GMT 7:08 2013 الثلائاء 17 ديسمبر GMT 6:28 2013 الأربعاء 18 ديسمبر  :آخر تحديث

حكايات الكوانتا

د جواد بشارة

4

معضلة الإدراك

كنت في محاضرة علمية فطرح علي أحد الحضور سؤالا يصلح أن يكون مدخلا لهذه المادة: لماذا لا يمكننا الجمع والتوحيد بين نظرية النسبية لآينشتين relativité générale d'Einstein وفيزياء الكوانتوم أو الكموم la physique quantique أو الميكانيك الكوانتي أو الكمومي Mécanique quantique وهي النظرية التي لها عدة آباء من بينهم آينشتين نفسه وماكس بلانك Max Planck وبور Bohr وهيزنبيرغ Werner Heisenberg وشرودينغرErwin Schrödinger و ريشارد فينمان Richard Feynman وفولفغانغ باولي Wolfgang Pauli وعشرات غيرهم، بغية العثور على نظرية واحد جامعة وشاملة وموحدة تقدم لنا الإجابات على كافة تساؤلاتنا عن الكون والطبيعة والحياة؟ في الحقيقة هاتان النظريتان تشكلان اليوم الأعمدة الرئيسية التي تستند عليها الفيزياء المعاصرة وما يرتبط بها من علوم وتكنولوجيا. اشتغل العلماء لسنوات طويلة، منذ بداية القرن المنصرم العشرين ولغاية منتصف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، على هذا المشروع التوحيدي الذي كان حلم آينشتين نفسه، ولكن لم ينجح أي منهم في مسعاه لغاية اليوم، فما زلنا نواجه نفس المشاكل والعقبات حتى بعد اكتشاف بوزون هيغز boson de Higgs قبل أشهر والذي كان من المفترض أن يساهم في تسهيل التوصل الى النظرية الموحد المسماة نظرية كل شيء. فمن جهة لدينا ميكانيك الكم أو الكوانتا، وهو عبارة عن مجموعة من النظريات والفرضيات العلمية التي طورتها الفيزياء لا سيما فيزياء الجسيمات، منذ بداية العام 1900 وعلي يد هؤلاء الفطاحل المذكورين أعلاه، ومجال عملها ينصب في اللامتناهي في الصغر أي من الذرة فما دون، والتفاعلات بين الذرات والجسيمات الأصغر والأدق المكونة للذرات والتي قدمت وصفاً علمياً دقيقاً لعالم الجسيمات والتموجات الفوضوية في الفراغ الكوانتي التي لايمكن للفيزياء الكلاسيكية القيام بها على الاطلاق. ومن جهة أخرى لدينا نسبية آينشتين العامة Einstein et la relativité générale التي تتعامل مع اللامتناهي في الكبر على صعيد الكون كله من الذرة فما فوق وصولا الى المجرات والنجوم وباقي مكونات الكون المرئي. من إضافات آينشتين الجوهرية للفيزياء الكلاسيكية أنه أثبت أن الزمان والمكان لديهما بعد موحد ونسيج واحد ووجهين لحقيقة واحدة ولهما صيغة واحدة هي الزمكان " espace-temps "، حيث يمكن أن يتحول الزمان الى مكان والعكس صحيح في ظروف محددة وشروط خاصة، ثم غير مفهومنا عن ثقالة أو جاذبية نيوتن من خلال مفهوم الحقل الثقالي الذي يؤثر على نسيج الزمكان ويتحكم بمدارات الأجسام الفضائية ومن هنا نشأت مشاكل تتعلق بنظرية الحقل الموحد la théorie du champ unifié وطبيعة القوى الكونية الجوهرية الأربعة. وصف ميكانيك الكموم أو الكوانتوم ثلاث قوى كونية جوهرية هي القوة النووية الشديدة التي تعمل على تماسك مكونات الذرة، والقوة النووية الضعيفة، المسؤولة عن النشاط الاشعاعي la désintégration radioactive و القوة الثالثة وهي الكهرومغناطيسية l' électromagnétique التي تعمل في نطاق الظواهر والشحنات الكهربائية والمغناطيسية وحقولهما من الالكترون الى أي شيء موجود في الكون المرئي. لكن ميكانيك الكموم لم ينجح في التعامل مع القوة الكونية الجوهرية الرابعة وهي الثقالة أو الجاذبية la gravité التي نجحت النسبية في التعامل معها ووصفها خاصة في مجال الثقوب السوداء. والحال أن النسبية لا تتعاون مع الميكانيك الكوانتي أو الكمومي حيث نجح هذا الأخير في توحيد القوى الجوهرية الثلاثة وفشل في ضم القوة الرابعة أي الثقالة التي لم يعرف أحد كيف تعمل الى ان يتم اكتشاف جسيم الغرافيتون graviton المفترض باعتباره الحامل للثقالة كما هو حال الفوتون بالنسبة للقوة الكهرومغناطيسية. والحال أن العلماء يحاولون بلا جدوى العثور على نظرية كمومية أو كوانتية للثقالة أو الجاذبية une théorie quantique de la gravitation قد تكون هي الحل أو الخطوة الضرورية نحو دمج النسبية بالكوانتية. ويستخدم العلماء مسرعات ومصادمات الجسيمات العملاقة لهذه الغاية مع تكثيف وتعميق دراسة وكشف أسرار الثقوب السوداء les trous noirs لأنها تمتلك جاذبية أو ثقالة لامتناهية مع حجم لا متناهي في الصغر، بالطبع هناك ثقوب سوداء عملاقة ولكن هناك تفسير آخر لهذا النوع من الثقوب السوداء، ويسود تفاؤل بين العلماء بأنهم سوف يتوصلون يوما ما الى هذه النظرية الموحدة أو نظرية كل شيء.

من الصعب علينا تكوين صورة واضحة لظاهرة كمومية أو كوانتية لأن تصوراتنا محكومة بالعالم الماكروسكوبي الكبير الذي نعيش فيه ونستمد منه مفاهيمنا ومعارفنا وتصوراتنا في حين أن مداركنا تغدو شبه مستحيلة في العالم الميكروسكوبي مادون الذري لأننا نفتقد للصور المألوفة لدينا لذلك صرح ريشارد فينمان بعبارته الشهيرة:" أعتقد أنني أستطيع المخاطرة بالقول أنه لا يوجد شخص يمكنه أن يفهم الميكانيك الكمومي أو الكوانتي". من هنا صار لهذه النظرية الغرائبية عدة تفسيرات وكل تفسير منها حاول أن يقدم صورة ذهنية image mentale تتيح للفيزيائيين التعاطي مع الظواهر الكمومية أو الكوانتية باستخدام حدسهم بدلا من اللجوء الى شكلانية رياضياتية formalisme mathématique غالبا ما تكون تجريدية يصعب فهمها، إن لم نقل يستحيل، من قبل العامة. ومن أشهر هذه التفسيرات تفسير كوبنهاغن interprétation de Copenhague التقليدي المتشدد والذي دافع عنه ورعاه بور وهيزنبيرغ. ففي عام 1927 قدم العالم الدنماركي نيلز بور Niels Bohr رؤيته للنظرية الكوانتية أو الكمومية في مؤتمر علمي وكانت عبارة عن حصيلة جمع لأفكار قادت الى تأسيس هذا الفرع من علم الفيزياء حيث أن فيزياء الكموم أو الكوانتوم كانت تمتلك حتى في تلك الفترة المبكرة شكلانيتها الرياضياتية ومعدلاتها القوية والفعالة التي نجحت في توصيف وتفسير الكثير من الظواهر الفيزيائية التي عجزت الفيزياء الكلاسيكية عن فهمها وتفسيرها مثل الجسم الأسود corps noir والتأثير الكهروضوئي effet photoélectrique وتركيبة الذرة compositin de l’Atome الخ.. والى جانب الصيغ الرياضياتية الصارمة، كان الميكانيك الكمومي أو الكوانتي يمتلك مسلمتين أساسيتين، أشهرهما هي معادلة شرودينغر l’équation de Schrödinger التي سنتطرق اليها بتفصيل أكبر لاحقاً، وهي خطية ومتصلة linéaire et continue وهما خصلتان جوهريتان لها، فالصفة الخطوطية تعني أنه إذا كان نظامان يشكلان حلا لمعادلة شرودينغر، فإن أي جمع بين النظامين سيكون هو الآخر حلاً. أما خاصية الاتصال فينطوي عليها أنه بغياب الاضطرابات والمؤثرات الخارجية فإن النظام يبقى دوماً في الحالة التي وصفتها له المعادلة.. وإن التطبيق الدقيق والصارم لهذين المبدأين يقود الى مفارقات اشهرها مفارقة قطة شرودينغر الحية والميتة في آن واحد. الى جانب أن الاستمرارية تعني أنه لايوجد شيء يمكن أن يحطم هذه السلسلة من التركيبات التي يمكن أن تمتد الى الــ مالانهاية. ولو اكتفينا بمعادلة شرودينغر فلن نحصل على نتيجة واحدة لأي قياس نقوم به بل سنحصل على جملة من النتائج الممكنة والمحتملة. ولتجاوز أو تخطي هذه الصعوبة أعد التفسير الأورثوذوكسي مسلمة قياس وهي مجرد مسلمة لم تثبت مختبريا وتتمثل باختيار على نحو احتمالي لممكن معين من بين عدد من الممكنات الناجمة عن قياس معين والمتواجدة أو المتعايشة معاً فالحدث الذي يجري عليه القياس يظهر بدون أي تبرير فيزيائي ويضع نهاية لــ الاستمرارية اللانهائية التي توقعتها معادلة شرودينغر وتسمى هذه الظاهرة في علم الفيزياء الكوانتية بانهيار دالة الموجة effondrement de la fonction d’onde. وفي نفس تلك الحقبة الزمنية اقترح العالم بور وعدد من زملائه واتباعه مجموعة مبادئ موجهة ضمن التفسير الأورثوذوكسي ومن اشهرها مبدأ التكامل principe de complémentarité و مبدأ الريبة أو اللايقين principe d’incertitude ومبدأ التوافق أو التطابق principe de correspondance. كان مبدأ التكامل الذي اقترحه بور غير واضح وغائم في صيغته ويتلخص بأنه عند وصف ظاهرة فيزيائية ما يمكننا اللجوء الى عناصر اللغة المناهضة أو المناوئة لها وأوضح مثال لمبدأ التكامل هو صفة الثنوية الجسيمية – الموجية la dualité onde-corpuscule حيث اتضح لنا في بعض التجارب أن الفوتونات تتصرف كما لو كانت موجات في حين أن نفس هذه الفوتونات في تجارب أخرى تتصرف كما لو كانت جزيئات، وهذين الوجهين مكملين لبعضهما البعض كما يقول بور. كما يمكن تفسير مبدأ الريبة أو اللايقين لهيزنبيرغ على هذا النحو كذلك فعند تطبيقه على كينونة ما، لقياس وتعيين موقعها وسرعتها او اندفاعها، يعلن لنا هذا المبدأ بأننا لايمكن أن نعرف على وجه الدقة وفي آن واحد معرفة السرعة والموقع فهما متزاوجان أو مترافقان ومكملان لبعضهما، في حين أن مبدأ التطابق والتوافق يقول أننا يجب أن نرى في الفيزياء الكمومية أو الكوانتية نوع من التعميم والتصويب للفيزياء الكلاسيكية وهو المبدأ الذي يطرح مسألة الحدود بين العالم الماكروسكوبي والعالم الميكروسكوبي. فلو تقبلنا حقيقة أن أي جسم ماكروسكوبي مكون من جسيمات أولية كالذرات والجزيئات والالكترونات الخ، فلماذا لا يتصرف هذا الجسم بنفس غرابة تصرف الجسيمات مادون الذرية في الفيزياء الكمومية أو الكوانتية؟ ففي أية حدود يتوقف الجسم على أن يكون ماكروسكوبي ويدخل في الحيز الميكروسكوبي؟ لم يكن بور يمتلك إجابة على هذا التساؤل والحدود كانت غامضة آنذاك. ولقد قدمت نظرية اللاتماسك أو اللاترابط المنطقي théorie de la décohérence التي اكتشفت في سنوات السبعينات من القرن الماضي إجابة أولية على هذا التساؤل عندما أدخلت عامل المحيط لتفسير غياب التفاعل الكمومي أو الكوانتي l’inexistence d’interférence quantique من نوع قطة شرودينغر على مستوى الأشياء أو الأجسام الماكروسكوبية وبالرغم من النجاحات في مجال التوقعات والتكهنات إلا أن تفسير كوبنهاغن تعرض للنقد الشديد من قبل آينشتين وشرودينغر ذاته مع ان هذا الأخير هو من الإباء المؤسسين للفيزياء الكمومية أو الكوانتية. وذلك بسبب مقاربته الاحتمالية approche probabiliste ولأنه لم يتبن أطروحة الطعن بالواقع الفيزيائي المستقل عن الراصد أو المراقب وتأثير هذا الأخير في دقة نتائج عملية القياس أو الرصد. وبالرغم من النقاشات الحادة لم يتفق العالمان آينشتين وبور بهذا الخصوص. منذ خمسينات القرن المنصرم خرجت تفسيرات أخرى من أشهرها تفسير العالم الفيزيائي دافيد بوم David Bohm الذي استخدم تفسير موجات المادة الذي اقترحه العالم الفرنسي لوي دي بروجلي Louis de Broglie سنة 1924 وقام دافيد بوم في نظريته بعملية تصالح بين الموجات والجزئيات اللتين يفصل بينهما مبدأ التكاملية في تفسير أو مدرسة كوبنهاغن. ففي رؤية بوم تكون الموجة عبارة عن موجة قائدة onde pilote وتتواجد او تتعايش في الفضاء مع الجزيء وتوجهه في مساره. والشيء المفهومي الجديد في هذا التفسير هو أن الموجة وموضع الجزيء يكتسبان واقعاً فيزيائياً réalité physique بالمعنى الكلاسيكي للمصطلح. ومن هنا فإن مسار الجزيء المتأثر بحقل حقيقي خلقته الموجة، يمكن مراقبته أو رصده، وبالتالي فإن المسارات لن تكون مستقيمة rectilignes بل يمكن أن يتقوس أو تنبعج s’incurver وبذلك تمكن بوم من تفسير ظواهر التفاعل الكمومية أو الكوانتية من نوع شقي يونغ fentes de Young التي سنتحدث عنها لاحقاً ايضاً. ولو تفاعلت موجات المادة فبالمقابل ستقوم بتعديل مسارات الجزيئات لكي ترسم شكلاً للتفاعل يظهر على شاشة الرصد والمراقبة والقياس. ومن مزايا تفسير بوم أنه أضفى طابعاً كلاسيكياً للظواهر الكمومية أو الكوانتية، بالرغم من خلقها لصعوبات في التعامل مع بعض المشاكل المرتبطة بنسبية آينشتين. اهتمت تفسيرات أخرى بتعديل معادلة شرودينغر لإدخال صيغة تكون مسؤولة عن انهيار دالة الموجة لكنها في نفس الوقت أدخلت سيرورات عشوائية خلقت مشاكل رياضياتية جديدة. وهناك من بين التفسيرات العديدة تفسير إيفريت Everett الذي قدمه سنة 1957 وحمل إسم نظرية العوالم المتعددة théorie des mondes multiples التي سنتناولها في الحلقات القادمة، فايفريت لايهتم بالتكاملية في مسلمة القياس مع معادلة شرودينغر بل يلغيها كلياً, فحسب نظريته، إن جميع النتائج الممكنة لقياس معطى معين تنتج بالفعل ويجب أن تؤخذ بالاعتبار، وبالمقابل، وفي الشجرة الواقعية لكافة النتائج الممكنة للقياس، فإن ذاكرة المراقب أو الراصد، لا تحتفظ سوى بغصن واحد من هذه الشجرة، وهو الغصن الذي ينتمي للعالم الذي يعيه. أما باقي الأغصان فتنتمي حسب ايفريت، لعوالم أخرى، لايمكننا معرفتها أو إدراكها ناهيك عن الولوج إليها، ففي مثال قطة شوردينغر، فهي بالفعل حية وميتة في آن واحد ولكن في عالمين مختلفين ومتميزين عن بعضهما ومتوازيين، وهو التفسير الذي بات مقبولا من قبل الكثير من علماء الكوزمولوجيا المعاصرين لأنه يقدم لهم تفسيرات ملموسة. يتبع

jawadbashara@yahoo.fr


في أخبار