GMT 6:17 2013 الخميس 13 يونيو GMT 12:47 2013 السبت 15 يونيو  :آخر تحديث

حوار مع والدي وأصدقائه (3)

د. خضر سليم البصون

جرى هذا الحوار الخيالي عقب الأمسية الاحتفالية التي أقيمت في مركز تراث يهود بابل في أور يهودا بإسرائيل  بمناسبة صدور كتاب "الجواهري بلسانه وبقلمي" لوالدي المرحوم سليم البصون.

رأيت والدي يسير حثيثا ومعه هذه المرة شخصان لم استطع تميزهما، حتى اقتربا والبسمة على وجوهما. لم اصدق عيناي – صالح (نعيم) طويق ومراد العماري - زميلي والدي في الصحافة ومن أصدقائه، وبالأحرى أن اذكر هنا انه كان لنا صداقة عائلية معهما ولا زلنا مع عائلتيهما.

فركضت لأعانق الثلاثة وأقول بلهجة يهود العراق: عمو نعيم وعمو مراد، اشْلون جيتم ويا أبويي؟ (كيف أتيتم مع أبي؟). أهذه معجزة؟

  وابتسم والدي قائلاً: هنا كل شيء ممكن، اقدم لكم خضر – بعد مضي سبع وأربعين سنة من كتابته آخر إنشاء في مدرسة شماش، يعني وهو الآن في أوائل الستينات من عمره، قرر المحروس أن يصبح "صحفياً"  يكتب بالعربية وليس هناك من ينقّح كتاباته! وهو يشير ببنانه إلى نفسه. نحن بدأنا نكتب في الأدب والصحافة والسياسة، ونحن مراهقون. نعيم، أنت اقدمنا، بدأت تكتب في الثلاثينيات من القرن الماضي ومراد وانا بدانا نكتب في الأربعينيات. أترون، لولا كتابي عن الجواهري لما صار الأفندي نص (نصف) أديب - روحي ترعاه وانا هنا.

فأستدركه نعيم قائلا: لا، قل أديب ونص، بس أبني، كمّل على هذا المشوار. سمعنا من والدك عن صدور الكتاب وعن الحوارين الذين أجريتهما معه ونشرهما ورغبنا في المشاركة في هذا الحوار، فدعانا والدك مشكوراً. لم نصّدق أن كتاب الجواهري بلسانه وبقلمي صدر في بغداد برعاية وزارة الثقافة العراقية حتى ترآى لنا الكتاب قبل أيام !

قلت: أولاً حاشا الله أن أوصف بالأديب وانا قد كتبت مقالين فقط وانا في معيتكم - انتم الذين كتبتم الآلاف من المقالات. كنت أرغب في أن اعبّر عن مشاعري، من يريد وجع الرأس هذا؟ ثانياً، لقد ذهبت مع والدتي وأختاي كهرمان ونيران إلى قبرك يا والدي حيث يرقد جسدك ووضعنا الكتاب على القبر وصلينا، وناجتك والدتي بقولها: انظر لقد حققت مع أولادك حلمك في أن ينشر الكتاب – ربما هكذا ترآى لكم الكتاب.

وهنا تدخل مراد قائلاً: نِعم الأولاد، لقد أوفيتم بالوصية وأحييتم ذكرى والدكم كما أحيوا أولاد نعيم ذكراه حينما نشروا كتابه. احمد الله إنني رأيت أولادي يحيون اسمي وينشروا كتابي وانا على قيد الحياة. لقد مضت سنة على رحيلي.

فقلت لقد اجتمعتم معاً يا فرسان الصحافة الثلاث.  "الواحد للكل والكل للواحد" كما في رواية  الأديب الفرنسي أليكساندر دوما. أتذكر يا عمو نعيم كم أحببتَ أن تُترجِم القصص من الفرنسية إلى العربية. ثم التفت إلى مراد قائلاً: لقد حضرنا قبل أيام أمسية صلاء وعشاء أقامتها عائلتك،كما في تقاليدنا، بمناسبة مرور سنة على رحيلك.

وهنا قال والدي: يا جماعة، بعد هذه المقدمات، لنجلس ليحكي لنا خضر عن ما جرى منذ حواري الأخير معه.

وهكذا بدأت الحديث، مخاطباً والدي: بعد صدور كتابك عن الجواهري، قررنا نحن العائلة أن نقيم أمسية نحيي فيها ذكراك يا والدي ونتكلم عن الكتاب وعن صدوره في بغداد. الدعوة لحضور هذه الأمسية الاحتفالية صدرت باسم عائلة البصون، مركز تراث يهود بابل ورابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق.

قَدمت نيران مع حفيديك، من لندن، خصيصاً لهذه الأمسية لتكون معنا (الوالدة، أنا وأختي كهرمان وأحفادك). أقيمت الأمسية في يوم الخميس المصادف  23 أيار في مركز تراث يهود بابل في اور يهودا. لقد حضر الأمسية عدد كبير (حوالي 120 شخصا) من الأقرباء والأصدقاء والاكاديميين من اصل عراقي، وكذلك من عرب إسرائيل.

بدأت الأمسية باستقبال الضيوف بقاعة الاستقبال وتناولهم المخبوزات العراقية مثل البعابع (الكليجة) والسمبوسك بالحمص والمشروبات الخفيفة. ثم بدأت المراسم الرسمية في القاعة الرئيسية بالترحيب بالضيوف والمشاركين من قبل عريفة الحفل  نيران - مسؤولة العلاقات الاجتماعية في عائلة البصون!. سوف أحاول أن اصف لكم وقائع الاحتفال بصورة مقتضبة لأن من الصعوبة أن نتطرق إلى كل الكلمات بالتفصيل وخاصة أن المراسم الرسمية استغرقت حوالي الساعة والنصف. (فالمعذرة لكل من شارك في إلقاء الكلمات إن لم أعطي له حقه أو لها حقها في سرد كل ما قيل!)

 في الأيام التي سبقت الأمسية، أعدت كهرمان ونيران عرض تصويري تضمن لقطات من حياتك وعملك كصحفي وعن علاقاتك مع شخصيات معروفة في الوسط السياسي ومن ضمنهم عبد الكريم قاسم وفي الوسط الصحفي مثل يحي قاسم، رفائيل بطي وأولاده فائق وفؤاد، صادق الأزدي (قرندل) وطبعا الجواهري في جريدة الراي العام. وقد كان هذا العرض أساس الكلمة التي شارك في أيضاً في إعدادها كهرمان ونيران وألقتها نيران بكل ثقة.

 لقد استهلت نيران كلمتها بقولها "انه على الرغم من أن والدي توفي وعمره سبعون سنة لكنه انجز الكثير في حياته كم سترون".  ثم أضافت " للأسف أن والدي لم يعش لرؤية وتجربة ما نشهده الآن من حيث الانفتاح والاتصال مع العراقيين في جميع أنحاء العالم، وخاصة في العراق، سواء من خلال رسائل البريد الإلكتروني أو عبر الهواتف واللقاءات الشخصية مع الكتاب والصحفيين الذين منعوا قبلاً من مقابلة اليهود. هذا الانفتاح والاتصالات أدت أساساً إلى ما نحتفل  به اليوم ".
 
وهكذا قدمت نيران نظرة عامة عن حياتك بالصور، استغرقت حوالي العشر دقائق. طبعاً، لا معنى أن أسرد عليك تفاصيل حياتك وأنت اعلم بها. لقد كتب الأستاذ مازن لطيف، ناشر كتابك، عن حياتك ونشرها أولا على الشبكة العنكبوتية ثم في كتابه "دورة القمر القصيرة ليهود العراق". فالكثير الآن مطلعون عليها بعد أن كانت منسية. هناك ملحق مفصل عن حياتك أدخلناه في كتابك عن الجواهري.

إن مازن له الفضل الكبير في نشر كتابك في بغداد برعاية وزارة الثقافة. كوطني عراقي شريف، اخذ مازن على عاتقه مهمة "مقدسة" وهي أحياء تراث يهود العراق لكي يُعرّف الجيل الجديد عن الذين ساهموا مساهمة بناءة في خدمة الدولة العراقية، اخلصوا لها واحبوها رغم أنها غدرت بهم.

وهنا أوقفني والدي قائلا باللهجة العراقية "أرجعنا للشبكة، شنو كل شي على الشبكة؟ شصارت هذه الشبكة" ونظر إليّ نعيم مستغرباً وموجهاً الكلام لي " شنو قصة العنكبوت". وقبل أن أتمكن من الإجابة، تدخل مراد وهو يفتخر قائلاً: لقد أُتيحت لي الفرصة أن استعمل الشبكة العنكبوتية أو كما تسمى إنترنت. وكتبت مقال في صحيفة الكترونية تدعى "المواسم"، قصة قصيدة التتويج التي نغّصت حياة الجواهري. سوف احكي لكم عندما ننهي هذا الاجتماع عن الأنترنت وكيف وفرت لنا إمكانية الحصول على أي معلومات نشاء. لقد أتاحت لنا أن نجول العالم ونحن جالسون على مقاعدنا. فقاطعه والدي – يعني احسن وسيلة لزيادة الوزن.

ثم توجه مراد إلى والدي متحدثاً: بالمناسبة فقد تطرقت في هذا المقال إلى مذكرات الجواهري والى عدم ذكرك ضمن أسماء من عملوا في الرأي العام وضمن ما وصفهم هو- "فهؤلاء هم الذين كانوا الصفوة المختارة في كل الصحف التي أصدرتها". على سبيل المثال، ذكر الجواهري السيد إلياس وزير والذي لم يعمل في الصحافة العراقية بانتظام أبداً، وكان يزور الصحف وليس (الرأي العام) فقط انسجاماً مع وظيفته هذه فقلت "فكيف بالله يذكر الجواهري اسم هذا الشخص وينسى اسم السيد سليم البصون الذي رافقه في معظم الصحف التي أصدرها ؟"

وهنا التفت والدي إلى مراد وقال شكرا يا أخي على هذه الالتفاتة. لقد اخبرني خضر عن هذا الموضوع  في الحوار الأول واجبته بقولي "أتستغرب هذا وكل هذه الحساسية تجاه اليهود؟ ربما لم يرغب في أن يذكر أن رئيس تحرير جريدته الرأي العام كان صحفياً يهودياً. لا تستغرب. أن كامل الجادرجي زعيم الحزب الوطني الديمقراطي لم يذكر أيضا الصحفي الكبير نعيم طويق في مذكراته وكان نعيم احد المقربين له ويكتب مقالاته السياسية لصحافة الحزب".
لعشرات السنين طمرت أسماؤنا وأسماء الكثيرين من يهود العراق، إن كنا صحفيين، أدباء، فنانين، رجال قانون، سياسيين،  أطباء، أو رجال أعمال ... ولا تحدث عن الذين من ولدوا في العراق ولكن جل إنتاجهم الأدبي كان في إسرائيل، إن كتبوا بالعربية أو العبرية،  لماذا لم يُذكروا كل هذه السنين؟ 
فتدخل نعيم قائلاً: يا جماعة اخذتوها حاصل فاصل، كفرت سألت شنو العنكبوت. دخلّوا الولد يحجى (يحكي). أحنا، وماعدنا شغل وعدنا وكت. الولد عنده ارتباطات وقته ثمين. كمل بابا ...
فضحكت وقلت عمو نعيم تبقى تدافع عن المظلومين، ومن يدافع عنك؟  أريد أن أفرحك انه بسبب وجود الأنترنت وسهولة الاتصال عن طريق البريد الإلكتروني، استطاعت عائلتك أن تحصل على نسخ مصورة من القصص التي نشرتها شاباً يافعاً في الثلاثينيات من القرن الماضي. ومن ساعد في ذلك غير الأستاذ مازن لطيف الذي فتش عنها في أرشيف المكتبات ونجح في هذه المهمة الصعبة. لقد نشر أولادك هذه القصص في كتابك بعنوان ذكريات وخواطر والذي تضمن مقالاتك التي نشرتها بعد هجرتك إلى إسرائيل.
وواصلت الحديث -  بعد نيران جاء دور البروفيسور شموئيل موريه، أستاذ الأدب العربي في الجامعة العبرية والذي كما أعلمتك سابقا كتب المقدمة لكتابك ـ  تكلم عن معرفته للعائلة، واصفاً والدتي بأم الجميع، امرأة متميزة ومستقلة وكاتبة للقصص القصيرة في موقع الأخبار، وتحدث عنا أولادك، واصفا إيانا بأشبال الأسد، وتكلم عن نيران وفعالياتها الاجتماعية وفي قيامها بالأمسيات الأدبية في لندن، وعدوى الكتابة التي انتقلت إليّ وظهور مقالي الأخير تحت كُتاب إيلاف ثم تطرق إلى اسم أختي كهرمان وعلاقتها بقصة علي بابا والأربعين حرامي. بعد العائلة تكلم عنك وعن الكتاب وصدوره في بغداد، ذكر علاقتك الوثيقة مع الجواهري وكيف أتمنك على كتابات بعض من مقالاته الافتتاحية. تحدث عن الجواهري وشعره ومكانته في عالم الأدب العربي. ثم تطرق إلى قصائد الجواهري ضد الحكومة وموقفه من المتطرفين القوميين وعن مقتل أخيه جعفر ومعه المناضل اليهودي شاؤول طويق الذي قتل برصاص الغدر وهو يحمل علم العراق في وثبة بورتسموث.
قلت يا أبي لقد طلبنا من صديقك وزميلك منشي سوميخ أن يلقي كلمة عنك ولكنه اعتذر لعدم استطاعته السفر من اورشليم القدس والحضور شخصياً بسبب مرضه ولكنه أصّر أن يكتب كلمة لتُقرأ نيابةً عنه، وقد وفى بوعده. واسندنا هذه المهمة، وهنا التفتُ باتجاه نعيم قائلاً لابنتك راحيل (راشيل) وقامت بهذه المهمة على احسن وجه.

من ضمن ما كتبه منشي (وانا هنا أترجم من العبرية) "كان سليم صحفيا موهوباً. ورد اسمه في الصحافة في العراق لأكثر من ثلاثين عاما وعانى من الاضطهاد كصحفي وطني. وفي إسرائيل أيضا عُرف في الصحافة العربية والإذاعة. كتاباته يتم إعادة نشرها في هذه الأيام كما لو أنها كانت مكتوبة اليوم.

وأضاف "تعرفت على سليم في سنوات الأربعينات من القرن الماضي. أحياناً، كنا نعمل معا في نفس الصحيفة، وظلت علاقتنا قوية حتى عندما كان يعمل في صحيفة أخرى. ارتبط بشكل وثيق مع مهنة الصحافة منذ الأيام الأولى وكانت الصحافة جزءا لا يتجزأ من حياته، بل يمكن القول أنها كانت كل عالمه. لقد نال احترام زملائه والذين عملوا معه وله، مقدرين جهوده ومثابرته على العمل. كان لديه معرفة واسعة عن كل ما يتعلق في العراق والمنطقة وذاكرة واسعة. كان يتذكر التواريخ والأحداث والأسماء بدقة أجهزة الكمبيوتر اليوم.

افترقنا في عام 1951. ذهبت أنا إلى إسرائيل وقال انه يفضل البقاء هناك (العراق). كل فكر أن الآخر على خطأ. لم نتحدث عن ذلك عندما التقينا بعد عقدين من الزمن عندما هاجر مع عائلته عام 1973. كان التحول لسليم ليس بالسهل. على الرغم من انه تقلد بسرعة منصباً رفيعاً وكان مسؤولاً في دار الإذاعة الإسرائيلية الناطقة بالعربية وكتب المقالات في صحيفة الأنباء التي كانت تصدر في القدس، لم يكن هناك في الصحافة العربية في إسرائيل دور مشابه من حيث النطاق، المركز والتأثير الذي كان لسليم في الصحافة في العراق"

وهنا تحدث والدي: نعم الصديق. نتمنى شفاء عاجل لصديقنا العزيز، أدام الله في عمره. وهنا أضاف مراد – منشى من انبل الرجال، انه موسوعة، تلمّذ على يديه الكثيرون من الذين يمارسون الإعلام باللغة العربية في الإذاعة والتلفزة في إسرائيل، لعل يكتب مذكراته قريباً. 

قلت بعد أنهت راشيل قراءة كلمة منشي أضافت لمحات شخصية كانت مؤثرة جداً حين ذكرتكم انتم الثلاثة وهنا ابتسم نعيم ابتسامة عريضة وقال – نعم البنت، ماذا قالت؟

قلت: أضافت "أن سليم البصون كان من أعز الأصدقاء لوالدها نعيم طويق ولمراد العماري وقد سلكتم نفس الطريق انتم الثلاثة حيث بقيتم في العراق رغم هجرة أغلبية أقاربكم في بداية الخمسينيات بسبب حبكم للعراق، توقفتم عن ممارسة الصحافة بعد الانقلاب في 1963 لعدم رغبتكم بالتعاون مع الذين أطاحوا بعبد الكريم قاسم والتخلي عن مبادئكم. هاجرتم معا إلى إسرائيل في بداية السبعينيات بعد أن لم يبق أي معنى أو أمان في وجود اليهود في العراق. من مفارقات القدر الجميلة أن تصدر كتبكم الثلاثة الواحد تلو الآخر في خلال فترة قصيرة."

ثم صعدت أنا إلى المنبر وتحدثت عنك يا أبي، عن ذكرياتي وعن قصة الكتاب وما يتضمنه وكيف تم نشره في بغداد. ذكرت كيف كنت على علاقة حميمة مع الجواهري وموضع ثقته عندما كنت مدير التحرير الفعلي في جريدته الراي العام في  1959-1961. كانت غرفتك مقابل غرفة الجواهري في راس القرية في شارع الرشيد. اذكر كنت في العاشرة أو الحادية عشر عندما عرفتني إلى هذا الشخص الطويل النحيف الذي لم تفارق السجائر شفتيه واسمه الجواهري. في العطل كنت احب أن أزورك وانظر إلى الناس يدخلون ويخرجون يحيوك وبين فترة وأخرى يحيون الجواهري. كنت احب رؤيتك و أنت تنقح عشرات المقالات بقلمك "الباركر" الذهبي– لا يمكن أن ينشر شيء بدون موافقتك. أذكر كيف كنت معجب بالتنضيد والنقش والصب في غرف إنتاج الصحيفة للطبع وبهرتني مكائن الطبع الضخمة. فقاطعني هل لازلت تحتفظ بهذا القلم الذي أهديتك إياه عندما تخرجت من كلية الهندسة في 1970؟ فأجبت: طبعاً يا أبي، أخذته معي إلى إنكلترا ولازلت احتفظ به كذكرى، وأكملت حديثي:
 
طبعا لم اقدّر من هو الجواهري في طفولتي إلى أن قرأت شعره في الثانوية ولم اقدّر علاقتك معه إلا بعد سنين، ربما بعد أن رافقناك كل العائلة إلى بيت الجواهري وبدأت بسلسلة الحوارات معه والتي قرأتها بعد سنين في مخطوطة كتابك ومسوداته. وقد تطرقت في كلمتي إلى ما كتبه ممن عرفوك وعرفوا الجواهري في فترة عملك في  صحيفة الراي العام.

تحدثت كذلك عن الكتاب وأسباب عدم نشره لمدة أربعة عقود وكيف بدأت والدتي طبع المخطوطة في سنة 2010 واشتراكنا أنا وكهرمان في تنقيح ما طبعتَه والى عشرات الساعات التي استثمرناها أنا ووالدتي في تدقيق الطبع لكى تكون هناك نسخة معدة للنشر. (لقد تحدثنا عن هذا في حوارنا الأول ولن أعيد القصة هنا). بعد أن اكملنا نسخة معدة للنشر، أرسلتها بالبريد الإلكتروني لنيران في لندن لتنظر في إمكانية طبع الكتاب خارج إسرائيل. وخاصة أن الكتاب أنهيتَ أنت كتابته في العراق وهو عن شاعر العرب الأكبر الجواهري.  توصلنا إلى هذا القرار لأن قلة المثقفين المطلعين على الأدب العربي وقراء العربية العارفين بالجواهري في إسرائيل سوف لن يتيح للكتاب اخذ مكانه اللائق اذا تم طبعه في إسرائيل. الأهم من ناحيتنا كعائلة هو تعريف المثقفين والباحثين بك، ووضع كتابك من ضمن الدراسات المهمة عن الجواهري. صعوبة إيصال الكتاب إلى القراء في العراق والعالم العربي بأجمع خاصة في حالة استمرار عدم علاقات أو وجود تطبيع ثقافي مع إسرائيل كان سبب آخر لرغبتنا في طبع الكتاب خارج إسرائيل.

ولهذا لما جاء العرض من مازن لطيف إلى نيران في أن يقوم بنشر الكتاب من ضمن منشورات بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013 وتحت رعاية وزارة الثقافة، وافقت العائلة بأجمعها على أن يقوم مازن بهذه المهمة. طبعا نيابة عن العائلة، تقدمتُ بالشكر الجزيل للوزارة و لمازن لهذه الالتفاتة الكريمة وبهذا الإنجاز. بعيداً عن السياسة وعن أي تطبيع، يمثل لنا طبع الكتاب في بغداد غلق حلقة – ولد الكتاب في بغداد ورجع إلى بغداد بعد أربعين عاما".    

ثم تحدث د. نسيم قزاز وهو باحث في تاريخ يهود العراق والشرق الأوسط عن حرية التعبير في العراق بعد سقوط  صدام في 2003 والبدء بطرح مواضيع عن يهود العراق وعطاءهم.

شرح نسيم كيف أن تاريخ يهود العراق كان مطموسا من الذاكرة العراقية ولم يكن من الممكن للمثقفين والباحثين التطرق لهذا التاريخ والى الشخصيات اليهودية العراقية التي أسهمت في بناء الدولة أو شاركت في العطاء في مختلف المجالات بدون أن يتهموا بالعمالة أو الخيانة. وهكذا اختفى اسم ساسون حسقيل أول وزير مالية في العراق وأخرين مثلك ومثل نعيم من المذكرات.
 
وأضاف أن عراق ما بعد صدام هو عراق آخر. نعم هناك ديمقراطية نسبياً ولكن العراق مقسم بين الأكراد في الشمال، اغلبيه شيعية في بغداد والجنوب ومثلث سني في الأنبار وما يجاورها من المحافظات. هناك اقتتال طائفي وتطهير عرقي - الشيعة يطردون السنة من مناطقهم والسنة يطردون الشيعة من مناطقهم. المسيحون يهربون من العراق بالآلاف خوفا على حياتهم وكذلك الصابئة واليزيدين. كل حزب له صحيفته وقناته الفضائية. ثم تساءل، إذن كيف حدث هذا الاهتمام بتاريخ يهود العراق وإنتاجاتهم.
 
وأجاب على هذا السؤال بقوله أن صحف الكترونية مثل إيلاف أعطت الحرية للكتاب العراقيين في المهجر أن يكتبوا بحرية وهكذا بدأ هؤلاء الكتاب ومعظمهم من اليساريين بذكر دور اليهود القيادي مثلا في الحزب الشيوعي قبل هجرتهم إلى إسرائيل والى مواضيع أخرى – كتاب مثل كاظم حبيب، رشيد الخيون... لكن حسب رأي نسيم ما أعطى الزخم لمثل هذه الكتابات في السنين الأخيرة هو نشر شموئيل مورية لذكرياته في إيلاف والتي استمرت لمدة سنتين والتي أوقدت تعليقات الكثير من القراء. هذه التعليقات والتي كان منها السلبي والإيجابي خلقت اهتمام عام بتاريخ يهود العراق. ولكنه عاد ليقول أن حسب رأيه أن هذه الكتابات مقتصرة على اليساريين.

(وهنا أود أن أوسع الحلقة التي ذكرها د. قزاز وأقول أن اليساريين والليبراليين الديمقراطيين وذوي العقول المتفتحة يدركون أن العراق قد فقد بهجرة اليهود واحداً من اهم مكوناته المثقفة،  اذكر بالإضافة لحبيب والخيون كتاب من أمثال مازن لطيف، نبيل الربيعي، عزيز الحاج، نبيل الحيدري، إبراهيم خليل العلاف، سعد سامي نادر من الذين يكتبون في المواقع الإلكترونية مثل إيلاف، الأخبار، الحوار المتمدن، صوت العراق، العالم، العراق الحر، الجديدة. هل هذا مستغرب، هل كنا نتأمل من العنصريين والقوميين والإسلاميين أن يذكروا اليهود بخير!).

وهنا اذكر ما قاله أد. شموئيل موريه في محاضرته بعنوان "موقف المثقفين العرب اليوم من الفرهود" التي ألقاها في ذكرى الأمسية التذكارية لضحايا الفرهود والتي نشرت في إيلاف والأخبار في حزيران 2010.
"وهناك قائمة طويلة من كبار الأساتذة الجامعيين في العالم والمثقفين والشعراء والأدباء والمؤرخين والصحفيين العراقيين الذين قاموا في أعقاب نشر سلسلة "يهود العراق، ذكريات وشجون"، بكتابة المقالات والذكريات والتحقيقات الصحفية عن يهود العراق أنصفوهم فيها وأشادوا بمساهمتهم في نهضة العراق في النصف الأول من القرن العشرين، وهو يرى في هذا الجيل الجديد من المثقفات والمثقفين العراقيين أمل العراق في بناء دولته الحرة الديموقراطية الجديدة الساعية إلى المساواة والتضامن." – هل سيتحقق ما يتمناه كل المحبين ألله اعلم.

ولأعود إلى نسيم الذي انهى كلمته لمن يعبر لاشتياقه وحنينه إلى العراق متسائلا عن أي عراق هو الذي تشتاقون إليه – هل هو عراق الفرهود، إلى من شنق شفيق عدس، إلى من شنق تسعة من اليهود، إلى عمليات الخطف والقتل التي أدت إلى مصرع سبعة وأربعين يهوديا - الكثيرين منهم لا نعرف أين جثثهم. هذا ليس هو العراق الذي تركتموه. هناك صراع طائفي وتفجيرات يومياً.

وهنا قال والدي – أتعلم أن والد نسيم، المرحوم ناحوم قزاز قد قتل مع شريكه المرحوم مئير خليف في حادث انزال اليهود من الباصات المارة بباب الشيخ، على يد الرعاع في مذبحة الفرهود 1941. لقدت حُرت، لست عدت ادري هل نسيم يمثل الواقع المؤلم للعراق، ماضيه وحاضره أم شموئيل الذي يعبر عن امله في عراق جديد متحرر؟ 

 فأجبته: أنا طبعا أرى وجهة نظر نسيم، الظاهر لي أن في الوقت الحاضر هي الكفة الراجحة ولكن املي أن يصدق شموئيل في نظرته. ولديّ أيضاً ما أضيفه -  ليس كل من يعبر عن حنينه للعراق يعني انه يريد الرجوع اليه. ربما من الممكن تشبيه العراق الحديث بالأم التي أنجبت أولادها وسقتهم من حليبها ثم تركتهم وتركت أبيهم لتعيش مع شخص آخر، فمات الأب كداً. واضطر الأولاد إلى أن ينتقلوا للعيش مع هذا الشخص الغريب الذي عاملهم بقسوة. فتركوا البيت متى سنحت الفرصة لهم ولن يعودوا له. لقد سمعوا أن أمهم تنقلت من شخص إلى أخر وكلهم أذلوها. وبين الحين والحين تذكُرُ هؤلاء الأولاد وتندم كيف جعلتهم يتركون.

 هل من الممكن أن ينسى الأولاد أمهم مهما أخطأت. طبعا سيذكروها وربما يحنون إلى الأيام الحلوة ولكن لن ينسوا الأيام المؤلمة. ربما يريدون أن يكون لهم الحق في زيارتها. هكذا كل له ذكرياته. ثم أضفت - هذه الأم استمرت بالإنجاب ولديها أولاد كثيرون، أنها لا تزال صغيرة السن، لم تبلغ المئة، فلماذا هي تصارع الموت؟ لماذا أولادها الأخرون يتركونها تنزف؟. لماذا لا يسعفونها؟

وهنا أوقفني والدي قبل أن تأخذني هذا الأفكار في متاه أخر.....بقوله وبعدين.

فابتسمت - وهكذا تم اختتام الأمسية بكلمة شكر من قبل نيران بأسم عائلة البصون لكل الحضور وبالأخص لمازن لطيف ولوزارة الثقافة العراقية لإنجاز هذا المشروع الذي كان من المقرر أن ينجز قبل أربعة عقود حين ناقشتَ يا أبي موضوع نشر الكتاب في بغداد ومن قبل وزارة الثقافة. كيف هي مفارقات القدر أن يوفّق مازن ابن الأربعين في نشره.

وفي نهاية الأمسية عُرض فيديو لأغنية "يا دجلة الخير" من شعر محمد مهدي الجواهري وبصوت المطرب العراقي فؤاد سالم.

وفي صوت واحد بدأ الفرسان الثلاثة (سليم، نعيم ومراد) ينشدون:
حـييتُ  سـفحكِ  عن بعدٍ فحَييني   يـادجلة الـخير، يـا أمَّ البساتين 
حـييتُ  سـفحَك  ظـمآناً  ألوذ  به   لـوذ الـحمائِم بـين الـماءِ والطين

وفجأة توقفوا والدموع في أعينهم. وسألني أبي إذ كان لدي شيء لأضيفه فأجبته فقط لأقول لك انه سوف تقام أمسية ثانية – هذه المرة في لندن للاحتفال بصدور كتابك وسيتحدث زميلك في الصحافة د. فائق بطي عن ذكرياته عنك وخاصة في جريدة البلاد عندما بدأت العمل فيها قبل وفاة أبيه المرحوم رفائيل بطي. فرأيت الفرحة في عينيه وقال هذا شرف كبير، أدام الله في عمره.

 ثم أضاف- لقد حان الوقت لنختلي ونتخذ بعض القرارات، ودّع أعمامك فعانقت نعيم فاختفى ثم مراد فاختفى ولم ارغب في أن أعانق أبي لكي لا يختفي هو الآخر. فمددت يدي لألمسه فاختفى هو الآخر فانزعجت وأغمضت عيناي للحظة وكلي امل أن يعود. فتحت عيناي ثانية وها أنا أرى والدي وبيده ورقة مكتوبة. فسألته أين اختفى. فأجابني قلت لك علينا أن أختلي مع أصدقائي لنتخذ بعض القرارات وها هي، مشيرا إلى الورقة التي في يده. فقلت مستغربا – ولكنك ذهبت لغمضة عين. فضحك كيف تسألني وأنت الذي أخبرتني عن نظرية النسبية لأينشتاين – عن مفهوم الوقت وتغيره من كونه ثابت ومحدد، إلى كونه بعد آخر غير مكاني. هذه النظرية التي جعلت الزمان والمكان شيئا موحداً. ما لديكم على الأرض ساعات فهي ليست إلا غمضة عين لنا.

أسمع يا ابني هذا ملخص ما توصلنا إليه:
1. اشكر باسمي وباسم زملائي الذين كانوا معي لكل من ساهم ويساهم في أحياء ذكرانا، ورفع أسماءنا وأنصافنا،  العائلات والأصدقاء والمثقفين العراقيين.
2. لا داعي لهذه الحوارات أن تستمر بهذه الصورة لأنها رغم حلاوتها فهي متعبة وخاصة ما سمعناه منك عن ما يجري في العراق. فهو يؤلمنا ويذكرنا بفشلنا وفشل كل من احب العراق. لقد أضعنا كل هذه السنين هباء. أعود وأقولها " أين ذهب الأشراف الوطنيون؟" هل ناموا مع جياع الشعب؟ صدق الجواهري حينما قال:

نامي جياعَ الشَّعْبِ نامي حَرَسَتْكِ  آلِهة  الطَّعامِ
نامي  فإنْ   لم  تشبَعِي مِنْ  يَقْظةٍ  فمِنَ  المنامِ
نامي على  زُبَدِ  الوعود يُدَافُ في عَسَل ِ الكلامِ
 
3. أذا رغبت في أن تحدثني عن الأمسية التي ستقام في لندن قريبا فليس عليك إلا أن تصفها في مقال وتنشرها في الشبكة العنكبوتية. سوف ندبر أمورنا هنا، أنا والجماعة، بعد أن نسمع من الخبراء في عالم الاتصالات كيف نوصل بين العالمين الأرضي والكوني، بين عالمكم الفاني وعالمنا الأبدي. بالمناسبة، الخبراء هنا لديهم كفاءات حقيقية ولا يسرقون!
4. اعتقد أننا سنعزف عن السياسة وقراءة أخبار العراق والشرق الأوسط. وسنركز على قراءة الأدب العالمي، عن التقدم العلمي - مما يوسع أفاقنا ويفرح قلوبنا
5. أتقدم للباحثين العراقيين بطلب أن يحاولوا الحصول / أو نشر ما كتبنا في الصحف العراقية من المقالات لكي تتعرفوا عليها انتم والأجيال الحالية والقادمة
6. بما أنني مؤمن بالحداثة وان على الأنسان أن يتطور دائما، فاقترح أن نستعمل البريد الإلكتروني لأرسال ما نريد أن نقوله الواحد للآخر. هكذا نتحرر من عبء المكان والزمان ويستطيع كل منا أن يكتب ويجيب في وقته. لنتفق أن نكتب "خصوصي" أذا اردنا الرسالة أن لا تعمم. هذا لا يعني انه سوف لن أزورك بين الحين والحين ولكن ليس بصورة متقاربة كما حدث في الأسابيع الماضية

رُفعت الجلسة. تقديري وحبي لكل من أحبنا. وبدأ والدي ينشد أبياتا من  قصيدة "لعبة التجارب" للجواهري:

غزا الجهلُ أرض الرافدْينِ فحلَّها كثيرَ السَّرايا مُستجاشَ الكتائب
طليعةُ  جيشٍ للمصائبِ  هدَّدتْ كرامتَهُ والجْهلُ رأسُ المصائب
وما خيرُ شعب لستَ تعثرُ بينه على قارئٍ من كلِّ ألفٍ وكاتب
تمشَّى يجرُّ الفَقْر............  

 

في أخبار