GMT 0:05 2017 الثلائاء 10 يناير GMT 0:39 2017 الثلائاء 10 يناير  :آخر تحديث

المقارنة العجيبة!

الشرق الاوسط اللندنية

 حسين شبكشي  

المقارنة بين الهند وباكستان هي مقارنة بقدر ما هي مؤلمة بقدر ما هي واقعية بقدر ما هي شديدة الألم.
الهند تمثل النجاح المدني بمفهومه العصري الحديث؛ حكم ديمقراطي علماني وسط ضجيج مهول من الأديان والطوائف والثقافات والمعتقدات واللغات مكن من التركيز على العلم والتعليم ودعم المنظومة الثقافية للتعايش الاجتماعي والسلم الأهلي، حولتها بعد مثابرة ومجاهدة إلى قصة نجاح متعددة الأوجه نالت إعجاب العالم.
أما باكستان فقد اهتمت بالانفصال مبكرًا بدلاً من البقاء داخل كتلة موحدة، نظرت إلى الموضوع على أنه فرصة لحماية «المسلمين» (واقع الحال اليوم أن مسلمي الهند في وضع سياسي ونفسي واقتصادي واجتماعي أفضل من المسلمين في باكستان بمراحل صادمة). ورغم وجود أغلبية ساحقة من المسلمين في باكستان فإن العقلية القبلية هي السائدة والنظرة العنصرية الطبقية هي المسيطرة على الحكم على الناس. انشغلت باكستان بغير المهم من الأمور مثل التفوق القبلي والتمييز بين المناطق، فانتشرت المحسوبيات، وتحولت مراكز صناعة القرار داخل جيوب الدولة إلى بؤر نافذة للمحاسيب والأنصار، وأصبحت بالتالي مرتعًا خصبًا لأرباب الفساد.
دولتان كان إعلان الاستقلال عن بريطانيا يفصل يومًا واحدًا بينهما، وبدأت كل دولة تخطو بسعي دؤوب نحو المستقبل؛ واحدة عملت بكل جهد وإخلاص على صناعة الحاضر والمستقبل، وأخرى انغمست في الماضي وكوارثه.
هناك كثير من الدروس والعبر والإفادة من المقارنة المنطقية الحاصلة بين الهند وباكستان. الدولة المدنية التي تمنح جميع مواطنيها الحقوق والمزايا نفسها بغض النظر عن أي عوامل، وترفع راية القانون فوق كل اعتبار، توفر الغطاء الآمن للحياة الكريمة والعيش الآمن لكل من ينتمي إليها، وهي بذلك تشكل أقوى وأهم عناصر الانتماء والولاء، وهي الآلية الأهم لتحويل البلدان إلى أوطان للجميع.
الهند بلد انشغل بإعمار الأرض وترقية الناس ورسم البهجة على الوجوه. تحولت إلى قصة نجاح ووفرت لمواطنيها الاكتفاء الذاتي لكل احتياج، هي بلد فيها فقر وفقر شديد، ولكنها بلد بلا مجاعة، لأنها تأكل مما تزرع، وتلبس مما تنتج، وأصبح مع مرور الوقت ومهارة إتقان العيش المشترك أصبح الهندي هو المواطن العالمي الأول الذي يستطيع التكيف مع جميع العناصر والثقافات والعادات والحضارات والأديان، لأنه هكذا تربى وتعود وتأقلم في بلاده بعدم الحكم المسبق على الناس وقبولهم مهما كانوا، وهذا طبعًا لم يكن ليحصل في باكستان التي اهتمت بالقبائل والأعراق والأنساب، ففرقت المجتمع، وكرست التشدد والتنطع والتمييز العنصري البغيض حتى تحولت مع الوقت إلى مأوى للإرهاب والجماعات المتشددة.
المقارنة بين الهند وباكستان هي ليست مجرد مقارنة بين بلدين، ولكنها مقارنة بين أسلوبين مختلفين في النظر للحياة عمومًا والبشر خصوصًا. وهي عبرة للجميع من دون استثناء. والسؤال القائم هل تريد أن تكون مثل الهند أم مثل باكستان؟ الإجابة منطقية وواضحة جدا.

 

 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار