GMT 0:00 2018 الجمعة 18 مايو GMT 1:33 2018 الجمعة 18 مايو  :آخر تحديث

هكذا يُبدل النظام السوري الديموغرافيا بالقوانين

الحياة اللندنية

مهى يحيى

مع دخول نظام بشار الأسد المرحلة الأخيرة من حملته العسكرية لإحكام السيطرة على أجزاء رئيسة من سورية، فإنه يُغيّر قوانين التخطيط المدني، ويرمي إلى خلق وقائع ديموغرافية جديدة. ويأمل على المنوال هذا بترسيخ مكاسبه على الأرض وإعادة رسم وجه سورية بشكلٍ يُلائم مصالحه.

والمثال الأخير على هذه السياسة هو القانون الرقم 10 الذي أصدره الأسد في الثاني من نيسان (أبريل) الماضي، والذي يجيز لمدن وبلدات في أنحاء سورية كلها، تخصيص مناطق تقع ضمن حدودها الإدارية للتنمية أو إعادة الإعمار، وإنشاء شركات تطوير عقاري تُشرف على تصميم مثل هذه المشاريع وتنفيذها. ويرى مراقبون كثيرون أن هذه الخطوة هي الحلقة الأخيرة في سلسلة تعديلات تشريعية تهدف إلى مصادرة أملاك بعض السوريين بشكل دائم، ومكافأة الموالين للنظام.

ووصفت وزارة الخارجية الألمانية أخيراً هذا القانون ومحاولات مماثلة لتغيير النسيج السكاني السوري بـ «المريبة».

وأكثر ما يثير القلق حول القانون الرقم 10 هو ما يترتب عليه في مسألة حفظ حقوق الملكية، وتحديداً ملكية اللاجئين. وبموجبه، يُفترض بأصحاب الملكية أو شاغليها أن يقدّموا ما يُثبت ملكيتهم، سواء كان صكوك ملكية أو عقود إيجار، في غضون شهر من تاريخ إدراج منطقتهم في إطار هذا القانون وصدور مرسوم تطويرها العقاري. وبعدها، تُقدَّر قيمة الممتلكات قياساً على أسعار السوق الحالية، ويُمنح المالكون أسهماً تتماشى مع القيمة المقدّرة لملكياتهم في شركة عقارية حديثة الإنشاء، وتعود ملكيتها الى القطاعين الخاص والعام. ولا يملك المالكون موارد الطعن بهذه التقديرات- وهي في أجواء النزاع الحالي أدنى كثيراً من قيمتها في السوق. كذلك، ينص القانون الرقم 3 على شروط مماثلة - وهو صدر في 2018 ويُعنى بمسألة إزالة الأنقاض والمباني المتضررة في أصقاع سورية.

والقانون الرقم 10 امتداد للمرسوم التشريعي الرقم 66 الصادر في 2012 لـ «تطوير مناطق المخالفات والسكن العشوائي» في أنحاء سورية. ويقدّم هذا المرسوم نموذجاً ملموساً لكيفية تطبيق القانون الرقم 10 من طريق تحديد منطقتين تنظيميتين في دمشق وجوارها- بساتين الرازي في منطقة المزة في العاصمة، ومنطقة أوسع تشمل بلدات تمتد من داريا والقدم في الشرق- للتطوير في مشاريع قيمتها ملايين الدولارات وتعكس صورة جذابة لدمشق في المستقبل.

أجاز المرسوم الرقم 66 مصادرة أراضٍ مدرّة للربح، وتدمير مساكن عشوائية في بساتين الرازي. وتقع مثل هذه المساكن في مناطق أُنشئت فيها الوحدات السكنية على أرض لا يملك شاغلوها فيها حقوقاً قانونية أو حقوقاً مثبتة، أو حيث المساكن تخل بخطط التنظيم المدني وقوانين البناء. وكان معظم السكان نازحين ريفيين انتقلوا إلى العاصمة منذ الستينات وصاعداً. وهم لا يملكون أي إثبات يوثق ملكيتهم الأرضَ أو المنازل حيث يعيشون- وستصبح مناطقهم موقع مشروع تطوير عقاري أطلق عليه اسم «ماروتا».

وتتولى إدارة هذا المشروع- وهو ثمرة شراكة بين القطاعين العام والخاص- شركة دمشق الشام القابضة، التي أنشأتها محافظة دمشق ويُموّلها مستثمرون من القطاع الخاص مقابل أسهم في المشروع. وقد استحوذ رجال أعمال تابعون للنظام على معظم الأسهم.

يُوحي هذا المشروع بوهم التحسين المدني، غير أن نقل آلاف من أفقر سكان العاصمة، ومنح عقارات من الدرجة الأولى للبورجوازية المدينية الثرية وصفوة الطبقة الوسطى، يُشكّلان سويةً محاولة تطهير سياسي واجتماعي-اقتصادي. وكانت المناطق التي سيطاولها القانون في صدارة الاحتجاجات على النظام في 2011، ومواقع التمرّد المسلّح في العام 2012. وكذلك، فإن مناطق داريا والبلدات الشرقية التي شُرِّعت على إعادة التطوير كانت مراكز التظاهرات في أول أيام الانتفاضة وصارت معاقل المعارضة المسلّحة.

وحوصر سكان هذه المناطق طوال سنوات، وغادر معظمهم بسبب اتفاقات استسلام فرضها النظام ونُزعت منهم منازلهم من دون توفير سكن بديل. ولم يشمل المرسوم 66 منطقة عشوائية أخرى تقطنها في الغالب جماعات موالية للنظام السوري، على غرار المزة 86.

وأُعلن عن شركة قابضة مماثلة لدمشق الشام- ولكنها أوسع نطاقاً - في محافظة حمص، وهي منطقة تمتد من الحدود اللبنانية إلى الحدود العراقية، وهي غنية بالمعادن وغيرها من الثروات. وساهم المرسوم التشريعي الرقم 19 الصادر في 30 نيسان 2015، في تيسير إنشاء هذه الشركات. فهو يجيز للبلدات والمدن إنشاء شركات قابضة خاصة لإدارة الأصول والممتلكات المدينية أو المناطقية.
ويشمل المرسوم، في ما يشمل، تشييد البنى التحتية، ومنح رخص البناء، وإدارة المعاملات المالية في البلدات والمحافظات.
وستتولّى شركات فرعية تعود ملكيتها إلى القطاع الخاص، تنفيذ هذه المهام. إن عودة ملايين اللاجئين إلى سورية لإثبات ملكياتهم على ما ينص القانون الجديد الرقم 10- هذا إذا توفّرت هذه الإثباتات- هي بمثابة مهمة انتحارية. فالذكور مطلوبون من النظام بتهمة الفرار من التجنيد الإجباري، في وقت يُرجّح أن السجن ينتظر غيرهم بتهم المشاركة في نشاطات معارضة. وثمة سوريون لا يملكون ما يثبت ملكياتهم، وبالتالي من المستحيل تقديم الأدلة عليها. وقد أُكره كثيرون على الفرار من سورية بسبب النزاع في مناطقهم من دون حمل أوراق ثبوتية، ومنها سندات الملكية. والتحدي ضخم في محافظة مثل حمص، حيث لم يتبقَ من سكان ما قبل النزاع سوى 26 إلى 50 في المئة.

وتفاقم صعوبة الأمور تحديات قانونية وثيقة الصلة بحقوق الملكية. قبل النزاع، كان ما يقارب 40 في المئة من السوريين يعيشيون في مناطق سكن عشوائية. وعليه، كانت حيازتهم سندات قانونية معترفاً بها تثبت الملكية، محدودة. وفي القوانين الجديدة، تميل الكفة نحو الشكليات القانونية الرسمية في حقوق السكن والأرض والملكية، ويقوض هذا الانحياز حقوق وحياة ملايين من السوريين المقيمين في العشوائيات. وبالنسبة إلى سوريين آخرين، يترتب على ضعف آليات فرز وتقسيم المناطق وتطبيق قوانين التنظيم المدني في مرحلة ما قبل النزاع، عدم تسجيل ملكياتهم رسمياً، في وقت لا يزال كثيرون منهم يملكون صكوكاً تعود إلى العهد العثماني أو الفرنسي. وبالنسبة إلى المتحدّرين من مناطق لحقها ضرر كبير وتغيّرت السجلات العقارية فيها، يطيح القانون الرقم 10 أي أمل في العودة والمطالبة بملكياتهم.

حاجات سورية إلى إعادة الإعمار ضخمة. ويُرجّح أن تناط بالقانون الرقم 10 أدوار متعدّدة في هذا الصدد. يقدّر البنك الدولي أن حوالى 30 في المئة من الوحدات السكنية دمّرت جزئياً أو كلياً. وتشير التقديرات إلى أن كلفة إعادة الإعمار تتراوح بين 100 و350 بليون دولار، وهذه فاتورة تتجاوز قدرات سورية، في وقت لم يُبدِ أي من حلفائها أو المجتمع الدولي استعداداً لتسديدها.

يخدم القانون الرقم 10 أربعة أهداف من وجهة نظر النظام. فهو، أولاً، يسمح له بالبدء في أنشطة إعادة الإعمار في مناطق محددة من سورية يملك فيها مصالح استراتيجية سياسية أو اقتصادية. وثانياً، يعزّز القانون هذا آليات غربلة النظام للعائدين وقدرته على مصادرة أصول معارضيه السياسيين. أما اللاجئون الذين يعتبرهم خونة في الغالب، فهذا القانون يفاقم خطر نزع ملكياتهم ودوام بقائهم في المنفى. وثالثاً، يسمح هذا القانون للنظام بترسيخ قاعدة نفوذه من طريق إسكان الموالين له في المناطق الاستراتيجية.
كذلك، يشكّل هذا القانون، في الوقت نفسه، أداة تمنع عودة من قد يكون في المستقبل مصدر مقاومة. وأخيراً، يوفّر هذا القانون إمكانيات در الأموال لتمويل أنشطة النظام، سواء كانت عسكرية أم لا، ومكافأة الموالين له عبر السماح لهم بشراء حصص في مشاريع عقارية قيّمة بأسعار أدنى من أسعار السوق. وقد يُفوَّض رجال أعمال مقرّبون من النظام بإعادة إعمار وتطوير هذه المناطق. ولا تترك المناطق الثلاث التي اختيرت لتطبيق القانون الرقم 10 مجالاً للشك في أنه سيُستخدم لمعاقبة معارضي النظام.

ووفق حسين مخلوف، وزير الإدارة المحلية، فهذه المناطق هي باب عمرو والسلطانية وجوبر في حمص، ومناطق سكن عشوائي في حلب وفي منطقة حرستا شرق الغوطة، على مقربة من دمشق. وهذه المناطق كلّها كانت نواة معارضة نظام الأسد وفرضت عليها الحكومة استراتيجية الحصار والتجويع. وقد أُخلي باب عمرو من سكانه كلّهم، وسُوّي بالأرض، وتشير تقارير إلى أنه تم التلاعب بالسجلات العقارية لسلب المالكين ممتلكاتهم. إذاً، يُضعف القانون الرقم 10 الأمل بتحقيق مصالحة وطنية مستقبلية في سورية، ويُعبِّد الطريق أمام اقتلاع سكاني واسع النطاق. وعليه، أمام المجتمع الدولي السؤال الآتي: هل ينبغي على الدول أن تموِّل إعادة إعمار سورية في مثل هذا السياق، وتساعد بالتالي النظام الذي شنّ عمليات تطهير في حق شعبه؟ الجواب يبدو واضحاً.

* مديرة مركز كارنيغي في بيروت، والمقال من موقع «ديوان» التابع لمركز كارنيغي للشرق الأوسط.


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار