جاءت الحملة العسكرية الأمريكية المدعومة عراقيا من قبل السلطة المؤقتة بتدمير مدينة الفلوجة وتحطيمها على رأس من فيها من السكان والمواطنين الأبرياء التي لم يسلم منها حتى المصلين في المساجد من الشيوخ والعجزة وكبار السن واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا كالأسلحة الكيماوية والغازات السامة وغيرها التي بناء عليها اتهمت الولايات المتحدة الأمريكية الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين بأنه استخدم أسلحة محرمة ضد المدنيين في حلبجة وغيرها ونكاية في القتل والتدمير منعت القوات الأمريكية هيئة الصليب الأحمر لفترة من الوقت من دخول المدينة لإسعاف من بقي من الجرحى ولانتشال جثث القتلى التي غطت الشوارع وتركت لتنهبها القطط والكلاب الضالة وفي واقع الأمر فإن ما حدث في مدينة الفلوجة والذي يذكرنا بتوأمها الفلسطيني مخيم جنين من قبل الذي دمر وهدمت المنازل على رأس من فيه ومنعت هيئات الإغاثة ولجان تقصي الحقائق من الدخول قبل تنظيف الشوارع من جثث الشهداء بعد تجريفها بالجرافات وخلطها بمخلفات المباني وطمرها في حفر عميقة وفي مياه المجاري ولما لا أليس الاحتلال ملة واحدة وله هدف واحد واستراتيجية تقوم على الاستئصال والقتل والتدمير قبل أن يقوم ببناء جذور أمة جديدة من العدم في العراق حسب رؤية الكاتب الأمريكي الصهيوني توماس فريدمان الذي بشرنا بمستقبل العراق من فوق أطلال الفلوجة الجريحة والذي تتبارى العديد من صحفنا العربية بترجمة مقالاته التي تقطر حقدا وسما علينا كأمة عربية وإسلامية.
وحقيقة الأمر أن ما حدث في الفلوجة يرسل مجموعة إشارات لا يمكن لنا أن نتجاهلها ونخطئ قراءتها وألا نكون أشبه بمن يغمض عينه حتى لا يرى ضوء الشمس بحجة إنكار وجودها وهذه الإشارات يمكن توضيحها في النقاط التالية:
-أرادت الولايات المتحدة الأمريكية وخصوصا بعد فوز الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بفترة رئاسية ثانية أن ترسل من خلال هذا الاقتحام الذي نفذه أكثر من 15 ألف جندي أمريكي بخلاف مجموعة أخرى من القوات البريطانية وغيرها من قوات التحالف المشاركة في الحرب على العراق علاوة على قوات الشرطة العراقية برسالة لبقية مدن المثلث السني وهو ما يعرف بمثلث الموت والرعب لجنود الاحتلال أننا سنستخدم كل الأسلحة المشروعة وغير المشروعة لتحقيق هدفنا من الاحتلال وإبادة من يعترض طريقنا حتى لو تطلب الأمر تصفية الشعب العراقي بكامله حتى نحقق الأمن والحرية في العراق لتحويله لعراق نموذج يحتذى في الحرية والديمقراطية حتى ولو على جثث من فيه البشر.
-أرادت الولايات المتحدة الأمريكية أن ترسخ في وجدان العالم أنها فوق القانون وأنها فوق المنظمات والمؤسسات الدولية وأنها ماضية في تحقيق مشروعها الإمبراطوري حسب رؤية المحافظين الجدد الذين أصبحت لهم السيادة والسيطرة كاملة على القرار الأمريكي في فترة رئاسية ثانية توج فيها الحزب الجمهوري بنجاح كبير وأصبحت له الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ وهو ما يشجعهم أكثر على فرض رؤيتهم التي تقوم على ضرورة بسط الهيمنة الأمريكية على العالم كقطب واحد وأمة عظمى وحيدة في العالم وربما هذا ما التقطته بعض الدول الكبرى مثل فرنسا التي عارضت منذ البداية الحرب الأمريكية على العراق وأرادت أن تصلح ما أفسده الدهر وتعيد علاقتها مع أمريكا لسابق عهدها أو على الأقل تخفف من حدة التوتر بينها وبين أمريكا وهذا ما بدا واضحا في موقفها الذي جاء ملبيا للرغبة الأمريكية في مؤتمر شرم الشيخ الذي عقد قبل أيام.
-أرادت الولايات المتحدة الأمريكية أن ترسل بطاقة معايدة للأمتين العربية والإسلامية عشية عيد الفطر المبارك تقول لهم فيها أننا ماضون في مخططنا نحو شرق أوسط جديد حسب رؤيتنا واستراتيجيتنا المعلنة وان من سيقف في طريقنا فمصيره مثل مصير الفلوجة فلن نرحم أحدا حتى الذين يلوذون بالمساجد ودور العبادة لن ينجو من القتل والموت الزؤام.
-أرادت الولايات المتحدة إثبات توأمتها مع دولة الكيان الصهيوني وتطابق رؤيتيهما واستراتيجياتهما في المنطقة فقد اشترك ألف قناص يهودي في الحملة العسكرية الأمريكية على الفلوجة لخبرتهم في حرب المدن والشوارع وكان من بينهم كما تواترت الأخبار حوالي 28 حبرا بعضهم ناشد اليهود في أمريكا وغيرها بضرورة الالتحاق بالجيش الأمريكي في العراق وأن من يقتل هناك فهو في عداد الشهداء ومعلوم أن مشاركة قوات إسرائيلية في الحرب على العراق معروفة ومشهورة منذ بداية الحرب الأمريكية على العراق كما شارك خبراء إسرائيليين في أحداث تعذيب سجن أبو غريب وذلك لأن الحرب الأمريكية على العراق قامت أساسا حسب رؤية العديد من الكتاب والمحللين الأمريكيين لصالح إسرائيل وليس لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.
-أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تعيد للأذهان بوعي أو بدون وعي رسالة الفاتحين الأول من الاحتلال الأنجلو سكسوني لأمريكا الشمالية التي قامت على الإبادة الكاملة والاستئصال التام للهنود الحمر اعتمادا على البطش ومنطق القوة الغاشمة فلم يتورعوا عن تسميم المياه وحرق المزارع وارتكاب المجازر الجماعية والبشعة لتحقيق النصر القبيح الذي يخلو من كل مبدأ وغاية خلقية أو إنسانية تحقيقا لمبدأ الغاية تبرر الوسيلة وهو مبدأ نفعي شيطاني استخدمه الطغاة على مر العصور الذين يرون أن رؤيتهم أمر إلهي وقدر حتمي لا مفر منه وهو ما أكد عليه أمثال فرعون ( أنا ربكم الأعلى ) وقوله ( إن أريكم إلا ما أرى وإن أهديكم إلا سبيل الرشاد ). والغريب في الأمر أن هذه اللغة الواثقة التي تنطلق من رؤى دينية هي نفس الرؤية التي يتبناها الرئيس الأمريكي الذي يرى أنه يلهم من قبل السماء التي تؤيد ما يفعله للقضاء على الشر.
هذه أهم الرسائل التي أرادت الولايات المتحدة إرسالها من خلال الدمار الهائل الذي ألحقته من خلال حملتها العسكرية على الفلوجة وهو يتطابق دائما مع رسالة الاحتلال عبر العصور فقد سعى الاستعمار الغربي لارتكاب كل الجرائم في مرحلة الاستعمار في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فعلى سبيل المثال في فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر استشهد خلالها حوالي 8 ملاين جزائري كما أن محاولة نقل عشرة ملايين أفريقي للعمل كعبيد في مزارع المحتلين البيض في أمريكا هلك في مقابلهم 100 مليون قضوا نحبهم فكان كل شخص يصل للشاطئ الأخر من المحيط يهلك في مقابله عشرة على الأقل.
لكن الغريب في الأمر هو استقبال هذه الإشارات الأمريكية من الفلوجة في عالمنا العربي المثقل في بطنه بحمل كل أنواع العجائب والمصائب فكتب كثير من كتابنا مهللا للنصر الأمريكي على الإرهابيين ومبشرا العراقيين بعصر الحرية والاستقرار ومنددا بموقف علماء الدين السعوديين الذين وقعوا بيانا أكدوا فيه أن مقاومة الاحتلال فرض على كل مستطيع فاتهموهم بالإرهاب والتخلف وعدم فقه الأمور على طبيعتها ورموهم بكل نقيصة ودعاهم بعض الكتاب بإرسال أولادهم للاستشهاد بدلا من زج الشباب العربي للموت تحت وهم زائف ورأى كاتب أخر أن أهالي الفلوجة ابتهلوا إلى الله في العشر الأواخر من رمضان لينتصر الجيش الأمريكي على الإرهابيين أعداء الحرية والديمقراطية من دعاة الظلام.
هذه الأصوات التي تعلو نبرتها في فضائنا الإعلامي من أنصار البيانات الأممية ضد الإرهاب ولم يجرؤ أحد منهم أن يدين الإرهاب الأمريكي في الفالوجة لكنهم هللوا لهذا الإرهاب الأمريكي مبشرين بالعهد الأمريكي الجديد ومنددين بكل مقاومة نحوه معتبرين ذلك تطرفا وإرهابا دون حياء ولا خجل ودون اعتبار منهم لما يكتبه كثير من الكتاب والمفكرين الأمريكيين معترضين على الاحتلال الأمريكي للعراق ويطالبون بسحب قواتهم منها التي لا تهدف سوى خدمة دولة الكيان الصهيوني في المنطقة إن أمثال هؤلاء من المارينز العرب كما يسميهم بعض الكتاب أشبه بالبغاث الذي يستنصر ويتكاثر في مناطق العفونة والقاذورات وهو أمر طبيعي في زمن الوهن أن يعلو صوت المرضى ومن في قلوبهم مرض وما أكثرهم بكل أسف في بلادنا.إن النصر الأمريكي في الفلوجة رغم كل تلك الإشارات التي أرسلها هنا وهناك نصر قبيح ضد كل القيم والأعراف الشرعية والقانونية ويقوض شرعية ومصداقية أمريكا كقائدة وموجهة للقرار العالمي باعتبارها القوة العظمى الوحيدة لأن القوى العظمى لابد وان تكون عظمى في أفعالها وسلوكها وهو ما يذكرني بقول الشاعر الكبير عبد الله البردوني:
وأقبح النصر نصر الأقوياء بلا فهم سوى فهم كما باعوا وكم كسبوا
قالوا هم البشر الرقى وما أكلوا شيئا كما أكلوا الإنسان أو شربوا

دكتور أحمد عرفات القاضي
كاتب مصري
[email protected]