GMT 0:05 2017 الثلائاء 10 أكتوبر GMT 7:46 2017 الثلائاء 10 أكتوبر  :آخر تحديث

عملية قصر السلام والإرهاب الرمزي

الشرق الاوسط اللندنية

يوسف الديني

شكّلت السعودية منذ تأسيسها وحتى اليوم هدفاً طموحاً للتنظيمات الإرهابية والجماعات المسلحة لأسباب لا يمكن إخضاعها للجانب السياسي أو الأهداف والشعارات التي ترفعها تلك التنظيمات، هناك استهداف لرمزية السعودية بما تعنيه من قبلة الإسلام والاستقرار السياسي والنموذج للدولة العصرية المتصالحة مع قيم الحداثة على المستوى الاقتصادي، وهو ما تكثفه جماعات العنف والإرهاب بمسمى «العدو القريب»، منذ بواكير حركات التمرد وجهيمان، مروراً بالأفغان العرب، ثم «القاعدة»، ووصولاً إلى «داعش» وأخواتها. العدو القريب في منطق هذه الجماعات هو الذي ينازعهم الشرعية على مفهوم الإسلام، ومن هنا يمكن فهم أطروحة منظّر «القاعدة» أبو محمد المقدسي في تخصيصه المملكة بمؤلف تكفيري دون بقية الدول، بسبب محاولة هذه الآيديولوجيات سلب الشرعية الدينية بهدف تلبسها.


من جهة ثانية تستثمر التنظيمات الإرهابية انكساراتها بالعودة مجدداً إلى الاستقطاب والتجنيد من خلال محاولة التأثير على إحداث عمليات فوضوية رمزية ذات بعد إعلامي كبير، ومن هنا يمكن فهم استراتيجية تنظيم كـ«داعش» في لحظات تراجع عملياته إلى القيام بمحاولات لعمليات ذات صدى إعلامي كبير سواء باستهداف المقدسات أو السفارات للدول الغربية أو حتى المواقع التي تحمل رمزية سياسية مثل قصر السلام وغيره، مع إدراك أفراده الانتحاريين تحصينها وأنها لن تحقق سوى الفوضى، ولكن استثمار التنظيمات في هذه الشخصيات الانتحارية اليائسة يكمن في الصدى الإعلامي الذي أدمنته التنظيمات لإثبات الوجود ولمحاولة الاستقطاب مجدداً.
التنظيمات الإرهابية بما فيها «داعش» تحولت من كيانات مستقلة على المستوى التنظيمي والفكري وفي أهدافها واستراتيجياتها الحربية، إلى تنظيمات مستخدمة وتابعة للنزاعات الإقليمية والحالة السياسية العالمية، فالرغبة في البقاء وتصدر شاشات التلفزة والميديا يعني ضرورة استغلال كل الظروف والمناخات للاستثمار في الإرهاب الفوضوي.
انكسارات «داعش» على الأرض أسهمت أيضاً في عودة قوته على مواقع التجنيد الافتراضية والخلافة الرقمية على الإنترنت، واستهداف الخليج والسعودية تعويضاً عن التراجع الكبير في تجنيد الشباب من هذه المناطق، وهو ما يمكن أن يعتبر استراتيجية التنظيم في المرحلة المقبلة، فالتنظيمات المسلحة لديها استراتيجية داخلية لا يعلم الكثير عنها، وإن كانت قد طرحت تساؤلات باحثين كثر حول التركيز على العناصر من الداخل السعودي سواء من السعوديين أو المقيمين فيها لتحويلهم إلى قيادات تنظيمية، رغم أنهم ليسوا الأكثر خبرة أو معرفة، وعلى الرغم من أنهم أقلية في أعداد المقاتلين الذين للمفارقة تتصدر بعض دول المغرب العربي والقادمون من خلفيات أوروبية معدلات الانتساب إلى تنظيم داعش.


استغلال الأفراد المجندين أو المتأثرين بخطابات الإرهاب و«داعش» في السعودية للقيام بعمليات انتحارية يرجع أيضاً إلى أسباب لوجيستية تتعلق بسهولة الانتقال، ومعرفة الجغرافيا السياسية والمجتمعية، واللهجات وأمور أخرى تتصل بطبيعة الأفراد الذين يتم إقناعهم بالعمليات الانتحارية، من حيث اللعب على الثغرات النفسية عبر استغلال العاطفة الدينية.
ومن المرجح أن نشاط العنف الفوضوي من قبل التنظيمات الإرهابية كـ«داعش» وإخوته في المنطقة، في ازدياد، حتى وإن فقدت مناطقها على الأرض بفضل الحملات العسكرية، أو خسرت قياداتها بفضل الضربات الاستباقية، وهو ما يجب أن يطرح السؤال حول ضرورة تعزيز الحلول الأمنية بأجندات فكرية وثقافية مجتمعية، فهذه التنظيمات قادرة على خلق مناطق فوضى والعمل على إرباكها من خلال استغلال الفراغ السياسي، أو حتى تلك الآثار الخطيرة على معالجة ملف الإرهاب من زاوية أمنية فقط من دون إعطاء الأولوية للجوانب الفكرية والثقافية، ولا يمكن مواجهة موجة الإرهاب الذي يعمل كشبكة مفتوحة على كل الجهات وليس كمنظمة من السهل سحقها عسكرياً، إلا بأداء يتجاوزها على مستوى الخطاب المضاد بتفوق تقني ودعائي عالي المستوى، فنحن اليوم أمام كوادر عنيفة شابّة مستلَبة فكرياً همّها بناء صروح من الموت المجاني، وتوظيف كل طاقاتهم لخدمة تلك الفكرة الكارثية.
الحلقة المفقودة في قراءة الإرهاب الفوضوي هي أنها تكون قراءة تالية للحدث، بسبب تورط الكوادر العنفية في العمليات الانتحارية وغياب جزء كبير من الدافع الشخصي، وإن كانت ملامح الدافع لنصرة التنظيمات أو الفكرة العنفية واضحة، وهو ما يتطلب المزيد من القراءات الفاحصة التي تحاول الاقتراب من لحظة التحول في ظل دهشة ردة فعل الأسر عادةً من هذا التحول أو تجاهلها بحجة الخوف والقلق على المصلحة الشخصية للابن بشكل متوهَّم، ومن المهم أيضاً إعادة تقييم ملفات التجنيد لدى التنظيمات الإرهابية وانتقالها من الطريقة الشبكية التي تحدث عنها خبراء الإرهاب في بداياته إلى التجنيد الفردي، حيث لا يتم الالتحاق بمجموعات متطرفة بشكل تنظيمي هيكلي، ولذلك فإن التعرف عليهم يكون عسيراً في الغالب بسبب غياب السمات الشخصية أو العلامات الدالة وحرصهم على السرية والتكتم في خطواتهم التي يقدمون عليها، ومن طبيعة هؤلاء المجندين الصغار غير المرتبطين هيكلياً، أن يحرصوا على إتمام الصفقة لدوافع نفسية، ولو عبر ما يرونه تضحوية جسدية بالحياة في سبيل فكرة مسيطرة تم استغلالها جيداً.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار