GMT 0:03 2015 الخميس 29 أكتوبر GMT 22:34 2015 الأربعاء 28 أكتوبر  :آخر تحديث

إيران بعد الاتفاق النووي.. حرب إعلامية على دول الخليج

الإتحاد الاماراتية

محمد خلفان الصوافي

لا شك في أن الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى (5+1) هو حدث مهم ليس على مستوى منطقة الشرق الأوسط فقط، ولكن في العالم كله أيضاً، حيث يتوقع أن يكون له تداعياته المباشرة وغير المباشرة على طبيعة العلاقات والتحالفات الإقليمية من ناحية، وسياسات القوى الكبرى تجاه المنطقة من ناحية أخرى. ومع أن بعض المراقبين والمحللين في العالم لم ينظروا إليه باعتباره الحدث «الأكبر»، ومن ثم لم يروا داعياً لكل هذه الضجة الإعلامية حوله، فإن البعض الآخر له رؤية مختلفة، ويشبه اتفاق فيينا الذي وقع في 14 يوليو 2015 باتفاق فيينا «1815» الذي أجبر نابليون بونابارت على التوقف عن شن حروبه على أوروبا، في إشارة إلى أهمية الاتفاق النووي من جهة، وأنه أوقف طموحات إيران النووية من جهة أخرى.

وبعيداً عن هذا الخلاف، فإن الاتفاق، من المنظور الاستراتيجي العام، ومن منظور دول مجلس التعاون الخليجي والعالم العربي بشكل خاص، يمثل حدثاً مفصلياً سواءً بالنظر إلى سياسة إيران المثيرة للمشاكل في المنطقة وعلاقاتها الإقليمية والدولية، أو بالنظر إلى تداعياته السياسية والاقتصادية والأمنية وغيرها.

تغيرات خطيرة

فعلى الجانب السياسي، ثمة من يرى أن الاتفاق من شأنه أن يفتح الباب للاعتراف الدولي بدور إيران كقوة إقليمية خاصة في منطقة الخليج العربي، وما قد يترتب على ذلك من تغيرات خطيرة في المنطقة برمتها يمكن أن تصل إلى حد فتح الباب لسباق نووي بين قواها الرئيسة. وربما يظهر الأثر الاقتصادي في «تسابق» الدول الغربية وعلى رأسهم ألمانيا وفرنسا في عقد صفقات مع إيران. أما التداعيات المذهبية، فإنها تبدو في ناحية تصاعد تحريض إيران لوكلائها وعملائها في المنطقة «الخلايا النائمة» في الكويت والبحرين، الذي يهدف إلى نمو النفوذ الإيراني في المنطقة، بل البعض يذهب أبعد ويعتقد بإعادة ترتيب تحالفات المنطقة، وهو ما ينذر بالعديد من التأثيرات السلبية في الاستراتيجية العالمية، وينذر بحالة من التوجس والقلق بين دول وشعوب المنطقة بشكل أكثر.

دارسو الصراعات الدولية يعتقدون أن هناك ثلاث طرق لإدارة التنافس بين الدول، الطريقة الأولى: الحروب المباشرة، وهذا غير موجود الآن بين الدول العربية وإيران. أما الطريقة الثانية: فهي الحروب غير المباشرة وإيران تستخدمها من خلال «وكلائها» في المنطقة مثل «حزب الله» اللبناني و«الحوثيين». والطريقة الثالثة: أسلوب الإعلام والعمل الدبلوماسي التخريبي، وهذا ما تفعله إيران بشكل واضح، كما رأينا من خلال الإعلام الطائفي الذي يديره الحرس الثوري، ومن خلال تأجيج الفتن في المجتمعات العربية، وتعميق الخلافات الطائفية.

ضمن السياق السابق، تنطلق من فرضيتين أساسيتين: الأولى: على الرغم من أن إيران تعطي أهمية للإعلام في سياستها الخارجية منذ الثورة عام 1979، بالنظر إلى المضامين الأيديولوجية لهذه السياسة، فإن هذه الأهمية تصاعدت بشكل كبير بعد الاتفاق النووي، خاصة أن هذا الاتفاق جاء متلازماً مع توترات إيرانية - عربية شديدة في اليمن وسوريا والعراق والبحرين وغيرها.

الثانية: أن الإعلام أحد مجالات الصراع المهمة بين العرب وإيران التي سوف تشهد مزيداً من التأجيج خلال الفترة القادمة، بالنظر إلى أن إيران تنظر إلى الإعلام، باعتباره أبرز الأسلحة التي ستقوم بتوظيفها لتعزيز قدرتها على التمدد، وبالتالي إعادة رسم «حدود طائفية» جديدة تغير شكل المنطقة كليا بعد الاتفاق النووي.

البيئة الاستراتيجية للاتفاق

تعددت اجتهادات المحللين والمراقبين حول الظروف والمسببات التي ساعدت في رغبة الطرفين في دخول المفاوضات، وبالتالي نجاحها. البعض أرجعها إلى تطورات الوضع الاستراتيجي في المنطقة مثل: الفوضى الأمنية، وانتشار الإرهاب وتمدده خاصة بعد سقوط نظام صدام، وهو ما يحتاج إلى تعاون جميع الدول لإيجاد حل لها، خاصة دولة مثل إيران ليس فقط كونها حسب الاعتقادات الغربية الأكثر استقراراً، ولكن في الحقيقة كونها «متشابكة» جغرافياً مع كل المناطق التي ينتشر فيها الإرهاب العراق وسوريا ودول القوقاز، وكذلك «متداخلة» مع بعض التنظيمات الإرهابية مثل طالبان في أفغانستان.

ومن هذه التطورات، وهو الأهم من وجهة نظري، أن هناك مرحلة جديدة في الفكر السياسي الغربي عموماً والفكر الأميركي بشكل أخص وليس لدى الرئيس باراك أوباما، وهي الرغبة في فتح صفحة جديدة في العلاقات مع إيران، باعتبارها أحد مفاتيح الحل للكثير من قضايا وأزمات المنطقة من ناحية، والنظر إليها على أنها طرف في الحرب ضد الإرهاب أو التطرف «السني».

وبالتأكيد، لو لم يكن العقل السياسي الغربي، الدول الخمس الكبرى، دوائر صنع القرار، مراكز الدراسات، الرأي العام الغربي (أكاديميون ومثقفون وقادة رأي) قد اتخذ قراره بتقليل اهتمامه بمنطقة الشرق الأوسط، كونها واحدة من أسباب القلاقل في المجتمعات الغربية، كوجود وتركيز اهتمامه في القضايا التي تهدد الاستقرار الدولي، ربما لم يكن ليتحقق هذا الاتفاق، بل لوجدنا محاولات لعرقلتها على الأقل من بعض الدول الكبرى. فهناك قناعة دولية بأن إيران مفيدة في أكثر من مكان في المنطقة وليس فقط في المنطقة العربية، ولكن أيضاً في صناعة الاستقرار في أفغانستان وفي دول القوقاز، حيث بدأت هذه المنطقة تمثل تهديداً لاستقرار العالمي أيضاً نتيجة لانتشار الحركات المعروفة بالجهادية فيها.

العودة إلى الداخل

ولكن هذه النظرة أو هذه الرؤية الاستراتيجية تتجاهل أن التوصل إلى هذا الاتفاق لا يعني أن أزمات هذه المنطقة قد انتهت؛ لأن سياسات الدولتين (الولايات المتحدة وإيران) هما السبب فيها بالأساس، حتى وقت قريب كانت تعتبر طبيعة العلاقة بينهما «متغير مستقل»، وبالتالي فإن ما يحدث هو تابع أو نتيجة للعلاقة بين طهران وواشنطن. كما تتجاهل هذه الرؤية أيضاً حقيقة أن التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران قد جاء في سياق تحول استراتيجي في السياسة الأميركية تجاه المنطقة العربية بشكل خاص ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، يقوم على أن الولايات المتحدة لن تحارب من أجل الآخرين، وهي ما عرفت باستراتيجية الرئيس أوباما القائمة على «العودة» إلى الداخل، وأن الاعتماد على الولايات المتحدة في حماية دول المنطقة «الحلفاء التقليدين» لم يعد كما كان؛ لذا فإن التحركات العربية «لتحفيز» روسيا في لعب دور أكبر في المنطقة كان واضحاً من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين خليجيين وعرب.

تصريحات للاستهلاك العالمي

اختار وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف، أحد مهندسي الاتفاق النووي، أن يوجه رسالة إيجابية إلى دول الجوار الجغرافي من خلال مقالة له نشرت في أربع صحف عربية تحت عنوان «الجار ثم الدار.. توصية أخلاقية أم ضرورة استراتيجية» (السفير اللبنانية 3 أغسطس)، وكان يدعو فيها دول الجوار الجغرافي إلى التعاون مع بلاده من أجل حلحلة قضايا المنطقة، ويعتبر أن التعاون مع هذه الدول أمر طبيعي تفرضه القواعد الجيوسياسية والمصالح المشتركة. لكن هذه النظرية من قبل الوزير الإيراني، تستدعي سؤالاً بدهياً إلى ذهن أي مراقب للسياسة الإيرانية منذ الثورة الإيرانية عام 1979 إلى اليوم هو: هل يعبر «ظريف» عن السياسة الخارجية الإيرانية التي يسيطر عليها المتشددون، خاصة الحرس الثوري الإيراني، أم أنه يطرح وجهة نظر خاصة به أو بالتيار الذي ينتمي إليه، وذلك للاستهلاك الإعلامي الإقليمي والعالمي كما اعتدنا من سياسيي إيران؟!

تاريخ أسود

طبعاً، إذا أحسنا النية في أن إيران تسعى للتعاون مع الدول العربية بعدما أزاحت عن كاهلها تبعات الملف النووي الذي أتعبها اقتصادياً، وذلك بالاتفاق مع الغرب (5+1) وأن جولة وزير خارجيتها محمد ظريف لكل من دولة الكويت ودولة قطر«ورسالته» مؤشرات لحسن النية (فرح الشومان شوقي، العربي الجديد، أغسطس 2015). إذا افترضنا ذلك، فإن هناك أسباباً منهجية لها علاقة بطبيعة النظام في إيران تجعل المراقب الخليجي، خصوصاً يتشكك تجاه أي «خطاب إعلامي» إيجابي يمكن أن يأتي من إيران لسببين اثنين. الأول: لأن الممسك الحقيقي بالنظام السياسي في إيران وخاصة السياسة الخارجية - كما يدركه الجميع - هو المرشد الأعلى للثورة الإيرانية ومعه الحرس الثوري وهو من التيار المتشدد، ولا يؤمن بما طرحه ظريف في مقاله بل ويرفض الاتفاقية من الأساس ويرى فيها إجحاف لطموحات إيران، وبالتالي فإن «الرسالة» لا يمكن الأخذ بها. أما السبب الثاني: ففي الحقيقة أنه من الصعب على عرب المنطقة نسيان أن الخطاب الإعلامي الإيراني بعد نجاح الثورة لخص طبيعة العلاقة العربية معها في: أن شيعة الخليج تاريخياً هم «فرس»، مع أن دول الخليج لا تؤمن بهذا المصطلح؛ لأنهم مواطنون خليجيون وإيران تحاول اختطافهم «إعلامياً» لاستغلالهم في زعزعة الاستقرار الخليجي. ولخص أيضاً، أن الخليج ليس عربياً وإنما هو «فارسي»، وأن إيران صارعت دول الخليج والدول العربية من أجل هذا المسمى الذي يفترض ألا يُشكل أي خلافات مع إيران الجار، بل إن بيانات إيران ضد أي اجتماع لقادة دول المجلس التعاون السنوية يثبت «التاريخ الأسود» لهذا الإعلام.

مفردات مكرورة

بعض من هذه المزاعم والادعاءات الإيرانية كان في طي الكتمان إلى أن سقط النظام في العراق عام 2003، وعادت اللغة بقوة من خلال وسائل الإعلام التابعة لإيران ومع كل خلاف إيراني خليجي يتم تأجيج هذا الخطاب وتنشيطه بما يتوافق وأغراض السياسة الإيرانية.

في الحقيقة، من يراقب تصريحات السياسيين الإيرانيين بعد الاتفاق سيلحظ ترديد مجموعة من المفردات في بنية الخطاب الإعلامي مثل: المؤامرة ضدها، وأنها في طرف المظلوم، في حين أن الآخرين هم الظالم، وأن هناك دولاً تسعى لإفساد العلاقة بين إيران وشعوب المنطقة. يعكس مثل هذا الخطاب نظرة الإيرانيين إلى دول الخليج العربي، وهو ما يعمق من حجم الخلافات حيث تمهد هذه «الأدلجة» الأرضية لشن حرب إعلامية تبرر السياسات العنيفة والفوضوية لإيران.

وهم «الدولة الطبيعية»

وفق هذا المنظور، فإن ما ذهب إليه «كثير» من المحللين والسياسيين في العالم، بعض منهم من الدول الغربية مثل الرئيس الأميركي باراك أوباما، وبعض في الدول العربية، بأن إيران يمكن أن تكون دولة «طبيعية» في العالم، وبالتالي ستكون عاملاً مساعداً في حلحلة القضايا المعقدة في منطقة الشرق الأوسط، الإرهاب وعدم الاستقرار، هو «وهم»، وربما تغييباً عن الواقع. تلك التوقعات رسمت لنا الأمر وكأننا أمام مرحلة «وردية» من العلاقات بين إيران ودول العرب، وبالتالي فإن كل الخلافات التي بينهما تسير نحو الحل النهائي. بل وصل الأمر لدى البعض إلى تأكيد أن التهديدات الإعلامية والعسكرية للقادة في إيران ستنتهي، وأن مسألة التدخل في شأن الدول العربية سيكون شيئاً من الماضي وقد عفى عليه الزمن! بل إن بعضهم قسم دول الخليج العربي إلى مجموعات، حسب حجم الاستفادة المتوقعة من الاتفاق، وأعطى كل واحد نسبة معينة منها.

أدلجة الخطاب الإعلامي

يدرك الجميع أن إيران تخطط دائماً لإثارة الفوضى في العديد من الدول العربية، وهدفها هو خلق البيئة المضطربة التي تستطيع من خلالها فرض أفكارها في الإقليم لتعيد تشكيل المنطقة وفق أجندتها السياسية وطموحاتها التوسعية. ويتضح من مراقبة تنفيذ تلك الخطط أن وكلاء طهران في المنطقة من الميليشيات الطائفية المسلحة تنخرط بشكل مباشر في الاستراتيجية الإيرانية، وتعتمد بشكل كبير على «الإعلام المؤدلج»، الذي لا ينقل إلا ما يراه هو وفق منظور أيديولجيته القائمة على أن الآخرين «يحقدون» عليه.

وبصورة عامة، فإن إيران لديها آلة إعلامية ضخمة، وبالتالي لا يمكن اختزال إعلامها في القنوات التلفزيونية التابعة لها فقط، وهي تتحرك على الساحة الإعلامية الدولية، وفق خطط إعلامية محددة تقوم عليها العديد من الأذرع الإعلامية من صحف وقنوات فضائية ومواقع إلكترونية تخصص لها ملايين الدولارات، ويتم الإشراف عليها من قِبل الأجهزة المسؤولة عن الأمن الوطني فيها.

قنوات «تابعة»

كما تستفيد طهران في خطتها الإعلامية على الساحة الدولية من بعض الأذرع الإعلامية التابعة لبعض القوى الشيعية العربية مثل «حزب الله» اللبناني (قناة المنار على سبيل المثال) والأحزاب الشيعية العراقية التي تدعم إيران قنوات فضائية تابعة لها، ومنها: قناة «الفرات» التابعة للمجلس الأعلى الإسلامي، وقناة «آفاق» التابعة لحزب «الدعوة الإسلامية» بزعامة نوري المالكي، وقناة «الغدير» القريبة من «الائتلاف الوطني العراقي» الشيعي، وغيرها. كما تقدم إيران دعماً لقنوات فضائية تابعة للحوثيين اليمنيين، ومنها قناة «المسيرة» التي تبث من بيروت، وأخرى تابعة للمعارضة البحرينية الشيعية، ومنها قناة «اللؤلؤة» التي تبث من لندن. كما أن هناك العديد من المواقع الإلكترونية التابعة للحرس الثوري مثل: بصيرة، فاطر نيوز، مشرق نيوز، ديدبان، باسيج برس، صراط نيوز، نداء الانقلاب، برهان، إشراق، سفير، ديدار ميديا. كما يمول الحرس الثوري ويسيطر على صحف مثل: إطلاعات، كيهان (ميدل إيست أون لاين سبتمبر 2015).

وتعمل إيران على تحقيق العديد من الأهداف من وراء وسائل إعلامها الموجهة إلى الخارج. أولها: الدعاية الإعلامية ضد دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» بشكل خاص، والخصوم العالميين والإقليميين بشكل عام. وثانيها: محاولة تصدير صورة غير حقيقية إلى العالم حول أوضاع الأقليات الشيعية في دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، من خلال الزعم بتعرضها للتهميش والظلم، وتثبيت هذه الصورة غير الحقيقية لدى الرأي العام العالمي من خلال الإعلام، الهدف الثالث: هو نشر الشائعات حول «دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية» وغيرها من الدول المناوئة لها، وأوضاعها الداخلية ومواقفها السياسية.

عقدة الثقة مع إيران

استقراء التجارب الماضية يشير إلى أن أي آمال معقودة من قبل البعض على أن الاتفاقية النووية يمكن أن تحدث تغيراً إيجابياً في الخطاب الإعلامي الإيراني نحو الجوار العربي، لا تخلو من المبالغة والسبب أن وسائل الإعلام الإيرانية وبنسبة 80 - 90% تقريباً يسيطر عليها الحرس الثوري الإيراني الذي يرفض الاتفاقية، ويرى أنها مجحفة، وأنها سوف تقلل من آمال الطموحات الإيرانية في الحصول على الطاقة النووية. كما أن السبب الآخر مرتبط بالجهة الحقيقية التي تسيطر على الوضع السياسي الداخلي في إيران، فالمسألة بالنسبة للسيد حسن روحاني، ومحمد ظريف في الوقت الحاضر ما هو إلى واجهة لمرحلة سياسية معينة، فصناعة القرار السياسي الإيراني يمر عبر العديد من المؤسسات تؤثر على القرار النهائي للرئيس أو وزير خارجيته، لهذا فإن الإيجابية الإيرانية التي يقوم بها سيد ظريف ليست أبعد من رغبات شخصية لا تمثل سياسة ولا يمكن الاعتماد عليها، قد تكون له تفسيرات مختلفة عند التطبيق لا تعني ما يردده روحاني أو ظريف وربما ما نشاهده من مواقف في مملكة البحرين ودولة الكويت خير دليل.

أغلب المحللين في الخليج دعوا إلى عدم التسرع في مسألة الحكم واستباق احتمالات ما سيحدث في الخطاب الإعلامي الإيراني، وأظن أنهم كانوا على حق، فالإرث التاريخي للعلاقات العربية الإيرانية يشفع لهم في ذلك. ما زالت إيران تحتل أراضي عربية، ألا وهي الجزر الإماراتية الثلاث، وإيران لا زالت تتدخل في شؤون الدول العربية سوريا ولبنان والعراق، وإنْ أردت فإن حادثة مشعر «منى» وانتقادات خامنئي ومعها العديد من وسائل الإعلام الإيرانية أثبتت صحة موقفهم. فسياسة الحذر والترقب- التي اختارها الخليجيون في قبول الاتفاقية، التي انقسمت بين مؤيد لاتفاق الإمارات والكويت والبحرين وقطر، وبين منتظر لمرحلة تتم فيها ترجمة رسائل «الطمأنة» إلى أفعال ومواقف سياسية يمكن التعامل معها- أعطت الخليجيين خط الرجعة لمواقفهم، لكنها أغضبت سياسيي إيران الممسكين بالسلطة الحقيقية من المتشددين؛ لذا فإن الحملات الإعلامية الأخيرة ضد السعودية تؤكد ما تسير عليه القناعات العربية تجاه طهران.

محاولات الابتزاز

بالخبرة التاريخية، فإن التصعيد الإعلامي للنظام الإيراني يكون عادة سببه الرغبة في الحصول على تنازلات سياسية، وهنا يمكن الحديث عن «ابتزاز» إيراني في تأييد العرب للاتفاقية النووية التي لا تزال غامضة حتى الآن، أو محاولة لتخفيف الضغط العربي لمساعي إيران في اليمن بعدما كشفت مجريات الأحداث أن المسألة تسير في صالح التحالف العربي، وأن إيران هناك تخسر كل يوم. والنقطة المهمة التي ينبغي أن نضعها في الاعتبار عندما نتابع تصريحات المعتدلين في إيران، أنه: عندما يتعلق الأمر بمسألة تغيير فكرة بسط النفوذ الإيراني في منطقة الخليج العربي أو مجرد التفكير في التعامل بالندية ووضع حد للتمدد، فإن لكل رئيس إيراني سواء كان متشدداً أو إصلاحياً كوابح وحدود لا بد أن يقف أمامها، ولن يتم السماح له بتجاوزها حتى لو أراد ذلك أو حتى ربط المسألة بأنها متعلقة بمستقبل الشعب الإيراني، وبرغبة التغيير مع العالم الخارجي؛ لهذا يتفهم المراقبون الموضوعيون «الحذر الخليجي» بدلا من الهرولة الأوروبية.

«ذراع» لهندسة المنطقة

ما يعنيني هنا هو تقييم لغة الخطاب الإعلامي الإيراني ومقارنتها بحجم التغير بعد فترة الاتفاق النووي الإيراني، التي تعتبر لدى المراقبين أنها مرحلة جديدة في تعامل إيران مع الخارج. وهو ما يتطلب منا (كمراقبين) على الأقل حصر الفترة البسيطة التي أعقبت الاتفاق، ولكنها تصلح لأن تكون مادة لقراءة ما يمكن أن يكون عليه الخطاب الإعلامي الإيراني على الأقل خلال المدى القصير القادم؛ لأنه من المستبعد أن يتم التغيير الكامل وفي فترة بسيطة لإعلام لا يرى في الآخر غير أنه أقل منه في المكان «الجغرافيا»، وكذلك المكانة أي حجم التأثير السياسي في الإقليم والعالم.

الملاحظة التي ينبغي ألا تفوت على أي مراقب للوضع أن الإعلام الإيراني بأشكاله كافة يقع تحت سيطرة الحرس الثوري، خاصة تلك الوسائل المؤثرة مثل: قناة العالم وصحيفة «كيهان». كما أنه لا يمكن أن نتغافل نقطة مهمة أن الإعلام بعد الاتفاق مركز في حربه بشكل أساسي على المملكة العربية السعودية كونها الدولة التي لم ترحب بالاتفاق حتى الآن. وما زاد الأمر حساسية أن الاتفاق النووي جاء متزامناً مع الحملة العسكرية للتحالف العربي التي تقودها السعودية لإعادة الشرعية في اليمن ضد «الحوثيين» أحد «وكلاء» إيران في المنطقة الذين يفترض أنهم سيعملون على تطويق السعودية، ما يعني أن ما نراه بعد اليوم طبيعي ومتوقع.

أكثر من حادثة أمنية وإعلامية حاولت فيها إيران زعزعة الاستقرار في السعودية، حادثة تفجير مسجدين للشيعة وواحد للسنة - يعتقد أن إيران هي المستفيدة رغم أن من يقف وراءها «داعش»- لخلق فوضى داخلية فيها، كما أن الحملة الإعلامية الأبرز المتعلقة بحادثة «منى» قادها المرشد نفسه في خطبة العيد، واتهم فيها السعودية بعدم قدرتها على تنظيم مشاعر الحج، مع أن التحقيقات الأولية تدعمها بعض المعلومات الأساسية بأن إيران هي من تقف خلف هذه الحادثة، وفي كل الحوادث لم تخلو البيانات الإعلامية من مصطلحات طائفية. هذه الحملات ليس لها إلا تفسير واحد بالنسبة لنا وهو أن «ذهنية» السياسة الإيرانية الإعلامية في الأطماع والطموحات سواء تصالحت مع الغرب أم لا، فإن العداء الإعلامي مستمر.

يتفق أغلب المراقبين على أنه مثلما ستفك الاتفاقية النووية «الطوق» عن إيران العسكرية، وأن الميليشيات التابعة لها في المنطقة سيكون لها نصيب من تلك الأموال، فإن الآلة الإعلامية هي الأخرى سيكون لها نصيب من الكعكة. النقطة المثيرة في موضوع الإعلام الإيراني والتابع له ليس فقط تحريض الرأي العام الإيراني في الداخل ضد حكومات الخليج من خلال سياسة «أدلجة» كل القضايا معها وربط الشعب بها، ولكن للتهييج ضد دول الخليج والتأثير على الوعي العربي من خلال صناعة القصص الإعلامية، من أجل «تضخيم» النظام الإيراني وخلق نجاحات من العدم مثل تهديد إسرائيل، وللأسف أنها نجحت في بعض الدول العربية بفضل بعض المفكرين العرب.

إيران أساس المشكلة

الحقيقة التي ينبغي أن تكون حاضرة عن السياسة الإيرانية تجاه العرب هي أن استمرار الزخم في حروبها غير المباشرة مع العرب لن ينجح دون وجود إعلام مملوء بالأيديولوجيا «يشحن» الأجواء، ويدفع بالمزيد من الخلافات والفوضى العقدية، وهذا يبرهن لنا أن: خبرتنا في التعامل مع إيران تؤكد أنه حتى ظهور وجه سياسي آخر جديد يخاطب العالم، لا يعني أنها فوق الصراعات في المنطقة أو أن إيران ممكن أن تكون جزءاً من الحل في قضايا المنطقة، بل هي أساس المشكلة وفي صلبها وتعمل على تغذيتها؛ لأنها في تلك الصراعات تحقق هدفها، وهو التمدد؛ ولأن كذلك الفاعلين الحقيقيين في السياسة الخارجية هم المتشددون من التيار الإيراني. الشواهد كثيرة على أنه لا توجد آمال في إمكانية تغير المنطق الإعلامي الإيراني في التعامل مع العرب. فإعلامها الموجه لدول المنطقة العربية مسكون بالطائفية ومهما فعلت لا يمكن أن تنكره؛ لأن الشواهد اليومية من القتل والحروب المسلحة في المنطقة تدل على أن لإيران يد فيها. فهي الدولة الوحيد في المنطقة التي لا تتعرض لأي عمليات إرهابية ولا المناطق التي تسيطر عليها في العراق.

إطلاق قنوات بالفارسية

وإذا كانت الجغرافيا هي التي تحكمنا بوجود إيران بالقرب منها، فهذا لا يعني أن تقبل الدول العربية ما يرسله إعلامها لنا أو طموحاتها العسكرية، ولعل «جرأة» مملكة البحرين في طرد السفير الإيراني مؤخراً دليل على أن الدول العربية ستتعامل مع إيران بما يليق والعلاقات الدولية وليس الجوار بالمفهوم الذي تراه، وهو «الرضوخ» لها. وفي هذا، هناك عدد من المفكرين العرب يعتقدون جازمين أن تمويل العرب لقنوات ناطقة باللغة الفارسية هو أحد الحلول الممكنة لمواجهة «عنجهية» إيران، بل إن مجرد تسليط الضوء على القضايا الداخلية في إيران، وهي كثيرة، فإن التأثير على سلوك سياسي إيران سيكون واضحاً، بل سيغير اتجاهاتها الحالية.


في أخبار