GMT 8:30 2009 السبت 19 سبتمبر GMT 17:18 2009 السبت 19 سبتمبر  :آخر تحديث

حسني على عتبة اليونسكو بعد 22 سنة في تدجين مثقفي مصر

نبيل شرف الدين

لم يكتسب فاروق حسني، وزير الثقافة المصري، والمرشح لإدارة اليونسكو، شهرته من طول البقاء على المقعد الوزاري لمدة تربو على نحو ربع قرن فحسب، بل لأنه ظل دائماً رجلاً مثيراً للجدل. وانتقلت الإثارة إلى خارج مصر، بعد منافسته على منصب المدير العام لليونسكو. اعترضت إسرائيل سابقا على ترشحيه لهذا المنصب،  فلوح "بحرق الكتب الإسرائيلية الموجودة في المكتبات المصرية"، وفي بداية حياته الوزارية كانت هناك اعتراضات حادة عليه من معظم المثقفين، خاصة من ذوي الجذور اليسارية. ويُعتقد أن حسني هو "الوزير الوحيد الذي يتدلل على السلطة، وأثارت مواقف كثيرة الزوابع ضد حسني ومنها نشر رواية "وليمة لأعشاب البحر" للكاتب السوري حيدر حيدر عام 2000 والتي حوت عبارات وصفت بأنها مسيئة للذات الإلهية وللقرآن.


هذا الرجل يمثل طرازاً خاصاً من المسؤولين.. لم يكتسب شهرته من طول البقاء على المقعد الوزاري لمدة تربو على نحو ربع قرن فحسب، بل لأنه ظل دائماً رجلاً مثيراً للجدل .. فمنذ توليه مسؤولية وزارة الثقافة في مصر عام 1987 وحتى سعيه الراهن لمنصب المدير العام لمنظمة "اليونسكو"، ما زال يثير الجدل، لكن الأمر هذه المرة انتقل من الداخل المصري إلى آفاق عالمية، وفي أيار (مايو) 2009 اعتذر عن تصريحات نسبت إليه ولوح فيها "بحرق الكتب الإسرائيلية الموجودة في المكتبات المصرية"، وأتى هذا الاعتذار بعد إعلان الحكومة الإسرائيلية سحب اعتراضاتها على ترشيح فاروق حسني لمنصب الأمين العام لليونيسكو .
في بداية حياته الوزارية كانت هناك اعتراضات حادة عليه من معظم المثقفين، خاصة من ذوي الجذور اليسارية ، غير أنه استطاع أن يصبر عليهم وبمضي الوقت أصبحوا جميعاً أكثر مؤيديه، وسبق أن نسب إليه تصريح شهير قال فيه إنه سيدخل المثقفين جميعا حظيرته، ويبدو وفق تقديرات الكثيرين أنه نجح في ما قاله بالفعل قبل سنوات مضت، فقد استطاع بطريقة أو أخرى أن يحشد حوله مثقفين كبار من شتى المشارب، خاصة من اليسار والتيار الليبرالي .
"الوزير الوحيد الذي يتدلل على السلطة".. هكذا يصفه محللون سياسيون، خاصة وأنه الوحيد الذي أعلن صراحة تقديم استقالته في العام 2005، إثر حادث حريق مسرح "قصر ثقافة بني سويف" حيث أعلن مسؤوليته الأدبية عن الحادث، غير أن الرئيس المصري حسني مبارك رفض تلك الاستقالة .
ولم يمر تهديده بالاستقالة مرور الكرام في خيال النخبة الحاكمة من المحيطين بصانع القرار، فالوزير في مصر يأتي بقرار ويغادر موقعه بقرار ولا سماحة في مجرد استعراض بالرحيل، لكن هذا المزايد الكبير راهن على أحد الحسنين، فإما البقاء بوضعية أكثر قوة أو الاستقالة التي ستدخله التاريخ وتغفر له ما تقدم من ذنوب بعد ربع قرن من التربع على عرش الثقافة المصرية، كأول وزير يخرج "بيده لا بيد عمرو"، لكن صانع القرار كان أكثر ذكاء منه فلم تسمح له بمواصلة هذا الاستعراض السياسي الذي طالما اشتهر بأدائه حسني ببراعة لا يباريه فيها غيره من الساسة المحترفين .

أزمات ومعارك
ثمة مواقف وقرارات كثيرة أثارت على فاروق حسني زوابع، ولعل من أشهرها نشر رواية "وليمة لأعشاب البحر" للكاتب السوري حيدر حيدر عام 2000 والتي حوت عبارات وصفت بأنها مسيئة للذات الإلهية وللقرآن، وقد نشرتها الوزارة رغم أن مجمع البحوث الإسلامية اعتبر ما بها "كفراً " ، وكان رد الوزير على مهاجميه أنه لا ينبغي أن توجد سلطة دينية أو سياسية على حرية الإبداع، وعلى أثر تصريحاته واجه موجة هجوم عارمة من نواب الإخوان المسلمين والسلفيين وغيرهم من جماعات اليمين الديني .
ثار عليه متطرفون إسلاميون وأزهريون ومحافظون لا ينتمون إلى جماعات محددة إثر تصريحات له انتقد فيها "حجاب" النساء ، غير أنه أعلن بعد ذلك أنه ليس ضد حجاب المرأة بوجه عام، فهو خيار شخصي لكنه اعتبر أن حجاب الطفلة الصغيرة مسألة مرفوضة لأنها كما قال "تدمر طفولتها البريئة".
إذن "أزمة الحجاب" كانت عنوانا لمئات المقالات الصحافية والبرامج التلفزيونية وأثارت جدلاً واسعاً في مصر وامتدت للمحيط العربي باعتبارها تتناقض مع صريح القرآن والسنة بفرضية الحجاب على المسلمات، حيث اعتبر حسني أن حجاب المرأة "تأخر وعودة للوراء" وقال في تصريحات صحافية : "النساء بشعرهن الجميل كالورود التي لا ينبغي تغطيتها أو حجبها عن الناس"، وأضاف: "والدين الآن أصبح مرتبطاً بالمظاهر فقط، رغم أن العلاقة الإيمانية ينبغي أن تكون بين العبد وربه، ولا ترتبط بالضرورة بالملابس" .
ومضى حسني قائلاً حينها في تصريحات قوبلت بموجة عارمة من الرفض: "لابد أن تعود مصر جميلة كما كانت ذات يوم ، وتتوقف عن تقليد العرب الذين كانوا يعتبرون مصر في وقت من الأوقات قطعة من أوروبا"، وأضاف: "عاصرنا أمهاتنا وتربينا وتعلمنا على أيديهن، عندما كن يذهبن للجامعات والعمل دون حجاب، فلماذا نعود الآن للوراء، أعتقد أن الأمر ليست له علاقة بالتقوى والورع، وإلا فما تفسير مشاهدة مناظر الشباب والبنات على كورنيش النيل وكلهن محجبات" وأكد أن وزارة الثقافة ومن يمثلها لابد أن تكون حائط الصد الرئيس أمام هذه الأفكار، "بهدف الدعوة للانفتاح والعمل المحترم".
وطالب نواب في مجلس الشعب من الإخوان المسلمين وأحزاب المعارضة وحتى من حزب الأغلبية بإقالته فورا‏، باعتبار أن تصريحاته "تناقض ثوابت الدين وما استقر في وجدان المصريين"، غير أن قطاعات عريضة من المثقفين المصريين ساندته بشدة بأحقيته في أن يدلي برأيه الشخصي كمثقف ومسؤول من دون أن يتعرض للهجوم على أسس دينية‏، إعمالا للحق في حرية الرأي والتعبير الذي يكفله الدستور .
ولم تقتصر معارك حسني على قضايا الرأي فحسب، بل امتدت إلى دائرة الفساد، فقد اتهم أيمن عبد المنعم، مدير صندوق التنمية الثقافية والمقرب كثيراً من حسني، ومعه عدد من موظفي الوزارة بتلقي رشاوى من أصحاب شركات المقاولات مقابل إرساء أعمال في مناطق أثرية .
وكان عبد المنعم مديراً لمشروع القاهرة التاريخية، ومشرفاً على مشروع "متحف الإسكندرية القومي" والذي بلغت ميزانيته نحو 65 مليون جنيه مصري، ومشروع إنشاء "متحف الحضارة" الذي تتعدى ميزانيته 800 مليون جنيه، ومسرح دمنهور بتكلفة 20 مليون جنيه مصري، وأربعة مشروعات بمنطقة أبو سمبل الأثرية جنوب مصر، ومنها مشروع ترميم معابد "أبو سمبل وكلابشة وفيلة"، بتكلفة قدرت بنحو 180 مليون جنيه مصري .

حظيرة الوزير

قبل نحو 22 سنة وفي مستهل وزارته كانت هناك اعتراضات حادة عليه من معظم المثقفين خاصة من ذوي الجذور اليسارية ، ومجمل آراء هذه المعارضة أن سياسة وزارة الثقافة أسهمت في مظاهر صاخبة، ولم تصنع وعياً أو تؤسس لتنوير حقيقي، وأن القصور فيها يمتد من الآثار إلى الأدب مرورا بالمسرح والسينما والفن التشكيلي، وأن أكثر من عقدين قضاهما حسني في الوزارة كافية، وعليه الرحيل وإفساح الطريق أمام جيل جديد من الساسة، فيما يتهمهم حسني بأنهم موتورون وقصار النظر ولا يطورون أفكارهم ويسعون وراء تحقيق مصالح خاصة .
أما مؤيدوه فيؤكدون أنه حقق عشرات الإنجازات الثقافية في كل المجالات المختلفة بحكم منصبه سواء في المجال التربوي والمتاحف والمشروعات الثقافية والآثار. وسبق له أن تعرضت وزارته لنقد من البعض بسبب قيامه بالاحتفال بمناسبة مرور قرنين على الحملة الفرنسية أو على العلاقات المصرية ـ الفرنسية .
وفي السيرة الذاتية فقد بدأ فاروق حسني حياته الفنية في الإسكندرية التي عاش فيها فترة شبابه وتخرج في كلية الفنون الجميلة، ومرت مسيرته بالعمل في الحقل الثقافي بدأها مديرا لقصر الثقافة في الإسكندرية .
وفي أوائل السبعينات أقام أول معرض له في أتيليه الإسكندرية ، وفي العام 1971 وقع الاختيار على فاروق حسني ليكون ملحقا ثقافيا في السفارة المصرية في باريس ومديرا للمركز الثقافي المصري هناك .
وبدأ التجديد في لغته التجريدية كما أقام عدة معارض في باريس ومدن أخرى في فرنسا وتأكدت في هذه الفترة مابين أوائل السبعينات وآخرها هويته الفنية وتواصلت مسيرة فاروق حسني الفنية عندما انتقل إلى روما بعد باريس حيث أصبح مديرا للأكاديمية المصرية للفنون هناك عام 1979 .
وكانت عودة فاروق حسني إلى مصر عام 1987 ليتقلد منصب وزير الثقافة ويواصل عطاءه في فن التصوير وإقامة المعارض الخاصة ومنها مهرجان العالمين " سبولتو إيطاليا 1985 , قلعة نابولي " مدينة نابولي إيطاليا 1986 , المعرض الشامل لأعمال الفنان " قاعة إخناتون القاهرة 1991 , المتحف القومي" البحرين 1992 , منظمة اليونسكو " باريس بمناسبة الذكرى الخمسين للمنظمة 1995, قاعة روشان للعرض الفني " جدة 1995 , كاروسيل اللوفر "مساحة الفن المعاصر" متحف اللوفر باريس 1997, المتحف القومي "قصر هاراخ" فيينا 1998 , المتحف القومي للفنون "الشارقة 1998, متحف ميجرو للفن الحديث "طوكيو 1998, المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب " الكويت نوفمبر 1998 .
وحصل فاروق حسني على عدة جوائز ودرجات علمية منها أستاذ غير متفرغ في جامعة  "سوكا" في اليابان التي منحته درجة الدكتوراه الفخرية عام 1993، وأستاذ غير متفرغ في كلية الفنون الجميلة في جامعة الإسكندرية عام 1999 ، وحصل على جائزة الثقافة والسلام من جامعة سوكا عام 1993، كما حصل على جائزة البحر المتوسط في الفنون عام 2006.

حسني والمخابرات
و أمام فريق تحقيق صحافي مرموق في مصر كشف فاروق حسني عن علاقة قامت بينه وبين جهاز الأمن القومي المصري استمرت سنوات، كان من أهمها الفترة من 1972 وحتى انتصار السادس من تشرين الأول (أكتوبر)عام 1973، وقال: إنها فترة عملية كانت رائعة، ومع أنه فنان لا يعرف العمل في الخفاء، إلا أنه قبله لأنه واجب وطني، وكان ذلك في فترة محددة حتى انتهت الحرب بالانتصار، وبعدها انتهت علاقته بالمخابرات المصرية تماما.
ومضى حسني في الإدلاء بشهادته قائلاً: "كنت مستشارا ثقافيا في باريس فإذا طلب مني أن أتبين الطلبة المنحرفين هناك وأشير إليهم، فهل هذا يعني أنني أسيء إليهم؟" .
وكشف بعضا من أوراق دوره خلال هذه الفترة، الذي لم يرتبط بأي شكل بالجمعيات المعنية بالطلبة المصريين في باريس، وقال "كان عملي متصلا بجوانب ثقافية فقط وليس بالطلاب أو الجوانب التعليمية"، وأفاد بأن الذي طلبه للتعاون مع جهاز الأمن القومي حينذاك كان أحمد كامل الذي كان محافظ الإسكندرية، قبل أن يتولى رئاسة جهاز المخابرات العامة .
وأضاف "لم أعرف وقتها ماذا توسم في شخصي، غير أن كامل سرعان ما دخل السجن ضمن مجموعة 15 مايو في 1971 وقتها كل حاجة انتهت، فابتعدت عن الجهاز لفترة قبل أن يعاود رئيسه الجديد الاتصال بي ويطلبون مني السفر مجددا إلى باريس”، وكانت فرنسا حينذاك مسرحا كبيرا للمخابرات الإسرائيلية، وكان موضوع الصواريخ أحد ملفات الصراع آنذاك مثلما كان موضوع الطلبة المصريين على الدرجة نفسها من الأهمية، كان الطلاب يتمتعون بحرية كاملة في فرنسا، ويقولون ما يريدون، وكان المركز الثقافي في باريس ملتقى لمجموعات ليس لها هوية، وكنت جزءا من عمل متكامل لحماية هؤلاء الطلبة من أن يجندوا لمصلحة الموساد أو يخترقهم هذا الجهاز بأي طريقة .
ورغم انتهاء علاقة وزير الثقافة المصري كما يقول بجهاز الأمن القومي عند انتصار 1973 لكن الظروف قادته إلى العمل مجددا، ومن دون أن يدري في حادث عملية "اكيلي لاورو" عام 1985 وكان الوزير وقتها يعمل مديرا للأكاديمية المصرية في روما، وعن تلك القصة يقول: كان الفلسطيني أبو العباس ومعه فلسطينيان على طائرة مصرية متجهة لتونس، وخرجت عليها طائرات أميركية من قاعدة في جنوب إيطاليا وطلبت منها تحويل الطريق وإطفاء الأنوار وهددت قائدها بنسف الطائرة إذا لم ينفذ الأمر. وتم إنزال الطائرة في مطار في إيطاليا وحاصرها جنود إيطاليون وأميركيون، وجرت مباحثات، وتم نقل الطائرة المصرية إلى روما، وهناك كانت عناصر من الكوماندوز ورجال المخابرات المصرية، وأيضا الفلسطينيون الثلاثة، بمن فيهم "أبو العباس".
واتبعت المخابرات نظام التمويه بأن أعلنت أنهم سيتوجهون إلى الأكاديمية المصرية في روما، وكنت مديرها ولي صفة دبلوماسية، لكن الأكاديمية ليس لها أعضاء دبلوماسيون، وطلبت من مسؤولة في السفارة المصرية تجهيز سبع عشرة غرفة، لكني لا أعرف القادمين ووصل للأكاديمية أربعة عشر فقط، وحضر لي النائب العام الإيطالي، وكان يريد إحراج مصر وإدانتها بأي طريقة، وطلب مني استجواب غير المصريين ممن جاءوا إلى الأكاديمية، فأجبته بأن جميعهم مصريون من دون أن أعرف الموضوع، فأحسست بأنني وقعت في خطأ دون أن أدري، ولهذا طلبت السفير المصري لأعرض عليه الأمر، وأطلب المشورة، وحكيت له ما حدث، فحمد الله أنني قلت للنائب العام إن الموجودين مصريون، وطلب مني أن أماطل النائب العام بتسليم الجوازات إلى آخر النهار فقط، وكانت المخابرات أثناء تنزيل الركاب وصعودهم تركت الفلسطينيين الثلاثة داخل الطائرة وأغلقت الطائرة عليهم تماما، وحلقت بعدها من مطار روما إلى مطار خارج حدود إيطاليا، وهم يعتقدون أن الفلسطينيين الثلاثة موجودون في الأكاديمية، ولذا تركوا الطائرة ترحل، وبعد أن كانت الطائرة المصرية في أمان، سلمت الجوازات إلى النائب العام الإيطالي، فلم يجد فيها شيئا .

في أخبار