GMT 0:05 2017 الجمعة 12 مايو GMT 0:20 2017 الجمعة 12 مايو  :آخر تحديث

«كومي غيت»

الحياة اللندنية

الياس حرفوش

منذ دخوله البيت الأبيض، يتصرف دونالد ترامب وكأنه يدير الولايات المتحدة مثلما كان يدير شركاته أو فنادقه، وليس الدولة التي تفاخر بأنها الديموقراطية الأولى في العالم. قرارات عشوائية، ينطبق عليها ما قالته تلك الجارية لهارون الرشيد: كلام الليل يمحوه النهار. عدم استعداد لممارسة المسؤولية الملقاة على عاتق الرئيس الأميركي، فضحه ترامب نفسه عندما اعترف أنه فوجئ بحجم الأعباء التي يتطلبها هذا المنصب، مقارنة بما كان يقوم به في حياته السابقة، والتي لم تكن بحاجة إلى كثير من العبء أو التفكير.

توجيه إهانات للقضاة الذين رفضوا قراراته بمنع دخول مواطنين من دول ذات غالبية مسلمة إلى الولايات المتحدة. حملات على وسائل الإعلام الأميركية العريقة، مثل صحيفتي «نيويورك تايمز» و «واشنطن بوست»، أو محطة «سي أن أن»، بحجة أنها تبث أو تنشر «أخباراً كاذبة»، متجاهلاً حجم التأثير الذي تملكه وسائل كهذه بين صانعي القرار في الولايات المتحدة، وإن لم تكن من دون تأثير كبير في الولايات الوسطى والجنوبية التي تسكنها الأكثريات الشعبية، خارج المدن الكبرى على ضفتي تلك البلاد الشاسعة. باختصار يحتقر ترامب بشكل مطلق المبدأ المقدس في أي نظام ديموقراطي، والقائم على فصل السلطات، وعدم تدخل الرئيس في شؤون القضاء، والتزامه احترام حرية الإعلام والصحافة.

يؤكد هذا الاحتقار القرار الأخير الذي اتخذه ترامب بطرد مدير مكتب التحقيقات الفيديرالي (أف بي آي) جيمس كومي، لأنه «لا يقوم بعمل جيد»، كما جاء في قرار الإقالة. مع أن ترامب كان قد أشاد سابقاً بمهنية كومي، عندما فتح تحقيقاً في سوء استخدام هيلاري كلينتون بريدها الإلكتروني، وهو القرار الذي قالت المرشحة الديموقراطية آنذاك أنه أثر سلباً في فرص فوزها.

لكن ترامب يبرر الآن طرد مدير الـ «أف بي آي» بأنه لم يكن منصفاً بحق هيلاري كلينتون وأساء إدارة التحقيق. مع أن ترامب سبق أن هدّد هيلاري بدخول السجن خلال إحدى المناظرات الانتخابية بينهما. ومن هنا جاءت ردود الفعل على قرار الرئيس الأميركي بأنه يتصل بالتحقيق الذي يجريه «أف بي آي» في التدخل الروسي لمصلحة حملته الرئاسية، وهي التهمة التي ترفض أن تختفي وما زالت تلاحق هذه الإدارة، بعدما أطاحت بمستشار الأمن القومي مايك فلين، وفرضت على وزير العدل جيف سيشنز، الذي يقوم بدور المدعي العام، عدم التدخل في التحقيقات، بعدما تم الكشف عن اتصالاته بالسفير الروسي في واشنطن، والتي كان سيشنز قد أنكرها.

إذا كان ترامب يعتقد أنه بإقالة جيمس كومي سيخفف من حجم المطالب الداعية إلى تحقيق مستقل في تورط روسيا في حملته الانتخابية، فإنه يكون قد ارتكب خطأ كبيراً. على العكس، فالأصوات الديموقراطية وحتى الجمهورية تطالب الآن بتحقيق مستقل تماماً عن أجهزة الإدارة، وهي مطالب بات صعباً إسكاتها أو التغطية عليها.

السناتور الجمهوري جون ماكين اعتبر أن طرد كومي لن يوقف فضيحة التدخل الروسي التي ستستمر، مؤكداً أن الحقيقة ستظهر. كما لم يسعف ترامب كثيراً أن سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي كان يزور واشنطن عندما صدر قرار إقالة مدير الـ «أف بي آي»، ووقف لافروف أمام الصحافيين ساخراً من المدير، وفاضحاً إلى حد بعيد الحلف السري بين البيت الأبيض والكرملين، الذي بات كثيرون في واشنطن يرون أنه يشكل التهديد الأكبر لهذه الإدارة، بعدما انطلقت في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل عبارة «كومي غيت»، لتذكّر بتلك الفضيحة الشهيرة التي أطاحت ريتشارد نيكسون.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار