: آخر تحديث

هدية ترامب لإيران

وليد شقير

أي مصير للقدس ولفلسطين يمكن الأمل به في ظل تسليم الرئيس الأميركي دونالد ترامب سياسته حيال القضية لصهره جاريد كوشنير، الذي اعتاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو النومَ في فراشه منذ كان الأول فتى صغيراً، بحكم العلاقة العائلية؟

في ظل رئاسة ترامب، يصلح وصف «بئس المصير» على العلاقات العربية- الأميركية أيضاً، مهما كانت المراهنات الخيالية التي برزت عند بعضهم خلال السنة المنصرمة، على أن يدفع ساكن البيت الأبيض عملية السلام إلى الأمام في عهده. فكوشنير سبق أن أبلغ الرئيس الفلسطيني محمود عباس في آخر لقاء معه كمبعوث سلام، أن عليه أن يُقلع عن تكرار تسمية الاحتلال الإسرائيلي الضفة الغربية بما فيها القدس، على أنه «احتلال». 

أسقط مفهوم كوشنير لدور واشنطن في المفاوضات على الوضع النهائي للقدس والأمن والمستوطنات والحدود، هذا الدور قبل اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل. المقدّمات في موقف واشنطن كان من الطبيعي أن تقود إلى إعلان الرئيس الأميركي ما أعلنه.

ليس ترامب وحده الذي يتحمل مسؤولية تلك المقدّمات. سلفه باراك أوباما نفسه وعد عام 2008 مع انتخابه، بوقف الاستيطان الإسرائيلي، ثم تراجع بعد سنة وقال للرئيس عباس بكل بساطة: «لم أتمكن من تنفيذ هذا الوعد». فالتغاضي الأميركي عن الاستيطان الإسرائيلي منذ عشرات السنوات، في المناطق التي يُفترض أن تخضع للتفاوض، يسوّغ تسليم القدس إلى الاحتلال. 

وبكل بساطة، علينا أن نتذكر ما يقوله بعض الناشطين اليهود من أجل السلام، ومنهم يوري أفنيري، من أن واشنطن هي التي كانت على الدوام، وفي كل المحطات المفصلية التي مرّت في عمليات التفاوض على السلام، تتراجع عن فرضه، حتى عندما كان يظهر بين حكام تل أبيب من لديه قابلية لتقديم تنازلات.

الإدارات الأميركية المتعاقبة أرادت إبقاء الفلسطينيين وسائر العرب خاضعين لمبدأ الحاجة إلى دورها في المنطقة، مقابل التوسع الإسرائيلي والحاجة إلى التسلح. تفوّق إسرائيل وضعف العرب وسيلتُها للحفاظ على نفوذها وسيطرتها.

والأنكى أن ترامب أقرن قراره نقل السفارة إلى القدس بتحذير الأميركيين من السفر إلى المدينة المقدّسة والتجوّل فيها، مدركاً سلفاً أن خطوته ستعرّض مواطنيه لمخاطر أمنية، على رغم وصفه بأنه الجاهل بتاريخ المنطقة.

سنسمع الكثير من التبريرات والدعوات إلى التريّث العربي في ردود الفعل، والتي لا تقدّم جواباً فعلياً على السؤال حول ما سيفعله العالمَان العربي والإسلامي ردّاً على خطوة ترامب بعد الإهانة التي تعرّضا لها. وهي تبريرات شبيهة بالتي سبقتها منذ عام 1947، داعيةً إلى انتظار تعديل في السياسة الدولية، بالمراهنة على الضغط الأوروبي. 

ماذا ينفع التفسير القائل إن ترامب احتاج إلى الخطوة من أجل التغطية على وضعه الحرج بسبب التحقيقات في الكونغرس حول تواطئه مع التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية التي قادته إلى رأس السلطة، فيسترضي اللوبي اليهودي للدفاع عنه وتعطيل الهجوم الداخلي عليه؟ وماذا ينفع التحايل على الغضبة الشعبية ضد قراره استناداً إلى أنه ضد القانون الدولي؟ أو بالعودة إلى التاريخ للقول إن اليهود لم يحكموا القدس سوى 73 عاماً قبل الميلاد طوال تاريخها الذي بدأ منذ أكثر من خمسة آلاف سنة؟ أو بالعودة إلى أسلوب تخدير هذه الغضبة الشعبية عبر الإيحاء بأن القرار لا يُلغي إمكان اعتماد القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية؟ فاختلال ميزان القوى المستمر، جعل من العرب تلك «الظاهرة الصوتية» غير الفاعلة إزاء كل الإجراءات الإسرائيلية.

وفي كل الأحوال، أمعن الغرب والولايات المتحدة خصوصاً، في التفرّج على الصراعات العربية تتفاقم، وفي تغذية الصراع العربي- الإيراني الذي استفاد منه الجموح الإيراني نحو الهيمنة الإقليمية. وبات من الصعب توقّع وحدة الموقف العربي والإسلامي لمواجهة القرار الأميركي، ما سيُخلي الساحة لجيل جديد من الإرهاب القابل للتغذية بشتّى الحجج والشحنات الأيديولوجية والدينية، مع الإعلان عن القضاء على «داعش» في سورية والعراق.

قرار ترامب أثمن هدية لإيران، مع إعلان ريكس تيلرسون أمس، أن إيران تقوم بأعمال شريرة لزعزعة استقرار المنطقة، بقدر ما هو هدية لإسرائيل في ظل التشرذم العربي والإسلامي. وبالقدر الذي تتطلع واشنطن إلى اكتفاء العرب بوقوفها معهم ضد طهران، فإن الأخيرة ستبرّر سياستها الهجومية المستمرة على الصعيد الإقليمي، بمظلة مقارعة أميركا وظلمها للفلسطينيين، مرة أخرى. وها هي تحشد قواتها في الجنوب السوري مجدداً من أجل المزيد من التوسّع في بلاد الشام، لتثبيت نفوذها، ردّاً على القصف الإسرائيلي لقواعدها ومعامل الأسلحة التي أقامتها...


عدد التعليقات 4
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. عطوان واسامه فوزي
عبدالله العثامنه - GMT الجمعة 08 ديسمبر 2017 04:29
بغض النظر عن دوافع ترامب بنقل السفاره ان كانت داخليه أم خارجيه أو كانت ناجمه عن أن الرجل مختل عقلياً ونفسياً فانه يعد قرارا خائباً بكل المقاييس ولن يغير في واقع الحال شيء ذلك لأن القدس كلها محتله وفلسطين كلها محتله ، لكن الملفت في الموضوع أن ترامب نسف جهود أسلافه الجباره في اتمام عملية السلام وأوصلها الى حائط مسدود واثبت للقاصي والداني أنه سلام كاذب راعيه الكبير أكبر الكاذبين والعرب هم أكبر المكذوب عليهم اضيف اليهم المجتمع الدولي والدول المانحه والأمم المتحده من جملة السفهاء المكذوب عليهم، لكن العرب والفلسطينيين كانوا أوائل الذين عرفوا منذ اليوم الأول لعملية السلام انها كذبه كبيره غايتها أن تعيش اسرائيل في سلام مستدام وأن يعيش العرب في مهزله مستدامه تثمر عن ثورات تزلزل كياناتهم وتشتت حاضرهم ومستقبلهم ،، القرار أعطى المزاودين على القضيه جرعة منشطات ليستأنفوا عملية المزاوده من جديد ويشنوا هجومهم الكاسح على الدول العربيه المراد زلزلتها ويحملوها مسؤولية ضياع القدس على يد حليفهم ترامب!! فها هو عبد الباري عطوان يسن سكاكينه واسامه فوزي يبث أراجيفه وأبو عثمان وعزام التميمي وعزمي بشاره وقناة مكملين وقناة الجزيره والمنار وقنوات الحشود التي نفلها الدود وصابر مشهور ومعتز مطر ومن لف لفهم يستعدون لشن هجمات منسقه ومركزه على كل الجبهات .
2. ايران الفارسية اقوى......
سرحان - GMT الجمعة 08 ديسمبر 2017 10:14
بغض النظر مع او ضد ....اقوى دولة في الخليج هم الفرس .واضعف دولة هي السعودية .وامريكا تعي هذا جيدا وتتعامل بهذا المنطق .واذا كان البعض يعولون على ترامب من خلال الاموال الطائلة التي قدمت له من اجل ضرب الفرس فانه لن يفعل .وحينها سوف تزداد قوة ايران ويشتد عود الشيعة ويزيد الخطر وتضيق الدائرة على اصدقاء ترامب .والايام بيننا . وتبقى تركيا هي المضلة الوحيدة والحصن المنيع للصراع القائم .علينا دعمها.
3. متى تعون على انفسكم
PMSK - GMT الجمعة 08 ديسمبر 2017 10:53
تشرذم العرب ،وكل منهم يريد ان يتسيد على اخوانه ويريد فرض سياسته عليه ، لا بل قام يدفع المليارات لقتل اخوانه في الدول العربية ، وتدميرها وتغيير حكامها ، لا بل دفعها الى الحروب .... وهذا ما سهل الدول الاخرى على التدخل وفرض الامر الواقع ، بحجج مختلفة ، سواء ايران او تركيا او امريكا ... وهذا ما اضعف العرب كليا وجعلهم يحاربون بعضهم ، وهل نسينا ... كيف دفعت دول الخليج ، الطاغية صدام بشن الحرب مع ايران ، لا بل مولت تلك الحرب لسنين طويلة ... وكيف دفع العرب الفلسطينيين لتعميق خلافاتهم وانشاء تنظيمات عديدة ، اختلفت عقائدها وفقا من يمولها من الدول العربية وغيرها ، وهكذا تدخلت ايران وتركيا وغيرها ، لان العرب اصبحوا ابعد عن قضيتهم ، فقط قرارات قمة عربية وجامعتها العديمة الفائدة ، ولا تنفيذ فيها ... ونسي كثيرون من الكتاب والمعلقين ، لا بل تناسوا ، قضيتهم ، واصبحوا اسيري البعد الطائفي ، وحجج الصراع الطائفي ، السني الشيعي ، وتاجيجيه عبر قنوات التلفزة والصحافة ، التي اصبحت منتشرة ، وهكذا ضعف العرب وضيعوا الكثير من ثرواتهم لانهم يصرفوها على القتل والتدمير في دول اشقاءهم ... وهذا ما دفع امريكا وحكامها الى التمادي وفرض سياساتها عليكم واضاعوا الكثير وسيضيعون اكثر .. وبهذه التفاهات وعدم الشعور بالمسؤولية القومية والدينية ، اضعنا القدس ، وسبقها اضعنا فلسطين ... وسنرى ما سنفقد بعد ذلك ... ويتلقون التباكي والابتعاد عن عروبكتكم بحجج طائفية وايران وتدخلاتها ، ولكنكم تصمون اذانكم وتقطعون السنتكم وتشل اقلامكم عن ذكر تدلاخت تركيا وواسرائيل وغيرها ....
4. نهاية مخطط!
بوسلطان - GMT السبت 09 ديسمبر 2017 01:04
هل سأل العالم لماذا جاء قرار ترامب في هذا التوقيت ؟ومن المستفيد من وراء هذا القرار؟ بعيداً عن ما يعنيه القرار،،أمريكا تخوض حرب ضد العرب والمسلمين بالنيابة عن الصهيونية وانجزت القسم الأول وهو العراق وجاءت على سوريا والحرب مستمرة وكادت تنتصر في مصر وهزمت شر هزيمة ففتحت بوابة الحرب في اليمن بالتنسيق مع علي عبدالله صالح ولكن بعد أن أعلن وأمر أتباعه بالأنقلاب على الحوثيين قتلوه بأوامر من أمريكا لأنه أنهى آخر مخططات أمريكا فى الجزيرة العربية لأنهم يعرفون بأن الحوثيون لن يستطيعوا البقاء ولهذا ولتنفيذ مخطط الطوارئ ولكسب الوقت لم يكن لدى ترامب والبنتاجون إلا أصدار هذا القرار لشغل العالم العربي والأسلامي عن ما يدور في اليمن ،ولا وقت للتباكي فيما يحصل.


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد