GMT 20:14 2018 الجمعة 5 يناير GMT 1:01 2018 الإثنين 8 يناير  :آخر تحديث
اليابان من وجهة نظر عربية

المواطنة أولا وأولا وأولا

د خليل حسن

 

كلمة المواطنة كلمة مسئولة في اليابان تجمع بين مسئولية المواطن نحو مجتمعه، ومسؤولية المجتمع نحو مواطنيه. مع أن المواطن الياباني يخجل التحدث عن حقوقه، ولكن يعمل كل دقيقة أو ثانية ليؤدي واجباته بالدراسة والتمعن ثم العمل بمهارة إتقان الأداء. وطبعا يعتبر المواطن الياباني من ضمن واجباته احترام والاخلاص لوطنه، واحترام والاخلاص للإمبراطور، واحترام والاخلاص لحكومته وبرلمانه. ويتم احترامه لحكومته وبرلمانه أولا باحترامه لديمقراطية التصويت بحرية، واختيار الشخص المناسب لها، بدون اية نزعة مصلحة ضيقة قصيرة الأمد، أو نزعة عرقية أو طائفية او قبلية. ويعتمد انتخاب شخص أو حزب ما على ما سجله من إنجازات خلال فترة مسئوليته السابقة، فعادت يختار السياسي لكي ينجز خطة الدولة أو الوطن في مرحلة معينة ووقت محدد، وليحاسب على ما انجز بعد هذه الفترة. وعادة يختار الشعب الياباني الحزب الذي يستطيع خدمة الشعب، وإنجاز خطة الوطن، وهناك عادة اتفاق شعبي، فالمواطن لا يرتبط بحزب معين أو بأيديلوجية أو بطائفة أو بقبيلة محددة، بل يعتمد على ما حققه من إنجازات وطنية سياسيات الحزب في حكومته السابقة. واهم ما ينظر له الشعب الياباني من انجاز، هو توزيع ثورة البلاد على الشعب، ومنع تباين الثراء، وتوفير الوظائف لجميع المواطنين، وحرية المواطن في العمل على تحقيق طموحاته، وتوفير الرعاية التعليمية والصحية للجميع. كما ان المشاركة الجماعية صفة مهمة في المجتمع الياباني، ومنذ الطفولة المبكرة يعلم الطفل على ثقافة المشاركة، ليتعلم منذ صغرة، بان يتأكد بتوفر الطعام والمسكن لجميع أفراد الشعب، لذلك تجد بان المواطن الياباني قنوع وبسيط في حياته، ويكره الترف والبذخ، ودائما لديه مدخر مالي، فمن المعروف بأن جميع ديون الحكومة هي ديون داخلية، أي تستلفها الحكومة من مدخرات أموال الشعب. وبشكل عام مساحة سكن الياباني صغيرة، كما ان كمية أكله وشربه وأكله قليلة، لذلك تجد نسب السمنة وأمراضها منخفضة في اليابان.  
ومع أنها تسمى عادة اليابان، بدون مملكة أو إمبراطورية، ولكن هناك ديوان إمبراطوري، وعائلة إمبراطورية، يرجع تاريخها لأكثر من الفين سنة. ويعرض كتاب الكوجيكي، بدأ التاريخ الياباني، منذ عام 660 قبل الميلاد وحتى عام 712 بعد الميلاد، وقد ألفه أونو ياسومارو، في القرن الثامن عشر، بطلب من الإمبراطورة جينيمي، ويجمع الكتاب مجموعة قصصية تاريخية أسطورية عن أصل جزر اليابان، وآلهة الكامي (والتي بمفهومها الشرق اوسطي قريبة من الملائكة، وليس لها علاقة بخالق الكون، جلت عظمته). وتبدأ أسطورة ولادة اليابان بجلوس ألكامي ازنامي مع قرينته ازناجي على الجسر السماوي، ولينزل رمحه الذهبي المرصع بالمجوهرات، في بحر اليابان، ثم يرفعه لتنزل قطرات ماء في بحر اليابان، ولتتشكل جزر اليابان المقدسة. وكامي اليابان المقدسة، هي كامي إلهة الشمس، وهي حفيدة ازنامي وازناجي، وهو التي ترعى اليابان وتحافظ عليه. كما يذكر هذا الكتاب اسم ننجي نو ميكوتو، وهو حفيد كامي إلهة الشمس، والجد الأكبر لأول إمبراطور ياباني اسطوري، وهو الإمبراطور جيمو، لينزل من الجنان، إلى جزيرة كيشو، وليبدأ بحكم اليابان، ولتبدأ سلالة العائلة الإمبراطورية.
ولم يكن لليابان دستور مكتوب، فقد تبع نظام الحكم منذ القرن السادس لنظام قضائي بروح صينية، وصف الحكومة على أساس نظري بيروقراطي فردي، تعمل تحت سلطة الامبراطور، ومؤسسات تشبه النموذج الصيني، ولكن بقي هذا النظام عمليا بدون تفعيل، حيث بقي الامبراطور شخصية اعتبارية، ولكن بدون سلطة، وعلى أساس نظري بأن الامبراطور من آلهة الكامي، ولذلك عليه ان لا يختلط بقضايا دنيوية مرتبطة بالحكومة. وبقي الحال على ما هو، حتى استلم الشوجن التوكوجاوا الحكم بين عام 1603 وحتى عام 1867، وحكموا البلاد باسم الإمبراطور، بعد ان غيروا البلاد من عدة ولايات متحاربة، تقودها لواردات الحروب، إلى قيادة صارمة موحدة للبلاد، وبسلطة الشوجن وعساكر السموراي التابعين لهم. وبعد ذلك عمل الشباب الساموراي على انتقال السلطة الفعلية للإمبراطور فيما بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر. 
ويرجع تاريخ الدستور الياباني المعاصر لليوم الحادي عشر من فبراير عام 1889، (وهو نفس اليوم الوطني لتأسيس اليابان في عام 660 قبل الميلاد)، والذي بدأ تفعيله يوم 29 نوفمبر عام 1890، وليستمر الحكم به حتى اليوم الثاني من شهر مايو لعام 1947. وقد تم الإعلان عن هذا الدستور من قبل الامبراطور ميجي، بعد استلامه الحكم في عام 1868، "وأكد هدفه في تأسيس ثروة وطنية بقاعدة عريضة تشمل الجميع، وبصياغة قوانين تعتمد أولا على مجالس للحوار الحر العام، وبأن جميع القضايا تقر بالحوارات الحرة المفتوحة. وثانيا، تتوحد جميع الطبقات العليا والدنيا بقوة، لتقوم بإدارة شؤون الدولة. وثالثا، بأن عامة الشعب ليسوا اقل من رجال الحكومة ورجال الجيش، فيجب ان يعطوا الفرصة لكي يحققوا طموحاتهم، لكي لا يكون هناك غضب شعبي. ورابعا، جميع التقاليد الشيطانية القديمة يجب ان تكسر، وكل شيء يجب ان يعتمد على قوانين الطبيعة، وعلى الجميع البحث عن العلوم في كل مكان في العالم، لتقوية قاعدة النظام الإمبراطوري." وقد شكلت عدة لجان لتطوير هذه الافكار في مواد الدستور الجديد، كما أرسل مختصين للخارج لدراسة الدساتير الأوربية والامريكية، وقد وجدت هذه اللجان بان خير الدساتير الممكن الاستفادة منها هما الدستورين البريطاني والبروشي الألماني. كما حاول الدستور الجديد ان يضم السلطات القديمة، لمنعها من شل عملية الإصلاح لخوفها على مصالحها، وخاصة منعها من المشاركة في حرب البوشن، وهي الحرب الأهلية التي اندلعت لمنع تحقيق الإصلاحات الجديدة، والتي استمرت من عام 1868 وحتى عام 1869 بين سلطة الشوجن التوكوجاوا القديمة، وعناصر السموراي الشابة، التي كانت تريد ان ترجع السلطة للديوان الإمبراطوري. وقد انتهت هذه المجابهة باستسلام توكوجاوا يوشينوبو، وهروب بعض أعوانه لشمال البلاد، ليشكلوا جمهورية الايزو، ولكن انهزمت هذه المجموعة أيضا في معركة هوكودت، ليستطيع الإمبراطور ميجي تحقيق الإصلاحات اللازمة لعصر الحداثة في اليابان. 
والجدير بالذكر بان الدستور الياباني لعام 1869 ضم خمسة بنود أساسية. فتحدث البند الأول عن جمع المملكة الدستورية والملكية المطلقة، فمن الناحية النظرية الامبراطور هو القائد الأعلى، والحكومة التي ينتخبها رئيس مجلس النبلاء المعين، تابعة له، بمعنى أن الإمبراطور رئيسا للدولة، بينما رئيس الوزراء رئيسا للحكومة، وتابع للإمبراطور، كما ليس من الضروري ان يكون اعضاء الحكومة ورئيسها أعضاء في البرلمان المنتخب، كما أن هذا الدستور الذي حقق حداثة اليابان وتقدمها لم يعرض لاستفتاء شعبي عام. وقد عرف عهد الامبراطور ميجي بعصر التنوير، حيث بدأت عصر الحداثة بانفتاح اليابان على العالم، وتطوير التعليم، وارسال الآلاف المؤلفة من المواطنين للدراسة العلوم والتطورات التكنولوجية في دول الغرب.
وتتشكل الساحة السياسية اليابانية اليوم من حزب رئيسي وهو الحزب اللبرالي الديمقراطي الحاكم، والذي حكم اليابان، تقريبا، بدون انقطاع، منذ عام 1955، بعد ان اندمج الحزب الليبرالي مع الحزب ألديمقراطي. وللحزب الحاكم اليوم 284 نائب في مجلس النواب، بينما لدي الأحزاب المعارضة الأخرى نواب أقل، فالحزب الديمقراطي له 14 نائب، والحزب الدستوري الديمقراطي 55 نائب، وحزب الأمل 51 نائب، والحزب الحليف للحكومة كوميتو 29 نائب، والحزب الشيوعي 12 نائب، ونيبون أيشن 11 نائب. تلاحظ عزيزي القارئ بأن الشعب الياباني لم يضيع الوقت في حوارات نظرية خلافية، فقبل بما يعتبره البعض بدستور "ناقص"، أي به مجلس النبلاء أو الشورى معين، بينما مجلس النيابي مجلس منتخب، كما لم يعرض دستور ميجي للاستفتاء الشعبي، مع ذلك استطاع الشعب الياباني بهذا الدستور ان يقضي على تخلفه، ويحقق حداثته لكي يصبح خلال عقود قليلة قوة تكنولوجية واقتصادية وعسكرية عالمية. ولنا لقاء. 
 
الدكتور خليل حسن، كاتب بحريني
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

أشترك في قأئمتنا البريدية
* الحقل مطلوب
في أخبار