأخيرة على كل مطالبها الأساسية. إذ سيبقي الأسد حصاراته التي يستخدمها لتجويع نحو مليون مواطن. كما أُغفل مصير 200 الف سجين يعتقلهم النظام في ظروف مروعة. &

ولم يأتِ الاتفاق الروسي ـ الاميركي على ذكر ميليشيات، مثل الحرس الثوري الايراني وحزب الله اللبناني وكتائب حزب الله العراقية، التي لديها آلاف المقاتلين الشيعة الذين يشكلون العمود الفقري لقوات الأسد على الأرض، علماً بأن هذه الميليشيات نفسها مدرجة على قائمة المنظمات الارهابية للحكومة الاميركية منذ سنوات.&

لا خطة أميركية&
على النقيض من تخبط واشنطن، كانت موسكو متقدمة خطوات في تخطيط تدخلها في سوريا. ونقلت مجلة شبيغل عن كايل اورتن، المحلل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط في جمعية هنري جاكسون، ان روسيا حددت ثلاثة اهداف لتدخلها في سوريا قبل عام هي انقاذ نظام الأسد المهزوز، وسحق قوى المعارضة التي يمكن ان تشكل بديلاً مقبولاً، وبذلك اعادة تأهيل الأسد، واخيرًا تحويل النجاحات العسكرية الى مكاسب سياسية تنسف العملية الانتقالية التي ينص عليها اتفاق جنيف 1. وبحسب اورتن، فإن ما حدث حتى الآن يتفق عمومًا مع هذا السيناريو.&

وحين بدأت روسيا ضرباتها الجوية زاعمة استهداف داعش، لكنها كانت في الحقيقة تقصف مواقع المعارضة السورية المسلحة التي تقاتل داعش وقوات الأسد، لم تحرك واشنطن ساكناً. وبدلا من استمرار الولايات المتحدة في تقديم الدعم لفصائل المعارضة المعتدلة التي تشكل بمجموعها قوات الجيش السوري الحر، فإنها خفضت هذا الدعم أقل فأقل، الى ان اوقفته بالكامل. وحتى عندما اصبحت جبهة النصرة تهدد فصائل معتدلة، مثل الفرقة 13 وحركة حزم، لم تفعل الولايات المتحدة شيئاً لحمايتها. &

انكماش المعتدلين
أتاح هذا توسع جبهة النصرة لأن الفصائل المعتدلة انكمشت بكل بساطة أو كما تحدث قائد عسكري في المعارضة لمجلة شبيغل من داخل حلب، قائلاً عن جبهة النصرة: "صحيح انهم هنا. ولكن لماذا؟، لأن لا أحد آخر غيرهم هنا. أين كانت الولايات المتحدة وروسيا؟، لم تكن الولايات المتحدة موجودة، والروس كانوا يقصفوننا. والآن الاثنان يقولان لنا "ثقوا بنا!".

فصائل المعارضة المتبقية لا ترفض الخطة الروسية ـ الاميركية، بل تلجأ الى المناورة، وهي تفعل ذلك للأسباب نفسها التي دفعتها الى التعاون عسكرياً مع مقاتلي جبهة النصرة، قبل ان تصبح جبهة فتح الشام، أي بدافع البرغماتية المحكومة بالضرورة. ومن السيناريوهات الجائزة في هذا الوضع أن الفصائل المعتدلة لن تفك ارتباطها بالجماعات المتطرفة ولن تصطدم بها. ويحذر محللون من أن مثل هذا الموقف سيكون بمثابة انتحار عسكري.&

في هذا الشأن، كتب الباحث الانغلو ـ اميركي المتخصص في فصائل المعارضة السورية تشارلس ليستر على فايسبوك "بعد أن تحدثتُ مع قياديين من عشرات الفصائل المسلحة خلال الاسابيع الأخيرة، أستطيع القول انه ما من قيادي واحد اشار الى أي استعداد للانسحاب من خطوط القتال التي توجد فيها جبهة فتح الشام. فإن هذا يعني بالنسبة اليهم التنازل عن مواقع للنظام". والأسد هو الرابح من الاتفاق بهذا الشكل أو ذاك. فإذا انقسمت فصائل المعارضة سيتمكن جيشه، وإن كان مضعضعاً، من السيطرة على مناطقها وإذا لم تنقسم ستقصفها طائرات التحالف الجوي بين روسيا والولايات المتحدة. &&

لا يمس النظام
إذا كان الهدف المعلن من الاتفاق هو إيجاد حل ينهي الحرب عن طريق المفاوضات ومنع انتشار التطرف بين فصائل المعارضة، فإنه يفعل العكس تماماً. ذلك أن الاتفاق لا يمارس أي ضغط على الأسد للجلوس الى طاولة المفاوضات. وما دام الحرس الثوري الايراني يمده بالمقاتلين، وروسيا تضمن له استخدام سلاحها الجوي عند الحاجة، فإنه يستطيع أن يحلم بتحقيق نصر عسكري،&ولكنه بدونهما لن يبقى طويلاً. &

وكتب الكولونيل الروسي السابق ميخائيل خودارينوك في تقرير أخيرًا أن جنود الأسد منشغلون في أخذ الرشاوى على نقاط التفتيش، فيما تنهض وحدات أجنبية ومرتزقة وميليشيات محلية بالعبء الأكبر من القتال. اضاف "أن من المستحيل كسب الحرب مع حليف مثل جيش الأسد" مقترحًا انهاء التدخل الروسي المباشر والابقاء على القواعد العسكرية فقط.&

خدمة مجانية للدعاية الجهادية
كان ضعف نظام الأسد احد الاسباب الرئيسة للتدخل الروسي المباشر قبل عام. ونجحت موسكو في استدراج واشنطن الى ضم قواها معها من خلال مركز التنفيذ المشترك، لأن هذا يعني أن الاميركيين ايضاً سيكونون مسؤولين سياسياً عن نتائج القصف الذي لا يعرف الجانب الاميركي طبيعة اهدافه بصورة مؤكدة. إذ سيُقتل متطرفون، ولكن سيموت معتدلون ومدنيون ايضاً. وعلى الأرض سيبدو وكأن الاميركيين تولوا مهمة القتل نيابة عن الأسد.&

هذا كله يقدم خدمة مجانية الى "الجهاديين"، الذين يروّجون منذ فترة طويلة للفكرة القائلة إن الحكومة الاميركية تريد بقاء الأسد، وأن كل الكلام السياسي ليس إلا ستاراً من الدخان. ومما يثير القلق أن تصريحات كيري والخطط المتفق عليها والهجمات الاميركية على اهداف في ادلب وحلب كلها تصب في خدمة هذا الادعاء.&

أعدت "إيلاف" المادة نقلًا عن مجلة شبيغل&

المادة الأصل موجودة على الرابط أدناه:

http://www.spiegel.de/international/world/a-1112605-druck.html


.