معالم منهجية في التعامل مع القرآن عند عبد الصبورشاهين


لابد، وقبل أن نبدأ في تناول مشروع عبد الصبور شاهين، بالدراسة والتحليل والنقد،. أن نبين دوافع الاهتمام بهذا الموضوع أولا، وهذه الدراسة النصية ثانيا من المعلوم أن النص القرآني كان، ولا يزال، يحظى باهتمام كبير من قبل المهتمين والباحثين. ولقد ظل هؤلاء يعيشون حالة من العشق لهذا الكتاب، ويغازلونه بأبحاثهم، كل بطبيعته الخاصة؛ فمنهم الظالم لنفسه ومنهم المقتصد ومنهم السابق بالخيرات. غير أن ما لا يكاد يخالف فيه عاقل، أن النص القرآني انحجب – بالرغم أو عليه1، من كل ذلك – واندرست معالمه سواء بحجب النصوص الأخرى التي قضت بحجب الأيديولوجيات على اختلاف ألوانها. ولن أكون متهورا إن قلت، إن القرآن ظل غير ملموس بالفعل الحقيقي منذ وفاة الرسول ص؛)( فالدراسات التراثية القديمة أغرقته في البلاغة والبيان والشكلانيات، والدراسات المعاصرة تعيش دهشة معرفية، لم ترس بعد من أثرها على أرض صلبة؛ فالوعي بالمشكلة وحده لا يكفي، وإن كان ذا أهمية بالغة، ولكن لابد أن يلابس هذا الوعي منهج في التعامل مع النص، لابد وأن يكون وليد النص ذاته، بعد تماه معه وتأمل ودراسة عميقة، تستكشف الداخل والماهية والبناء والأسس والتراكيب، وذلك بحكم علوية لغته واستخدامها الإلهي، ولا ضير – إن لم نقل من الضروري – أن يُتَوَسل بنتاج الكائن الإنساني على الصعيد المعرفي، مما لدينا من مناهج وعلوم وفتوحات، لها الشأن الكبير. التفسير2 دون شك في تناول النص القرآني بالتحليل لا وعلاقة كل ما ذكر بهذا الأعمال موضوع الدراسة، أنها بالرغم من تجلي حدودها والأرضية التي يقف عليها صاحبها، إلا أن فيها جانبا مهما – ينبغي منا الاهتمام به، وتسليط الضوء عليه – وهو الوعي الذي يلحظه القارئ لأعمال عبد الصبور شاهين، متمظهرا بالخصوص في كتابه الموسوم ( أبى آدم ) وكتابه حديث( عن القرآن) وغيره من كتاباته الأخرى، بمدى جدوائية الدراسة المتعمقة لديه في فهم القرآن، ثم وعيه بعلو القرآن فوق كل النصوص الأخرى، وأن لا ناسخ له. ثم تلمسه لما قد نجده لدى المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد، وإن كان حاظراً لدى الأخير بجلاء وعمق أكبر، وهو مفهوم القاموس القرآني. لا نريد القول بأن الرجلين يتقاربان في الطرح، وإنما قد تكون هنالك نقاط التقاء، لن نحاول
استجلاءها، وانما سنكتفي بأعمال عبد الصبور شاهين فقط، وحصراً كتابيه أبي( آدم وحديث عن القرآن) آملين في دراسة أخرى أن نتناول مشروع الحاج حمد في. كتابه الموسوم ( العالمية الإسلامية الثانية ) بالبحث والنقد والمفاكرة. ملامح منهج عبد الصبور شاهين في التعامل مع القرآن
يجدر بنا قبل طرح أي سؤال، أن نعطي للقارئ نبذة موجزة عما تطارحه عبد الصبور. شاهين في كتابيه الآنف الذكر ففيما يخص كتابه أبي( آدم، قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة ) ؛ فقد حاول من خلاله عبد الصبورشاهين الإجابة عن أسئلة في موضوع الخلق الإنساني، ظلت تراوده طيلة ربع قرن من الزمان، محاولا أن يجد صيغة من التوافق بين القرآن وما يقره العلم الحديث في هذه المسألة، وقد كانت محاولته إلى حد ما موفقة، لاحت في أفقها بوادر تناسق منطقي بين آي القرآن ونتاجات العلم الحديث، وانتكست من خلالها آراء القدماء وتصوراتهم حول مسألة الخلق، بل تبين من. خلال هذه الدراسة، قصور منهجهم، وبجلاء، عن الفهم العميق والسليم لآيات القرآن وعموما فالكتاب جاء بالجديد في هذه المسألة وخالف ما كان يعتبر من المسلمات، التي لا يجوز التفكير فيها ومناقشتها، وقد لاقى بسبب ذلك المؤلف عناء بلغ. إلى حد محاكمته قضائيا أما كتابه حديث( عن القرآن-) رغم صغر حجمه- يمكننا القول فيه؛ بأنه كان مدارسة لغوية خالصة لألفاظ القرآن وتراكيبه وجذور ألفاظه، قد نعتبر، أن أهم ما جاء فيها ؛ هو تناولها لمسألة اللفظة القرآنية وعلاقتها بالإعجاز القرآني، ومكانتها. المتميزة، كنموذج إعجازي جديد، في الكشف عن أسرار القرآن ومكنوناته إلا أننا قد نتساءل، ما الذي تمثله أعمال عبد الصبور شاهين هاته، مقارنة بالدراسات التراثية؟ وما الذي أضافته؟ وما الذي حلته من عقد؟ ثم هل وضعت دراساته لنفسها منهجا متبعا، يضبط حدود اشتغالها وابعاد تأويلها وأهدافها؟ قد نقرر بدءا، أن عبد الصبور شاهين لم يحدد معالم منهجه الذي اتبعه في
تناوله النص القرآني ودراسته، إلا ما قد نستنطقه من أعماله، مما يبين أن هنالك منهجا، وإن كان بسيطا وغير ممنطق وموازن بدقة. ويمكن لنا حصر المنهجية : المتبعة من قبله، في النقط التالية
- جواز الاجتهاد لديه في فهم النص القرآني، وقدرة المسلم المعاصر على الفهم الجيد والعميق لآي القران، عكس ما أوهمت به علوم القرآن كافة المسلمين، من
- صعوبة الأمر وعلو مكانته، التي لا يدركها إلا النزر القليل، بل ومن المستحيل في نظرنا- حسب ما يضعونه من شروط. وهذا على صعيد التفسير فقط، فما بالك. بالتحليل. هذا إن كان مقبولا لديهم أولا كاصطلاح، ثم كمضمون ومنهج ثانيا

- وعيه بنسبية المعرفة الإنسانية،ومن ثم المعرفة الدينية باعتبارها جزءا من معارف الإنسان،وهذا ما نلمسه في قوله: ولكن الأجيال تتفاوت في فهم النص المقدس،حتى ليبدو ما استخرجه الفكر الديني- حتى الآن من النصوص- مناقضا للعلم، ولا سبيل 3. إلى تحقيق اللقاء بينهما
- التناول الشمولي والتكاملي لآي القرآن وألفاظه، دونما تجزيء وأحادية. وهو مما ساهم لديه في تقليص الأفكار والمسلمات القبلية، التي تحطمت وبدون شك. على صخرة القرآن تكامليا
: - تجاوز المعاني الإسرائيلية ومحشوات الخرافة والأساطير، هادفا بذلك حسب قوله انتزاع العقل المسلم من براثن النقول الإسرائيلية المحشوة بالخرافات المنافية وإن كانت هذه النقطة أقرب إلى الهدف منها إلى 4، لكل ما هو عقل، وعلم، ونور المنهج، إلا أنها كَمُدْرَكَةٍ منهجية، قد تعين في اجتراح ما قد يعتبره الكثيرون. مسلمات لا ينبغي مساسها أو التفكير فيها إذ لا نعدم المقدسة5، - الدراسة المعرفية المقارنة بين الأديان، أي بين الكتب ذكرا ومقارنة بين القرآن والكتب الأخرى- وخصوصا التوراة- داخل أعمال عبد الصبور شاهين، بل نظن أن هذا النوع من التعامل والدراسة المقارنة، هو ما
دفعه إلى التفكير في مسألة الخلق التي نجد لها سردا مطولا داخل الكتب المقدسة. بأكملها
- التركيز على اللفظ القرآني وإعطاؤه مكانة أساسية ومحورية في فهم دلالات القرآن، بل نجده قد جعل منه محور ما يسميه إعجاز الكلمة المفردة، والتي يرى أنها لم تكن مكشوفة للأوائل ولا معروفة لديهم،وسنرجع إلى هذه المسالة فيما. بعد بالتفصيل
- مراعاته للتحديدات المكانية ( مكية- مدنيةوكذلك) أسباب النزول،وهو ما نلحظ المفكرين6. عدم إبلائه كبير اهتمام لدى غيره منهذه مجموعة من العلامات المنهجية، التي استقطرناها من خلال الاحتكاك بأعمال عبد الصبور شاهين، والتي لا نجزم بحصرها فيما ذكر، فقد تكون للرجل
خطاطة ومعالم منهجية، إلا أنها غير محددة تدوينا ضمن أي عمل من أعماله، أو مُلْمَحٍ إليها حتى، وبالأخص في كتابه الذي آثار زوبعة في مصر ( أبي آدم، قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة،هذا) إذا ما اعتبرناه دراسة تطبيقية على. القرآن الكريم، ويبقى مع ذلك متسع للنظر ومما يمكن أن نؤاخذ عليه عبد الصبور شاهين أيضا، وعلى ضوء ما سبق أن أشرنا إليه، هو عدم تحديده لأدواته المعرفية بدقة، وحدود اتصاله وانفصاله معها، كعلوم اللغة واللسانيات الحديثة مثلا، وكذا علاقته بالأفكار المتوارثة والحكايات القديمة، التي وإن أقر بعدم الخضوع لها في أكثر من موضع، إلا أنه يقيد نفسه- دون أن يدري- من الناحية الأخرى بما أسماه، معلوما من الدين بالضرورة. قد لا يسلم هو الآخر من طائلة الخرافة والتقليد، دون أي أساس علمي و شرعي عموما، فضبابية منهجه، تجعل من الصعب حتى محاكمته معرفيا، وفق ما كان. من المفترض فيه، أن يُنَصصَ عليه ويؤسس له، كأرضية تعين كل قارئ مهتم بأعماله وتبقى أعماله بالرغم من ذلك، ودراساته القرآنية، ذات قيمة مهمة، إذ يتحسس
فيها القارئ الفطن والباحث المهترئ على عتبات الأسئلة، جدة وفتحا معرفيا قرآنيا، نحن في أمس الحاجة لاتساع دائرة ما يشابهه من أعمال، تستكشف المكنون. وتستجليه
. النقد المزدوج: نقد مناهج القدامى والمعاصرين أما فيما يتعلق بمناهج القدامى، وتعاملهم مع القرآن، فيرى عبد الصبور شاهين أن هذه المناهج وطرق التفكير، اتسمت بالجمود ومنطق المسلمات القديمة، أو منطق اللامساس، والتوفيق الحذر، وهذا حسب تعبيره. وقد لاحظ ذلك أثناء اشتغاله بموضوع الخلق الإنساني داخل القران، إذ وجد تقولات ورؤى لا تعدو أن تكون إسرائيليات لا علاقة لها بالنص القرآني وهو منها براء، بل يتحدث عن موقف المفسرين للقرآن إزاء هذه القضية، وهو في منتهى أساه وحزنه على ما تعرفه الدائرة التفسيرية من استحواذ للرؤية الإسرائيلية وتفردها على الساحة الفكرية،
وتردادها حرفيا، وحسب تعبيره دون أدنى محاولة تعرض مضمونها على العقل، وتغربل وهو أمام هذه الدوائر المحظورة، التي 7. ما حفلت به من خرافات وأساطير اقتحمها وأعمل العقل والسؤال فيها، واع بما يقدم على اقتحامه، ومدرك لما
8. سيواجهه من معارضة تلقائية، ورفض عنيف.. وبلا تفكيروبهذا الحظور الكبير للمرويات الإسرائيلية داخل كتب التفاسير القديمة، قد تتضح لنا بعض من ملامح العقل الإسلامي سواء الماضي أو الحاضر، والذي بات في مجمله مؤسسا على المرويات و الفقه أكثر مما هو مبني على النص، بمعنى أنه يستمد الخلفية المرجعية، على مستوى الوعي والفكر والشعور من تلك المنظومة. المدونة9 المروياتية و الفقهفكرية إن هذه الجرأة النسبية في طرح انتقاداته، وما يطبعها من أدب في التجاوز واستيعاب للمتجاوز، يعد شيئا في منتهى الأهمية، اعتبارا للأرضية التي يضع عليها عبد الصبور شاهين قدميه، والتي يحاول أن يعقلنها ويجعلها غير ذات اختلاف مع المنطق العقلي، وفتوحات المعرفة العلمية، وإن كانت الدوافع لذلك، إفحام الآخر العلماني والطرف المواجه على ساحة المعركة – وهي للأسف آفة جنت على البحث العلمي ونتاجات القلق المعرفي الوجودي - غير أن تسامح الرجل والذي بالود أن يتطور أكثر، قد يعطي لأعماله في المستقبل نوعا من الاستقلالية أكبر، والانعتاق من الأيديولوجية الأصولية – دون انعتاقه من الإسلام – التي بدأت تطال منذ مدة غير يسيرة، عقول منتجي الثقافة العالمة. وإن كانت آراؤه الجديدة وبعض تصريحاته، تشي بنكسة حقيقية مقارنة بما ورد في كتابه أبي آدم. ونود أن نضيف أيضا ملمحا نقديا آخر، وإن كان في هذه المرة متجها بسهامه نحو الدراسات اللغوية الحديثة، في إطار تناولها أعمال اللغويين القدماء؛ إذ يعلق عبد الصبور شاهين عليها قائلا: هذا كله وغيره على كثرته وغناه لم يحاول أن يقترب من دراسة ظواهر اللغة العربية الفصحى دراسة نقدية، تصفي آراء القدماء وتقومها، وتضع حلولا جديدة للمشكلات التي بقيت دون حل، أو التي نالت حلا خاطئا، قام ونحن نعلم ما للرجل من مكانة لا يستهان بها داخل حقل اللغة خاطئ10. على تصور والتي تعتبر شاغله الحياتي الأول والمركزي، ومصباحه الذي يضيء به طريقه نحو النص القرآني. ولا يخفى ما للعلوم اللغوية الحديثة من أثر ظاهر في فهم المعادلة
اللغوية- داخل القران- لدى عبد الصبور شاهين، وما لها أيضا من أثر واضح في تطور تعامله ونظرته وقراءته للنص القرآني، وإن كان نصا لا كالنصوص، ونورد له هنا نصا - على طوله- يبدي فيه وبكل وضوح ما ذكرناه، إذ يقول: فعلم اللغة بالمفهوم الحديث مختلف تماما عما انتهى إلينا من تصور السلف لمضمونه، وقد أثرى ثراء كبيرا من حيث المنهج، بفضل المجتهدين من باحثي الغرب وعلمائه سواء في النظرية أو في التطبيق والتجربة، وساعد على نجاح تطبيقاته، أنها تدرس لغات حية يستطيع الدارس أن يجد من بين المتكلمين بها مساعدا، يقدم له ما يحتاج من نماذج وعينات)( لمواصلة بحثه، ثم يتجه الباحث من هذه النقطة المعلومة إلى مواصلة البحث في المجهول اللغوي، يتخيل الظواهر وتطورها، واللغات وتاريخها، مستخدما في بحثه كل ما أسفرت عنه محاولات العلوم الإنسانية، كعلم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الإنسان، من كشف يضيف إلى فكر الإنسان وثقافته. ماضيه11 شيئا جديدا عن المفردة القرآنية وحقيقة الإعجاز يعود أساس هذه الالتفاتة نحو اللفظة القرآنية، إلى خصيصة لغوية يتميز بها القرآن؛ فهو وإن كان عربيا، فحفظه للعربية واضح جلي، أما حفظه هو فقد تكفل به الله عز وجل. وإشكالية الحفظ، ومن يؤمن وجود الآخر، قد تطارحها الفكر
الإسلامي، ولا زالت تعرف لدى تيار عريض نوعا من الهلامية في تناولها دون أي وضوح يذكر، ويعتقد عبد الصبور شاهين أنه من الممكن لو لم ينزل القرآن أن يتغير بيان العربية بمرور الزمن، وتتابع الأجيال، ثم تبدأ اللهجات العربية
– التي كانت متعددة بتعدد القبائل- تستقل، لتصبح من جيل إلى جيل مستقلة، لا علاقة بينها، إلا ما يكون من علاقة بين لغات الفصيلة الواحدة، كما حدث للهجات الساميين التي أصبحت مستقلة، أي نزول القرآن قد كفل مجموعة من النتائج. 12 بالنسبة للغة العربية.. وبالرغم من ذلك، لا يمكن اعتبار لغة القرآن لغة عادية تجري مجرى اللسان العربي، ولكن لغة ذات بيان علوي، لغة إلهية، استوعبت العربية وصبغتها بلونها وهنا تأتي إشارة عبد الصبور شاهين لما أسماه بإعجاز الكلمة 13، الإلهي المبدع المفردة، مقابلا إياها بما كان معروفا لدى اللغويين والمفسرين القدامى بالإعجاز، بل قد يصل الأمر به أن يحصر فهم الإعجاز القرآني، بالنظر في التركيبي14 واعتناء عبد الصبورشاهين 15. نواته، وهي الكلمة القرآنية وما تتميز به من خصائص واحتفاؤه الكبير بالمفردة القرآنية يدل أولا وقبل كل شيء، على علاقة حميمة بهذا الكتاب تكشفت له خلالها ما للغته من تميز وخصوصية، بدءا بمفرداته وانتهاءا بجوامعه، إلا أن المسألة تأخذ لديه أبعادا وتشكلات، تجعل طرحه مغايرا لمن
؛ فالمفردة لديه، بإتقانيتها، القرآني16 لديهم نفس الفكرة في ما يتعلق بالاصطلاح وفرادتها، وإبداعيتها، تعد دليلا على الإعجاز أولا، ثم إنها ثانيا، ذات معنى تمددي يأخذ أبعادا متطورة وفق تداخلات الإنسان مع الواقع ومعطياته؛ فالمعنى فيها رحب وملابس لمستوى الفكر الإنساني والمدى الذي بلغه، وهو، وإن كان قد أشار لما أسماه باللفظة القرآنية، لا يزال غير واع بحقيقتها كاصطلاح قرآني خاص. وهذا كما سبق وأن أشرنا من المستخلصات التي قد يقف أمامها عبد الصبور شاهين طويلا، متسائلا عما إذا كانت أعماله تحتمل كل هذه المعاني وهاته الحمولة المعرفية، غير أن جدل القارئ والنص وعلاقتهما، لا يمكن أن يضبطها، ولا قدرة له على إخراس النص الذي كتبه – أي أعماله- لأن له هو الأخر لغته الخاصة به، التي لن أقول بموت مؤلفها، وإنما بتداخل أبعادها مع وعي القارئ
ما يهم في أعمال عبد الصبور شاهين هاته، ملامسته النسبية لحقيقة البناء القرآني الخاص وعالمه الفريد، الذي يُنقل اللفظ فيه من كلمة قد تفسر بلغة العرب المتداولة، - وما تعج به المعاجم من معاني – كما هو مألوف في كتب التفاسير قديمها وحديثها إلى اصطلاح قرآني مغاير تماما لما هو متداول في الواقع اللغوي؛ كلفظ الشجرة التي أكل منها آدم وحواء، ولفظ البشر والإنسان، وحقيقة لفظ إبليس والله وغيرها كثير... ولهذه النظرة المتميزة شأن كبير وأثر بالغ في انقشاع حجب كثيرة تغشى هذا الكتاب الكريم، وفتحا لأواصر علاقة مباشرة بين الإنسان و القرآن، وكأنه يتنزل لتوه من جديد على القلوب. رغم أن هذا الدرس اللغوي المفهومي المصطلحي، قد يرتد على ما أملاه من معان قد تصل به إلى العكس مما حصل فيه من معنى، بل إن ذلك حاصل في العديد من الألفاظ التي أعطيت العديد من الدلالات المختلفة، مما يعني أن القضية تحتاج لمنهج، لن يقال بأنه أزلي يحدد المعنى و يضبطه بشكل نهائي ولكن يقارب المسألة بمنهجية أكثر، ولا نجزم أيضا بنهائية ما آخذنا عليه عبد الصبور شاهين؛ إذ أن المسألة تعرف أبعادا أخرى لها إشكاليتها، التي نرى أن دراسات عبد الصبور المذكورة لا تزال بعيدة عن ملامستها وملابساتها بشكل مباشر، وهذا راجع - في نظرنا- لاحتياجها إلى مزيد من الجرأة المنهجية والمغامرة المعرفية، والتجرد ما أمكن من القبليات، ليس على صعيد مسألة الخلق فقط ولكن على نطاق أوسع شيئا ما؛ إذ إن مثل هذه المراجعات والقراءات الجديدة المبدعة بإمكانها أن تضع العقل المسلم على أرض خصبة وتفتح له آفاقا أرحب، تندثر فيها معالم الوصاية والخوصصة المعرفية، وينبلج فيها صبح الفكر الحر الذي نحن في أمس الحاجة إليه، فكر إنساني عالمي بعالمية الرسالة الإسلامية، متآلف ومتخالف بتعدد الآراء وتباينها، وتباعد الأعراف وتقاربها، وتنامي المعارف والأفكار وتكوثرها.
وتجدر الإشارة إلى أننا تعمدنا عدم مناقشة آراء عبد الصبور شاهين ومواقفه ونتاجات أبحاثه التأملية، ولطائفه، قصد إعطاء الأهمية للأسس المنهجية والنظرية لديه، باعتبارها القاعدة التي تأسست عليها قراءته، وإن لم يدقق فيها ويقننها من الناحية التنظيرية كخطاطة مرجعية، إلا أنه لا بأس علينا أن استقطرناها، لتكون تأملاتنا في أعماله تداخلية مع أفكاره وخطوطها العريضة، ونأمل أن تسمح لنا الفرصة بتناولها في دراسة مقبلة

نشير هنا إلي ما يدعيه العديد من علماء السلف وخلفهم المعاصرين، بأن السنة 1- قاضية على الكتاب ومهيمنة عليه،وفي هذا ظلم كبير له ولدرجته، فما السنة إلا تنزيل منهجي لمعاني الوحي وملابستها لحيثيات الواقع
2- التجديد المنهجي في التفكير الديني،محمد أبو القاسم حاج حمد، مجلة الوعي
. 33 ص 12، المعاصر العدد 33
3- أبي آدم قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة،عبد الصبور شاهين، مطبعة
. 42 ص 1998، الشباب
4 - المرجع نفسه، ص 17.
5- نصف الكتب بالمقدسة، وذلك إيمانا منا بمراعاة مشاعر الآخر واحترام معتقده،
وان كنا نظن فيها ما نظن
6- أبى آدم، ص 21- 42
7 - المرجع نفسه، ص 7
8 - المرجع نفسه، ص 143.
9 - السلطة في الإسلام، عبد الجواد ياسين، ينظر الفصل الأول، المركز الثقافي 9
الدار البيضاء، بتصرف 1998، العربي، الطبعة الأولى
10- القراءات القرآنية،في ضوء علم اللغة الحديث، عبد الصبور شاهين، مكتبة 10
الخانجي بالقاهرة،دون تاريخ، ص 7
11 - المرجع نفسه، ص 5- 6 1
12 - حديث عن القرآن، عبد الصبور شاهين، كتاب اليوم، عدد ديسمبر. ص 200
13 - العالمية الإسلامية الثانية، محمد أبو القاسم حاج حمد،دار، الطبعة 13
289- 290. الأولى، ص 200
14 - حديث عن القرآن، ص 75
15 - المرجع نفسه، صفحة 41
16- نشير هنا إلى ما نجده لدا المفكر السوداني محمد أبو القاسم الحاج حمد،
والذي كان طرحه لمسألة الاصطلاح القرآني من أعمق الأبحاث التي أنجزت في الموضوع،
1979. ينظر العالمية الإسلامية الثانية، دار المسيرة، الطبعة الأولى