GMT 7:01 2015 الخميس 23 يوليو GMT 17:17 2015 الثلائاء 4 أغسطس  :آخر تحديث

عمل المرأة ما بين الدين والثقافة

أحلام أكرم

لا زلت أذكر مشاهدة برنامج على إحدى القنوات الفضائية عن يوم في حياة إمرأة عاملة... كانت تبدأه في الخامسة صباحا.. لتحضير فطور العائلة.. وتجهز الساندويتشات لأولادها ليأخذوها معهم إلى المدرسة.. ثم تخرج معهم لتوصيلهم بالأوتوبيس إلى مدرستهم بعد ذلك تصارع الزحام للإلتحاق بعملها تعود إلى البيت بعد الثالثة لتبدأ تسخين طعام الغذاء.. وغسل الأطباق وتحضير طعام اليوم التالي وبين هذا وذاك تضع الغسيل في الغسالة وتنظف المطبخ و’تراقب الأولاد في القيام بواجباتهم المدرسية.. تماما كالطاحونة التي لا تتوقف عن الدوران حتى الحادية عشرة مساء.. كانت تعمل كالمكوك.. لا تهدأ على الإطلاق.. بينما يجلس زوجها ليشاهد المبارات أو حلقات مسلسل على التلفزيون..يوميا على هذا المنوال.. في نهاية البرنامج.. كان ملخص كل ما تتمناه.. أن يساعدها الزوج في أي عمل من أعمال البيت أو يقوم بمساعدة الأولاد في واجباتهم.. ولم تستطيع الحلم بأن يغسل طبقه.. لأنه يؤكد لها أنها ’تهين رجولته.. بالتاكيد هذه الشريحة من النساء العاملات هي الأكثر نسبة في المنطقة العربية. وهي المرأة المضطرة ماليا للعمل سواء كانت مقتنعة بحقها في العمل أم لا.. للمشاركة المالية لأن الزوج لا يستطيع تغطية كل المصاريف.... المشكلة هنا.. أن الرجل وبرغم مشاركتها له في الأعباء المادية والمفروض شرعا أنه الملزم بها وحده.. يرفض فكرة مساعدتها في الأعباء المنزلية الأخرى نظرا للثقافة الذكورية التي ترعرع فيها والتي تعطيه كل الحقوق وتنظر إلى أعمال المنزل بدونية مخصصه فقط للمرأة؟؟؟ الثقافة الذكورية التي غرست فيه أنه السيد المطاع حتى وإن قصّر في كل الواجبات بما فيها واجباته المالية.. الثقافة التي جعلت من الحياة الزوجية سيد وعبده يشتريها بمقدم لتقدم له المتعة والخدمة.. ويتخلى عنها بمؤخر يتناقص بمرور السنين ليصبح لا يزيد عن الملاليم إذا ما أراد التخلص منها هذه الثقافة تدّعي بأن لا أعباء على المرأة.. حتى أن الشرع جعل من حقها المطالبة بثمن إرضاع وليدها إن أرادت.. ولكن هذه الثقافة وبهذا الإعتراف أكدت أنها مجرد وعاء للرجل.. وجردتها من عواطف الأمومة الطبيعية التي تجعل من تضحيتها حتى بحياتها مجرد ثمن رخ لحياة أبنائها.. ثم عادت وجردتها من الإعتراف بحقها في حضانة هذا الولد كأم وشريكة في الحب قبل الإنجاب.. 

هذه الثقافة المعززة بنصوص ’قدسية جعلت من كلاهما سدا منيعا يقف في طريق المرأة والرجل وفي طريق الأجيال القادمة إن لم نعمل جميعا على هدمها ووأدها خاصة وأنها أصبحت مادة للتندر بمدى تخلف العالم العربي في نظرته لنصف المجتمع.. 

بداية يجب أن نقر بأن هناك الكثير من التفسيرات المتناقضة عن حقوق المرأة في الإسلام.. الهوة العميقة بين التكريم والدونية ضيّعت الحقوق حتى وإن وجدت.. ضيّعتها في متاهات التفسير والتأويل.. 

حقيقة بأن الإسلام كان اول الديانات الإبراهيمية التي أقرت بحقين للمرأة لم يكونا موجودين في الديانتين الأخرتين.. وهما حق طلب الطلاق.. والآخر حقها في نصف الإرث.. ولكن كلاهما ترك فجوة واسعة من عدم العدالة.. حيث ’قيد الأول " بأبغض الحلال إلى الله الطلاق "" بحيث تضيع المرأة في متاهات المحاكم.. أو أن تضطر إلى الخلع وتتنازل عن كل حقوقها المادية الأخرى بما فيها حق الحضانة حتى سن معينه.. والمقيد أيضا بعدم زواجها خلال حضانتها لأطفالها.. بينما يتزوج الزوج مثنى وثلاث و’رباع.. أما حقها في نصف حق أخيها في الميراث.. فهو وبالتأكيد محى الحق في المساواة.. وعدم العدالة لتغير الظروف المجتمعية عما كانت قبل 1400 عام التي وربما كان خلالها الأخ ’ينفق على أخته.. ولكن الأمّر أنها وفي الحالتين تصبح عاله مادية على الزوج أو الأخ أو أي ذكر من عائلتها.. قبل الزواج وبعده.. بحيث تشل قدرتها على أخذ قراراتها بنفسها وتنعدم حقوقها في باقي الحريات الأخرى.. فبينما يعطي الدين حق بيد.. يأخد بقية الحقوق باليد الأخرى... 

أما حق العمل... فالبرغم من التشدق بمثال عمل زوجة النبي الأولى السيدة خديجة التي انفقت عليه لمدة ثلاثة عشر سنه.. والتي يستند إليها الفقهاء كمثال أن الإسلام أعطى للمرأة حق العمل وإستقلال الذمه المالية.. وإدارة املاكها إلا أن الآية " وقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ " إضافة إلى الحديث.. " إِنَّ الْمَرْأَة عَوْرَة فَإِذَا خَرَجَتْ اِسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَان ".. تعمل على تقييد المرأة نفسيا من أن عملها قد يجلب لها اللعنات والشيطان.. إضافة إلى العديد من الأحاديث الأخرى الموجودة في صحيح البخاري بالتحديد.. والتي تحث المرأة على الطاعة.. كلها عملت من خلال إختلاط هذه الموروثات الدينية مع الثقافة السائدة على جعل المرأة نفسها تقبل بأن تصبح عالة مالية.. خوفا من الزوج ومن الأهل.. ومن المجتمع.. ولكن وعلى قمتهم خوفا من غضب الله. و’تسيغ للرجل أن يمنعها ويحرمها.. إن أراد عدم خروجها للعمل.. 

بالتأكيد تغير الواقع وخروج المرأة للعمل إما لحاجة مادية أو طلبا للإستقلال المعنوي فتح الباب على مصراعية لرؤية جديدة للمرأة ولموضوع حقوقها.. وبالذات موضوع إستقلالها بقرارات تمس حياتها ولكن تبقى الثقافة السائدة مرتبطة مع التأويلات الدينية محل أخذ ورد في موضوع حقوقها بالمساواة.. سواء مع زميلها في العمل.. وحتى مع المرأة التي تنتمي إلى طبقة مجتمعية اخرى.. مما يضعها في موقف دفاعي مستمر عن حقوقها.. 

حقيقة أن المرأة وعلى الصعيد العالمي، لم تحقق المساواة التامة وخاصة في الأجر. ولكن يبقى المجال مفتوحا والفرص متاحه لها إن أرادت العمل أم لا... وليست بعالة مادية على أي ذكر حتى وإن كان أخوها.. لأن الدولة تكفل حقوقها المادية من خلال القوانين المعمول بها في حالات الطلاق والتي لا ترتبط باي تفسيرات دينية وتعطيها الحق في نصف ما جناه الزوج خلال فترة الزواج.. وتحثها بإستمرار على الإستقلال الإقتصادي وإعادة تاهليها للعمل في حال أرادت ذلك في أي فترة من عمرها..... بينما وفي المنطقة العربية تبقى هذه القوانين ’مقيدة و’مسيجة بالقوانين الدينية كما في قوانين الأحوال الشخصية... تحرمها من الحماية المادية في كل الظروف.. وليست هناك أية نية للحكومات العربية بإعادة تأهيل المرأة.. خاصة وفي ظل نسبة البطالة العالية الموجودة.. وعدم وجود خطط تنموية لإستيعاب هذه الأيدي؟؟؟؟ 

 يتشدق الكثيرون بأن إحترام المرأة هو في تربعها على عرش بيتها؟؟ ولكني أعتقد بانه كان من الأجدر ان يسمية سجن بيتها.. خاصة إن كان بقائها أسيرة جدرانه غصبا وبغير إرادتها.. المشكلة هي ليست في بقائها في البيت أم خروجها للعمل.. القضية تكمن في إنعدام حريتها في أي من قرارات حياتها حتى عملها أم عدمه.. وإنعدام حمايتها في حال قرر زوجها طلاقها أو الزواج بأخرى.. حتى وإن وضعت ذلك كشرط في قسيمة الزواج كما يقول البعض.. فهي في هذه الحالة ’تحرم المباح !!! 

إضافة إلى النظرة الذكورية والطمع في جسدها الذي لا يفارق عقول زملائها نظرا لمدى الكبت.. وإنعدام الإختلاط.. كلها عوامل أدت إلى وضع للمرأة العربية المسلمة لا ’تحسد عليه... 

وتبقى الحكومات العربية تتحفظ على العديد من المواد في المواثيق الدولية.. تحت مقولة الثقافة الخاصة ووووو وبحيث لا تتعارض مع الدين.. وتبقى حقوق المرأة العاملة وغير العاملة تتأرجح ما بين الدين والثقافة وتحرمها من كل الحقوق كإنسانة؟

 

 – رئيسة منطمة بصيرة لحقوق المرأة الإنسانية 

 


أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار