GMT 6:30 2017 الخميس 2 نوفمبر GMT 14:05 2017 الأحد 5 نوفمبر  :آخر تحديث
معهد واشنطن: المجتمع الشيعي اللبناني سائر نحو حرب طبقية

السخط على "حزب الله" يطال معقله في ضاحية بيروت الجنوبية

إسماعيل دبارة

رغم أنّ انخراط حزب الله في النزاع السوري وسّع دوره العسكري والسياسي اقليميا، إلا أنه عاد بالوبال على البيئة الشيعية في لبنان، والتي كشفت احتجاجات الاحياء الفقيرة فيها مؤخرًا سيرها الحثيث نحو صراع طبقيّ.


إعداد/إسماعيل دبارة: من النادر أن يتمرّد سكان الضاحية الجنوبية لبيروت على حزب الله، فالمنطقة تعتبر الخزان البشري الذي يزود حزب الله بالمقاتلين المنضبطين، الذين لا يغيرون ولاءهم بسهولة، فهم سنده الشعبي، والأرضية التي يقف عليها لبلوغ أهدافه.

وعلى غير المتوقّع، شهدت ضاحية بيروت الجنوبية، حملة تمرّد ضدّ "حزب الله" على خلفية إزالة بعض المخالفات في منطقة حي السلّم الفقيرة، ولم يتورّع بعض الشباب والنساء الغاضبين عن توجيه شتائم إلى أمين عام الحزب على شاشات التلفزة مباشرة، متهمين إياه بالاهتمام بسوريا، وإرسال الشباب للموت هناك، على حساب الوطن وأولويات الفقراء.

احتجاج نادر

بدأت الواقعة فجر 25 أكتوبر الماضي، عندما قامت القوى الأمنية اللبنانية بتنفيذ قرار "بلدية منطقة حي السلم" في الضاحية الجنوبية، بالتصدي لمخالفات تتعلق ببناء محال تجارية وأكشاك غير مرخّص لها.

أزالت الجرافات كافة الكافيتريات والأكواخ الموجودة في الحي، من ضمن حملة واسعة للتصدي للتجاوزات على الملك العام داخل المنطقة، إلا أن ذلك استفز الأهالي وأصحاب تلك المصالح، الذين اندفعوا غاضبين إلى الشوارع، وقاموا بإغلاق الطرقات بالإطارات المشتعلة استنكاراً لما حصل، قبل أن تنطلق موجة نادرة من السخط ضد الحزب.

هذه المرة، ظهر المحتجون على شاشات التلفزيون وهم لا يشتمون الحكومة بل "حزب الله" وأمينه العام السيد حسن نصرالله، الذي حمّلوه مسؤولية خسارة مصدر رزقهم، وما نتج عن الحرب في سوريا.

وبحسب ما نقلت الصحافة المحلية في لبنان، خاطبت إحدى النساء نصر الله بعد أن تم تدمير متجرها الذي كان مصدر دخلها الوحيد: "قدمنا ​​لك جميعاً شهداء في سوريا. لدَيّ ثلاثة أبناء أصيبوا بجروح، وهكذا تُعاملنا؟" وصرخ رجل آخر أمام الكاميرا: "لتذهب سوريا إلى الجحيم، مع حسن نصر الله!"

حماية مصالح المخالفين

المحلات التجارية التي تمّ هدمها، قائمة في الضاحية منذ عقود، وقد وفّر لها مقاتلو "حزب الله" الحماية من أي محاولات لإزالتها.

وفي لبنان، لا تتدخل السلطات الأمنية الحكومية في الضاحية الجنوبية مطلقاً إلا بعد التنسيق مع مسؤولي "حزب الله»"، وهنالك انطباع لدى الحكومة ولدى اللبنانيين أن حزب الله غالباً ما يسمح بالأعمال غير القانونية ويخفي المجرمين. غير أنه هذه المرة، لم يكلّف نفسه عناء إبلاغ السكان المحليين بحملة إزالة المخالفات التي ستستهدفهم.

أكشاك ومحلات بعد هدمها في حي السلّم

وفي التغطية الإعلامية للاحتجاجات غير المألوفة ضد حزب الله في معقله، وبينما نقلت محطات التلفزة الاحتجاجات مباشرة على الهواء، حمّل الأهالي حسن نصر الله مسؤولية ما حصل واتهموه بالتقصير، وقاموا بنشر تعليقات على صفحات التواصل الاجتماعي تتضمن الكثير من الشتائم والسباب التي طالت حزب الله وأمينه العام، كما انبرى شاب إلى توجيه شتائم وعبارات حادة على الهواء مباشرة طالت نصرالله شخصياً، متهما إياه بإرسال شباب الحزب للموت في سوريا، بينما ينسى الفقراء في لبنان، معتبراً أن كل «همّ نصرالله الوحيد هو المشروع الفارسي وليس لقمة عيش الفقير».

وأكد لقاء "نداء الدولة والمواطنة" أنّ "ما حدث في الضاحية الجنوبية لبيروت ليس مقبولاً بأي شكل من الأشكال، وهو حصل بتغطية من حزب الله وحركة أمل، وهما الطرفان اللذان يتحملان مسؤوليته بالدرجة الأولى".

واعتبر "اللقاء" الذي يضمّ شخصيات سياسية وإعلامية اجتماعية معارضة للحزب، أن "تعميم ثقافة المخالفات هي نتيجة إشعار حزب الله وحركة أمل كلّ مواطن شيعي وكلّ مقيم في الضاحية، بأنّه في منأى عن القانون تحت عنوان (كُن مع حزب الله وافعل ما شئت)، والسبب الأساسي هو إيهام الناس بأن الشيعة مواطنون فوق القانون، لمجرد أنّ بينهم من يقاتل في سوريا و(حزب الله) هو الذي أوهم الشيعة، أنّ الدولة ملك أيمانهم وأنّ القوانين وجدت للطوائف الأخرى".

طبقيّة تطل برأسها؟

في ورقة بحثية نشرها "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى"، تشير حنين غدار، وهي زميلة زائرة في زمالة "فريدمان" الافتتاحية في معهد واشنطن، ومديرة تحرير سابقة للنسخة الانكليزية لموقع NOW الإخباري في لبنان، إلى أنّ الطبقية صارت واقعًا في المجتمع الشيعي اللبناني، وأن قيادات كبيرة في حزب الله تتمتع بامتيازات "اقتصاد الحرب" الذي ظهر مع انخراط الحزب في الحرب السورية، مقابل تهميش كبير يتعرّض له شيعة لبنان الأكثر فقرا.

وتقول الباحثة في ورقتها: "ليس من قبيل الصدفة أن يحصل هذا التمرد الاستثنائي في أحد الأحياء الأكثر فقراً في الضاحية. وبقدر ما غيّرت الحرب السورية "حزب الله" من الناحية العسكرية ووسعت من دوره الإقليمي، فقد غيّرت أيضاً المجتمع الشيعي في لبنان وتصوراته عن الحزب. وأصبحت الانقسامات الطبقية في الضاحية أكثر حدة من أي وقت مضى - حيث توفر الأحياء الفقيرة المقاتلين في حين تستفيد أحياء الطبقتين المتوسطة والعليا والغنية من الحرب.

وفي حي السّلم، يُلاحَظ أن ملصقات "الشهداء" تغطي الجدران، وأن جنازات الشباب أصبحت حدثاً يومياً. فالحرب موجودة في كل بيت، حيث تركز التقارير الإخبارية والمناقشات على المعارك السورية والوفيات. ولكن الحرب بعيدة جداً في أحياء أخرى، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أن الشيعة الأثرياء لا يرسلون أبناءهم للقتال. بل على العكس من ذلك، استفاد العديد من مسؤولي "حزب الله" من اقتصاد الحرب لتوسيع استثماراتهم المحلية. وتزدهر الآن المحلات التجارية والمطاعم والفنادق والمقاهي في مناطق الرخاء في الضاحية والجنوب.

فجوة الثراء

تساعد فجوة الثراء المتزايدة، بتعبير غدار، على تفسير أعمال الشغب التي وقعت في الاسبوع الاخير من أكتوبر، حيث أعرب الفقراء عن استيائهم من مسؤولي "حزب الله"، الذين يعيشون في شقق فاخرة، ويقودون سيارات جديدة، ويرسلون أبناءهم إلى المدارس الخاصة والجامعات في أحياء أخرى. وفي السابق، كان يتمّ احتواء هذا الاستياء لأن "حزب الله" حافظ على دوره كحامٍ لجميع أبناء الطائفة الشيعية، سواء كانوا أغنياء أم فقراء.

حي السلم والانفجار السكاني

يعيش حيّ السلّم الفقير على وقع انفجار سكاني طوال عقود، ويقع هذا الحيّ عند أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت، على مقربة من مدينة الشويفات أو أوّل مدخل جنوبيّ لمحافظة جبل لبنان.

وتُقدّر إحصاءات غير رسمية عدد سكّانه بما بين 150 ألفاً و250 ألفاً حرمهم موقع الحيّ الجغرافيّ من اعتراف السلطات المحلية (البلديات) بتبعيّته لها.

ساهم توسّع الأحياء حيث المساكن غير اللائقة، في امتدادها خارج النطاقات البلدية للمناطق التي كانت تتبع لها في الأصل، الأمر الذي أوجد مشاكل عدّة في البنى التحتية في تلك المناطق. وتمثّل منطقتا برج البراجنة وحيّ السلّم، أو "الصين الشعبية" بحسب ما يُطلِق عليها سكّانها، مثالاً صريحاً على ذلك.

يُذكر أنّ شكاوى المواطنين تتجدّد مع بدء كلّ موسم شتاء، إذ تتقاذف البلديات المحيطة مسؤولية تأهيل البنى التحتية فيها للحيلولة دون غرق الشوارع في مياه الأمطار.

مشروع "ضاحيتي"

لم تسمح قيادات "حزب الله" بالحملة ضد الحي الفقير فحسب، بل طالبت بها فعلاً. بحسب مراجع لبنانية، فإزالة المحال بالجرافات في حي السلم تندرج ضمن خطة أكبر تحمل اسم "ضاحيتي"، أُطلقت في سبتمبر الماضي. وتقوم الخطة على جهود تبذلها البلديات الثلاث المسؤولة عن الضاحية لتجميلها وجعلها مكاناً أكثر راحة للسكان.

وتشمل هذه المساعي إزالة شبكة فوضوية من المنشآت غير القانونية التي تسبب ازدحاماً مرورياً واكتظاظاً في بعض الأحياء.

لكن الهدف الحقيقي لـ "حزب الله" ليس الجمال أو الراحة، إذ يرى عدد كبير من السكان أنّ الخطة بمثابة غطاء يستخدمه الحزب لمواجهة التحديات الرئيسية التي تواجهه في الضاحية، وهي: تفشي الجريمة الصغيرة، والمخدرات، والبغاء. وقد انتشرت هذه المشاكل منذ عام 2011 في ظل الحرب في سوريا.

هذه المشاهد صارت مألوفة لدى سكان الضاحية الجنوبية منذ انخراط حزب الله في النزاع السوري

يقول تقرير "معهد واشنطن": "جرّ حزب الله المجتمع الشيعي إلى حروب مع إسرائيل عدة مرات في الماضي، ولكن هذه الصراعات كانت قصيرة نسبياً، وعادة ما تم مكافأة الشيعة المقيمين بمبالغ مالية وافرة وخدمات بعد انتهائها. غير أن الحرب السورية مختلفة. فهي مستمرة منذ سنوات، الأمر الذي كلف "حزب الله" صورته كجماعة "مقاومة" وقدرته على توفير الخدمات الاجتماعية، بالإضافة إلى إزهاق حياة العديد من الشباب الذين لقوا حتفهم خلالها. وما أن استنزفت الأحداث التي جرت في سوريا المجاورة الحزب، لم يعد هذا الأخير قادراً على تأمين الغطاء لعصابات المخدرات ومرتكبي الجرائم الصغيرة، والبناء غير القانوني في الوطن الأم. وقد ازدادت الاشتباكات في الشارع الشيعي في الضاحية كما تعالت الشكاوى، مما أظهر أن تأمين لقمة العيش والخدمات الأساسية أكثر أهمية بكثير بالنسبة للسكان المحليين من اضطلاع "حزب الله" بدور مهيب جديد في المنطقة. وقد بدأت العائلات الميسورة بمغادرة المنطقة، متجهة جنوباً أو إلى مناطق أخرى في بيروت. ورداً على ذلك، شعر "حزب الله" بأنه مجبر على التحرك، فأطلق مشروع "ضاحيتي".

تحديات أمام حزب الله

يشكل الغضب المتصاعد في معقل حزب الله، أصعب التحديات التي يواجهها الحزب في الوقت الراهن. ويعتقد الحزب على ما يبدو أنه قادر على التعامل مع العقوبات الدولية والضغوط السياسية التي يمارسها خصومه من دون تغيير مقاربته، ولكن الاستياء الداخلي ضمن المجتمع الشيعي قد يؤدي إلى انهيار قاعدة الدعم التي يحظى بها.

وفي الوقت الراهن، ربما سيستمر مشروع "ضاحيتي"، على الرغم من أن "حزب الله" قد يبحث عن طرق أقل صرامةً لتطبيقه. غير أنه من المتوقع أن تؤدي أي تدابير من هذا النوع إلى مزيد من الاستياء والسخط، لا سيما في الأحياء الفقيرة، إذ ينتاب شيعة الضاحية الخوف من فقدان لقمة عيشهم. وأصبح الحديث عن فرص العمل، والقروض الصغيرة لفرص الاستثمار، والخدمات الأساسية يهيمن على الخطاب الدائر في شوارع الضاحية. وقد أدرك الشيعة الفقراء أن هذه الإيديولوجيا و"الانتصارات الإلهية" لا توفر لهم الطعام على الطاولة، لذلك فإن البديل الوحيد الذي يبحثون عنه اليوم هو بديل اقتصادي. وإذا لم يتمكن «حزب الله» من توفيره، فسوف يبحثون عنه في مكان آخر، بحسب تعبير الباحثة حنين غدار.

تحديات أخرى

يعاني "حزب الله" من مشاركته في الحرب السورية من جوانب عدة لا يمكن إغفالها، وسبق أن حدّد موقع "ميدل ايست بريفينغ" (MEB) الأميركي المختص بالأبحاث وتقييم المخاطر، تلك التحديات، وعلى رأسها التهديد الاسرائيلي والغربي.

والتحدي الأبرز يكمن في قدرة "حزب الله" على الحفاظ على القاعدة الشعبية له، إذ باتت الأصوات الشيعية المؤيدة له تستاء من كثرة التوابيت الوافدة إلى الضاحية الجنوبية والمحملة بجثث القتلى الذين يسقطون بشكل يومي في سوريا، وهو ما يولد نقمة وسخطًا متفاقمين.

أما التحدي الآخر بحسب موقع "بريفينغ" فهو ناتج عن تناقض داخلي صلب حزب الله، إذ يتقاسم النفوذ داخله ثلاثة فصائل أو تيارات، وهي: "الفصيل الإيراني، وفصيل نظام الأسد، والفصيل المعتدل"، وتزداد الفجوة بين الفصائل الثلاثة جراء التطورات الحاصلة.

ويعتقد الفصيل المعتدل أنّ الشيعة في لبنان كان يجب أن يحددوا دورهم الصارم في جنوب لبنان، وكان عليهم أن يتجنبوا أي تورط في المعركة ضد السُنة في سوريا؛ لأنّ ذك سيهدد التعايش مع السُنة في لبنان، والتركيز فقط على حماية مناطقهم داخل البلاد.

وهذا الرأي "المعتدل" تصادم مع تيار "الحرس الثوري" لأنه يعكس طريقة مختلفة للنظر في هدف "حزب الله". فالشيعة اللبنانيون يرون الحزب كدرع ضد كل من إسرائيل وأي ظلم طائفي، في حين تنظر طهران إلى حزب باعتباره أداتها الاستراتيجية الخاصة في لعبة إقليمية كبيرة.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار