GMT 14:59 2017 الأربعاء 12 أبريل GMT 17:33 2017 الجمعة 14 أبريل  :آخر تحديث

مكائد وسفالات نعيشها

جواد غلوم

كثيرة هي حالات الخديعة والغشّ والتحايل التي تواجهنا أينما ولينا وجهنا ومع اية جهة نتعامل بها بدءاً من الطبقات الدنيا في مجتمعنا وصولا الى النخبة التي نسميها راقية سواء كنا مطيعين ام مرغمين وتكاد تكون صفة الغشّ والتدليس هما الصفتان الشائعتان هذه الايام في مختلف شرائح مجتمعنا.

رعاة القانون من محامين وقضاة يغشّون ويقلبون الباطل حقا والحق باطلا وفق تسعيرة يحددونها بانفسهم، والاكاديمي المعلم والاستاذ والبروفيسور في الجامعة يضع الأبله والكسول والطالب المتقاعس في الصفوف الامامية من مرتبات النجاح حيث تصله الاسئلة الامتحانية قبل موعد الاختبار بعد ان يدفع المقسوم المتفق عليه من أبيه الثريّ التاجر والسياسي اللص الماكر ولم يسلم المثقف من الكذب والغش وقلب الموازين وفقا لما يعوزه الجيب لتنقلب المواقف والمبادئ وفق الصورة التي نريد وتتحرك سعيا او جريا وربما ركضا تبعا لكمية المال الذي يدخل خزانته.

ترى الاعلاميين المثقفين يتسارعون لعرض كفاءاتهم وتأجير ألسنتهم وأقلامهم وقنواتهم الفضائية لتكون طوع امر السياسي الفاشل من اجل تلميع صورته وإضفاء مزيد من الإضاءة على وجهه المتجهم وإخفاء عيوبه بمساحيق كلام وإبراز الجانب الأخف ضررا من طلعته وترويج سفاسف المديح والثناء على الأذان المغفلة والعقول المغيبة، وبالطبع فان لكل شيء ثمنه في تدليس البذيء وإخفائه وإظهار مايمكن تلميعه ببراعة ومران المثقف الماكر وما اكثر تبريراته حينما يضيق به السؤال، فالكذب والغشّ صارا من مستلزمات الفطنة والحنكة.

حتى صديقي بائع الكتب الذي أزوره أيام الجمعة في سوق الكتب كنت أظنه مستقيما لا شائبة عليه لثقتي به ولتعاملي الطويل معه ؛ آخر مرة حزمَ لي ما اريد من كتب ؛ وبعد فتحها وتصفّحها في غرفتي رأيتها مستنسخة وليست طباعة أصلية بورق رديء يصعب قراءته بمثل عمري الهرم مع اني دفعت ثمنها عاليا وأرفقت مع المبلغ جزالة شكري وامتناني له.

اما عن رسل الرحمة وحاملي أعلام ولافتات البلسم الشافي من المطببين ومانحي الدواء ورافعي مشعل الاستشفاء والذين اقسموا بأغلظ الايمان قسَم أبي الطبّ " ابيقراط " على ان يكونوا اليد الحانية على كسيري الصحة ممن فقدوا نعمة العافية فقد سرى فيهم دبيب الغشّ دون ان يستثنيهم طمعا للمال والاكتناز على حساب اوجاع المعلولين .
بالامس راجعت الدكتور الذي اعتدت زيارته، قام بفحصي وتحرير روشتا مليئة بالعقارات وحدد لي صيدلية بعينها التي اصرف منها الدواء وسمّاها لي بالاسم، أذعنت لوصيته رغم هواجس الشك التي ساورتني، حقا كان شكّي في محلّه إذ دهشت لغلاء السعر، ولأني اصبحت متمرساً بأسعارها وبدائلها الأرخص وسبق وان صرفت مثل هذه الادوية مسبقا بمبلغ اقرب الى نصف السعر قبلا فأحجمت عن شراء العقار الموصوف من الصيدلية المختارة وبعدها ولجتُ الى صيدلية اخرى سائلا عن دوائي فأجابني البائع ان الروشتا هذه " مشفّرة " ولا يستطيع قراءتها الاّ الصيدلي الاول المحدد من قبل الطبيب نفسه وحصل نفس الامر مع الصيدلية الثالثة والرابعة.

عدت استشيط غضبا الى الطبيب بعد ان عرفت تلك الكماشات والتدابير السيئة ضد امثالي من المرضى المنهكين بأسقامهم وخلوّ جيوبهم واقتحمت غرفته ولم أبالِ بالمريض وخصوصية مرضه الذي كان عنده وصببت جام غضبي عليه وعلى شبكة التحايل وكارتل الاتفاقات الحقيرة بين أبناء العصابة الطبية من اطباء وصيادلة ودكاكين المختبرات التي تستنزف جيب المريض المسكين المغلوب على أمره.

ويبدو ان الطبيب أحسّ بثورة غضبي وحاول تهدئتي فحرّر لي روشتا دوائية واضحة دون تشفير استطعت صرفها بمبلغ معقول يتحمله جيبي شبه الفارغ.
عدت منهكا الى البيت وبسبب غضبي رحت اسرد الحكاية على رفيقة العمر عسى ان يخفّ حنقي وأفضفض ما في داخلي وقالت لي ان هذا التحايل شيء طبيعي أينما توجهت وحيثما أزفت، ومادمتَ يا رفيق عمري تتحدث عما يجري لك من مقالب ؛ فدعني اتحدث عن معاناتي انا المسماة ربّة بيتك، فلست وحدك ضحية الغشّ والتدليس فانا عندما احمل حقيبة التسوق واذهب الى الباعة للشراء أجد مايعرض من ثمار الفواكه وباقات الخضار طازجة وشهية امامي وحينما اعود للبيت افرغها من أكياسها وأفاجأ انها تتغير بقدرة قادر الى ما يشبه النفايات او قريبة التلف، وأشير للجزار الى اللحمة المطلوبة الخالية من الدسم والعظم فأفاجأ بتغيير مواصفاتها على حين غرّة وهكذا ببقية المواد.

وكأني فتحت قريحة امرأتي لتنفث كلامها غصّة وغضبا وحكت لي عن حصة العائلة من المواد التموينية التي تخصصها الدولة لذوي الدخل المحدود، فلم تجد منها ما يصلح سوى علب الزيت، فالرزّ مائل الى الاصفرار ويبدو عتيقا صلب الحبّة يكاد يكون حصىً مع ان دولتنا هي من تقوم باستيراده من المناشئ الهزيلة التي تتقبل الفساد والقومسيونات التجارية المشبوهة وكذا الامر بالنسبة للدقيق القريب من اللون الكالح المسودّ الذي نصنع منه خبزنا.

وامام هذا الفيض الهائل من الكذب والغشّ والتدليس أسائل نفسي مرارا لماذا ينتشر كل هذا العيب فينا وبهذا الحجم المخيف مع اني لا اغفل ان شعوبا وامما اخرى قد تظهر فيها تلك السمات المعيبة ولكن بشكل اقلّ بكثير مما يتبدى فينا فقد بلغنا مراتب عالية من المفاسد وفقدان الحدود الدنيا من التعامل الحسن مع الآخرين واهتزاز منظومة الاخلاق وارتخى حبلها بحيث يصعب الان إمساك زمامها ووثاقها بالشكل المطلوب والاّ كيف نفسر او نبرر ماتفعله النخب السامية ونماذج القدوة من مربّين وقادة مجتمع ومانطلق عليهم الانموذج الذي يحتذى به وهم يعيثون فسادا ويكذبون سرّاً وعلانية ويغشون ويدلسون دون اي استحياء امام الرعيّة حتى أخذت تلك الرعية نفس السمات الرخوة في أخلاقيتها من راعيها ...يذكرني هذه الحال ما قال ابن المقفع محاوراً صديقه عبد الحميد الكاتب: " شرّ حال الزمان ما اجتمع فيه فساد الوالي والرعية ".

هذا الطوفان من المكر والمفاسد والغشّ الواسع جعلنا نصاب بيأسٍ، وقد يكون يأسنا مبررا ومنطقياً، وعندي ان رضانا بهذا القنوط من اليأس والرضا به أفضل بكثير من أملٍ لايتحقق وبشائر لا تجيء وآفاق مطبقة وظلماء من المحال ان تفتح لا الآن ولا في المقبل القريب.

ان تكون قنوعا باللاجدوى واستحالة حدوث ايّ تغيير مثمر خيرٌ من ان تترقب ضوءاً لايشرق سواء في بداية النفق او نهايته ؛ ونفوساً لم ولن تتطهر حتى يحين الحين .


jawadghalom@yahoo.com

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار