GMT 18:44 2017 الأربعاء 15 نوفمبر GMT 7:58 2017 السبت 18 نوفمبر  :آخر تحديث

الحب سر الله في الانسان

نزار جاف

نزار جاف

إذا کان لکل شئ من تعريف، فإن الحب لوحده غني عن التعريف، ذلك ان الانسان ومنذ تلاعبه و عبثه بالکلمات، سافر بل طار في فيافي و بحور الاوصاف و التشبيهات و التضمينات بحثا عن مفردات تجعل من الحب أيقونة مرئية للجميع، وکان کل مرة وعند کل أيقونة يجسدها، يطير قلبه فرحا ظنا منه انها ضالته، ولکنه سرعان ماکان يعود القهقري و يبدأ من جديد.

تعال وألق برأسك هنيهة على فخذي کي أبکي على وردة و على قلب خسرته

هکذا وصف الشاعر عبدالله کوران حال الحبيبة التي کانت تتغنج على حبيبها وطالبه بأن يأتي لها بباقة ورود من قصر الملك، فجاء لها بالباقة و سهم قد مزق شغاف قلبه ففارق الحياة على فخذها و مطر دموعها يغسل وجهه بتٶدة.

لست أبحث عن تعريف عن الحب رغم إنني أطمح لو حظيت بذلك الشرف الکبير يوما، لکنني أرغب بين کل فترة و أخرى في أن أسبر أغواره و أمضي في دياجيه بعيدا عن هذا العالم الکئيب الغارق في کل أنواع الظلام و الکذب و الضياع، ولاأدري لماذا أجد نفسي دائما مع ذلك المقطع الغريب من فلم"روفائيل الفاسق"، عندما وجد روفائيل أن الاميرة الفرنسية قد أحبته من أعماقها ولما کان مجرد زير نساء و يرغب في التنقل کالفراشة من حضن هذه المرأة لأخرى، فقد صمم على الهروب منها، وهذا أيضا مصداق على إعتراف ضمني منه بطهارة حبه لها، وکان يرتاد المواخير ليحظى کل يوم ببائعة هوى مختلفة عن الاخرى، لکن الاميرة التي طار صوابها في حبه ظلت تراقبه عن کثب حتى علمت بأنه يرتاد المواخير، فذهبت الى إحدى المواخير التي يرتادها روفائيل بشکل مستمر وهناك لبست و تهندمت و تزينت کبائعات الهوى، وعندما أطل روفائيل هرعت إليه صاحبة الماخور التي لم تکن تعلم شيئا عن أصل الاميرة و علاقتها بروفائيل، وهتفت به جذلى: هناك غانية فائقة الحسن بإنتظارك! ولما دخل روفائيل مسرعا الى غرفتها و نيران الشهوة تستبد به، فقد کانت المفاجأة التي صعقته و هزته من الاعماق عندما أبصر الاميرة في هيئة مومس، فصاح بها جزعا؛ لماذا فعلت ذلك؟ فأجابته تلك الاجابة التي لن أنساها أبدا، والتي تتضمن أعمق و أروع المعاني الانسانية بين کلماتها، حين قالت: أنا أحب کل شئ أنت تحبه، وطالما تعشق الغواني فإني سأصبح إکراما لك مجرد غانية!

النظر بعين المعشوق و السماع بأذنه و الذوبان في عوالمه و أجواءه، هذا هو من أحوال و أهوال الحب وأنت لازلت لم تطأ بقدميك بعد عتبات بواباته، فکيف الحال إدا ماتجاوز العتبة و تخطيتها؟ وقد يکون ماقد قاله المتنبي وصف بديع لذلك:

وقل لقتيل الحب وفيت حقه

وللمدعي: هيهات ما الکحل الکحل

تبا لقومي، إذا رأوني متيما

وقالوا: بمن هذا الفتى مسه الخبل.

بل وان الشاعرة الايرانية الرقيقة"فروغ فرخزاد"، تضع شرطا لمن يريد أن يطأ بوابات الحب، عندما تقول:

ليت القلوب کانت من النقاء

بحيث عند قول"أحبك" لاتحتاج للقسم

الحقيقة أن القسم هو من أجل درء الشك و الظن، لأن أروع و أقوى و أسمى و أعمق حالات الحب هي تلك التي يکون کلمة"أحبك"، جواز مرور ليس الى القلب وانما الى أعماق الروح، فعندما يطأ العاشق عتبة بوابات الحب، ويرى معشوقته فإنه يخالجه فورا إحساس فريد من نوعه، إذ يشعر بالفرق الشاسع بين وحدته و وحشته قبل لقياها و وحدته و وحشته عندما تغيب عنه وهذا هو الضياع و الذوبان في الحب!

هذا الحب، نجده أيضا عند عنترة أبن شداد الذي يخلط بين عالمين متناقضين تماما ليصل الى القناعة المثلى بأن الحب هو الاصل و الاساس الانساني عندما يقول:

ولقد ذکرتك و الرماح نواهل مني

وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها

لمعت کبارق ثغرك المتبسم

فما بين الموت و الميلاد حيث يقف عنترة، ينتزع من وسائل و أدوات الموت عدته للعودة الى عوالم الميلاد حيث عبلة التي تجلس بخيلاء في عرش قلبه و روحه و عقله.

الشاعر الکردي أحمد مختار جاف، يمضي بعيدا کمن تعدى العتبة بخطوات عندما يقول:

لو حظيت يوما بالتسول أمام دارها

أقسم أن لاأبدله بعرش و تاج السلطان

أمام دارها فقط، وليس أمامها، أوليس الناس يذهبون لأضرحة و بيوت و مقامات القديسين، فالمعشوقة عند هذا الشاعر في مصاف القديسين و الاولياء الصالحين!

الحب، ذلك الذي وصفه الکبير الخالد جبران خليل جبران قائلا: لاتقل إن الله في قلب العاشقين بل قل إن العاشقين في قلب الله. وقد صدق، فالله هو الحب وأي حب، الحب الذي ليس بعده حب، حب تبحث عنه دونما کلل أم ملل فتکتشفه و يکتشفك لکنك تجد نفسك وانت في أغواره بأنك لازلت بعيدا عنه فتعدو و تعدو ولکن لاتسبق ظلك کما يقول أبراهيم ناجي بل تسبق جسدك فمن يعدو هو ذلك القبس و الشعاع الذي أودعه الله في أعماق کل إنسان و جعله يعيش ليبحث عن نفسه في نفسه فهل هذا هو الحب أم إنني أخطأت مرة أخرى؟!

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار