قبل أيام، ونحن في غمرة متابعتنا لمقابلة فريق العاصمة الإسبانية ريال مدريد ضد فريق العاصمة الباسكية ريال سوسيداد وعلى بُعد بضع دقائق من صفارة النهاية، فوجئنا باقتحام الحكم الرابع أرض الملعب ليهمس إلى حكم المباراة ليثوندو كورتيس بكلمات، طلب على إثرها هذه الأخير من اللاعبين الإسراع في مغادرة الملعب، في الوقت الذي صدحت فيه مكبرات الصوت في ملعب العاصمة الإسبانية طالبة من الجمهور الإسراع في إخلاء الملعب بكل هدوء ونظام.
قد يبدو الأمر عاديا وطبيعيا في مثل هذه الظروف والمواقف، بحكم أن قوات الأمن الإسبانية تلقت تحذيرا عن طريق صحيفة كارا (Gara) الباسكية، التي عادة ما يتصل بها أفراد من المنظمة الانفصالية الباسكية ايتا (ETA) لتبني عملية ما أو الإبلاغ عن وضع قنبلة في مكان ما، هذه المرة وُضعت القنبلة بحسب المتحدث باسم ايتا في مكان ما داخل ملعب سانتياغو بيرنابيو (Santiago Bernabeu) –أحد أكبر الملاعب على المستويين الأوروبي والعالمي-، وهي مبرمجة للانفجار على الساعة التاسعة مساء بتوقيت شبه الجزيرة الإيبيرية.
دخول الحكم الرابع إلى أرض الملعب كان على الساعة الثامنة وخمس وأربعين دقيقة، أي قبل خمس عشرة دقيقة من الوقت الافتراضي لانفجار القنبلة المزعومة، ليُطرح سؤال عريض هل من الممكن إخلاء الملعب في أقل من خمس عشرة دقيقة دون سقوط أي ضحايا جراء الازدحام والتدافع، علما أن الملعب كان يضم ما يقارب 75 ألفا من المتفرجين؟ وحتى أتوخى الصراحة، فقد كنت ممن شككوا في البدء في إمكانية نجاح الإخلاء دون إصابات، بالرغم من إجراءات السلامة التي يتوفر عليها هذا الصرح الرياضي، خاصة أنها ليست المرة الأولى التي يكون فيها الملعب مسرح تهديد بالتفجير (سابقة 1 مايو/أيار 2002 من طرف ايتا، إضافة إلى أنه كان ضمن قائمة الأهداف المحتملة للخلية الإرهابية التي تم إيقافها خلال الشهور الأخيرة بفضل عملية "نوفا")، وذلك لعدة أسباب، أكتفي بسرد بعضها:
•طبيعة التهديد الكفيلة بإفقاد أي شخص برودة أعصابه ورباطة جأشه،
•الحضور القوي للصورة المأساوية لأحداث محطة القطارات أطوتشا (Atocha) في أذهان الإسبان، وسكان العاصمة مدريد بالخصوص،
•ارتفاع عدد المتفرجين الذين حضروا المقابلة، والذي تجاوز بحسب بعض الروايات 78 ألفاً.
هذا دون أن أنسى خلفيتي عن طريقة تعاطي المسؤولين والأجهزة الأمنية في بلداننا المغلوبة على أمرها مع مثل هذه المواقف.
كم كنت مخطئا ومتسرعا في اعتقادي هذا، إذ تمت عملية الإخلاء في ظرف زمني قياسي هو خمس دقائق فقط، دون أن تحدث ولو إصابة واحدة بين المتفرجين نتيجة للتدافع أو الازدحام على مخارج الملعب، ليبدو الملعب بعد ذلك فارغا تماما، وتكشف الدقائق التي تلت ذلك أنه إنذار كاذب ذو أهداف سياسية لا يتسع المقام هنا لذكرها.
نجاح عملية الإخلاء هذه جاءت نتيجة منطقية لتظافر أسباب عدة يمكن أن نجملها فيما يلي:
•سرعة البديهة ودرجة المسؤولية العالية والمهنية والحرفية التي تحلى بهما كل من مسؤولي الأجهزة الأمنية الإسبانية ومسؤولي نادي العاصمة الذين سمحوا للجماهير باستعمال أرض الملعب للخروج للتخفيف من الضغط على بعض المخارج، كما جندوا كافة الطاقات البشرية والتقنية لتسهيل العملية، ونجحوا في توجيه جحافل الجماهير إلى مخارج الطوارئ بشكل منظم ومخطط، لدرجة أن من شاهد صور الجماهير وهم على أرض الملعب اعتقد أنهم في زيارة للملعب وليسوا فارين من قنبلة مزعومة.
•رباطة جأش الجماهير التي كانت حاضرة في الملعب واحتفاظها ببرودة أعصابها بعيداً عن الهستيريا التي تستشري عدواها في مثل هذه المواقف. الأكيد أن الإسبان تعلموا الدرس من أحداث 11 مارس/أذار الماضي، وأدركوا ضرورة ضبط النفس والأعصاب للخروج بأقل الخسائر في مثل هذه المواقف العصيبة، وكانت النتيجة أننا لم نسجل ولو إصابة يتيمة بسبب التدافع أو الركض خبط عشواء.
•تعامل المسؤولين مع الجماهير على أنهم مواطنين يمكن الاعتماد عليهم في مثل هذه المواقف وليسوا قطيعا من الماشية أو الدواب لا يعقلون، يوجهونه بالعصي والهراوات إلى المخارج؛ بل أكثر من ذلك لاحظنا أن الطاقم الإداري للناديين والمسؤولين الأمنيين، بما فيهم مدير الأمن الإسباني ورئيسي الناديين، كانوا آخر من غادر الملعب.
ويبقى سؤالنا الجوهري، أكانت المحصلة ستكون نفسها لو كان الملعب عربيا والجمهور عربيا وقوات الأمن عربية؟ لا نقصد بسؤالنا هذا الإهانة أو التحقير كما قد يتهمنا البعض جزافاً، ولكن نريد أن نلفت الانتباه إلى واقع نرفض الاعتراف به والتعامل معه بموضوعية وتجرد. من المؤكد أن جغرافيتنا العربية تفتقر إلى ملعب يضاهي ملعب العاصمة الإسبانية سانتياغو بيرنابيو، والأكيد أن مبارياتنا، بغض النظر عن مستواها التقني والتنافسي وعن مسرحها الجغرافي، تبقى عاجزة عن جذب جماهير بهذا الحجم.
الفرق بين الملاعب الأوروبية والملاعب العربية يمكن للعين المجردة ملاحظته بمجرد الاقتراب من مداخل هذه الملاعب، ففي الوقت الذي تصادف فيه عدداً قليلاً من أفراد قوات الأمن خارج وداخل الملاعب الأوروبية، نجد أعداداً كبيرة منهم خارج وداخل الملاعب العربية، بل ومدسوسين بين الجماهير، مدججين بهراواتهم الطويلة وخوذاتهم وأذرعهم وكلابهم المرعبة، وكأنهم جاءوا لتفريق مظاهرة شعبية أو عصيان مدني ضد ولي الأمر.
ماذا لو قدَّر الله وتعرض أحد الملاعب العربية للتهديد نفسه، ترى أكانت ردة فعل المسؤولين الأمنيين ستكون بالسرعة والفاعلية نفسها؟ أم تراهم كانوا سيتصرفون بناء على قاعدتهم الذهبية "الكل متهم إلى أن تثبت براءته"، بالطبع باستثناء من يقبعون في المنصة الشرفية؟ وهل كان القابعون في منصة الشرف آخر من سيغادر أم أولهم انطلاقاً من قناعتهم أن مصير الأمة لن يستقيم في غيابهم وبدونهم؟ وأخيراً هل كانت الجماهير ستتصرف بدرجة الوعي نفسها وتلتزم الهدوء والنظام أم كانت سياط وشتائم قوات الأمن ستُفقدها هدوءها ورباطة جأشها؟
نتمنى صادقين أن لا يقع أي مكروه لأوطاننا العربية، بيد أنه من حقنا أن نتساءل هل نحن مستعدون لمواجهة مثل هذه المواقف العصيبة والتعامل معها بفاعلية وسرعة بديهة؟ وهل ستكون لأرواح المواطنين -عفواً أرواح الرعايا العرب لأننا لم نرتقي بعد إلى درجة المواطنين في أعين مسؤولينا- وسلامتهم الأولوية أم ستعطى الأولوية كما جرت العادة للدواعي والاحتياطات الأمنية؟

عبدالرزاق بنـــان فــــلالي
كـــاتب مــــغربي
الدوحـة – قطــر
[email protected]