شهدت تونس يوم الأحد الماضي إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية لاختيار من سيتولى دفة الحكم في البلاد بعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي زين العابدين بن علي، الطامع في ولاية رابعة من خمس سنوات يضيفها إلى 17 سنة أمضاها جاثما على قلوب التونسيين بمعية حزبه التجمع الدستوري الديمقراطي.
الأكيد، بحسب كل المراقبين والمحللين، أن ليلة الأحد/الاثنين لن تحمل أي مفاجآة أو جديد للشعب التونسي، بحكم أن نتيجة الانتخابات محسوم فيها وبشكل نهائي، ولن تعدو كونها تكراراً لسيناريو انتخابات عام 1999، حين منحت وزارة الداخلية الرئيس زين العابدين بن علي وحزبه "الديمقراطي" نسبة 99.44% من الأصوات، ولو كان المنطق يسمح بأن يفوز بأكثر من مئة في المئة لمنحته إياها، ما دامت غير ملزمة بتقديم حسابات أو تفسيرات لأي كان ممن جار عليهم الزمن وجعلهم مواطنين يُساقون إلى مكاتب التصويت كما تساق الخرفان إلى من سينحرها.
يكفي أن نلقي إطلالة على الأجواء التي طبعت الحملة الانتخابية والانتهاكات والخروقات التي شابتها، وكذا التحذيرات التي أطلقتها أحزاب المعارضة المغلوبة على أمرها بأمر حاكم قصر قرطاج، حتى نقف على زيف الوعود الرسمية بضمان "انتخابات شفافة ونزيهة"؛ دون أن ندري حقاً طبيعة الوصفة السحرية التي سيعتمدها الحزب الحاكم لتكون الانتخابات "ديمقراطية وشفافة" في ظل قانون انتخابي ومرصد وطني للانتخابات لا يرقيان لأبسط شروط الديمقراطية، علما أنهما معاً للاستهلاك الخارجي لتلميع ملامح صورة مزيفة تآكلت بفعل الزمن.
وهنا يحق لنا أن نتساءل عن طبيعة الشفافية والديمقراطية الممكن توافرها في بلد سيطر فيه الحزب الحاكم لما يربو عن نصف قرن وما يزال على كل مؤسسات الدولة، بما فيها التشريعية والقضائية وبالطبع التنفيذية؛ بلد لا يعرف من حرية التعبير والصحافة إلا ما يقرأه ويسمعه عن شيء اسمه "السلطة الرابعة" في بلدان الضفة الشمالية من المتوسطي؛ بلد يقارب فيه عدد "المعتقلين السياسيين" الستمائة - بحسب الرابطة التونسية لحقوق الإنسان- في حين تُصرُّ الأوساط الرسمية على حرمانهم حتى من هذه الصفة لتنعتهم بسجناء "الحق العام" وتقبرهم داخل "جدران الصمت"، بحسب وصف الرابطة دائماً.
أي شفافية وأي نزاهة يتكلم عنهما رئيس لم يقنع بـ 17 سنة أمضاها في الحكم، وها هو يريد تمديدها أكثر وأكثر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أو توافيه المنية وهو على كرسيه المرصع داخل قصر قرطاج. كيف لمن لم تكفه 17 سنة من الحكم لإصلاح بلاده ودمقرطتها أن تكفيه خمس سنوات أخرى لذلك، العبرة يا فخامة الرئيس ليست بالسنين وإنما بالنوايا.
ما يعجز فهمنا عن استيعابه والإحاطة به هو سر إصرار النظام التونسي، ومن ورائه كل الأنظمة العربية قاطبة دون استثناء، على تغليف ديكتاتورياتهم وحكمهم المطلق بورق براق، نُقشت على جوانبه عبارات من قبيل: "الديمقراطية" و"الشفافية" و"النزاهة" و"المشاركة الشعبية" و"إشراك الشعب في الحكم" إلى غير ذلك مما تجود به قريحة الحكام أو يتواتر الحديث عنه في عواصم ما وراء البحار والمحيطات.
لم يذكر التاريخ الحديث ولو مرة واحدة سابقة يتيمة لرئيس عربي تخلى عن منصبه أو لرئيس عربي اكتفى بولاية رئاسية واحدة وقرر الانسحاب لعدم تمكنه من الوفاء بتعهداته ووعوده، ما سجله التاريخ علينا نحن العرب، أن كل من جلس على كرسي من الكراسي الوثيرة إلا وأقسم أن لا يتركه إلا محمولا على نعش، وأن لا يتركه إلا لمن هو من ذريته ونسله.
مصيبة أوطاننا العربية تكمن في موضة الشعارات والأوهام التي بدأت الأوليغارشيا التي تحكمنا في تسويقها للضحك على الذقون وإغراق كل حالم في بحور من الوعود الجوفاء، شعارات من قبيل: الديمقراطية والإصلاح السياسي والشفافية والنزاهة والانتخابات، إلى غير ذلك مما تعج به البيانات والخطب الرسمية.
وتبقى مصيبتنا نحن أدهى وأنكى، ذلك أن بذرة الديمقراطية التي حلمنا يوما أن تنمو وتترعرع داخل أوطاننا لتظلنا بظلها، فقد قررت هي الأخرى أن تركب "قوارب الموت" كالألوف من المهاجرين السريين، لتهاجر إلى الضفة الأخرى من المتوسطي بعدما لم تجد من يرعاها ويتعهدها بالعناية، على أمل أن يضبطها خفر السواحل هناك فيعيدونها غصبا إلى وطنها الأصلي لتستقر فيه، لكن هيهات هيهات، التهم الموج قاربها وحطمه لتُدفن في أعماق البحر وتضحى نسيا منسيا.


عبدالرزاق بنـــان فــــلالي
كـــاتب مـــغربي
الدوحة – قطر
[email protected]